اصدارات

“أوقفوا عقوبة الإعدام في مصر” تطلق دراسة عن ضمانات عقوبة الإعدام في قانون الإجراءات الجنائية الجديد

بالتزامن مع اليوم العالمي لمناهضة عقوبة الإعدام..

تطلق حملة “أوقفوا عقوبة الإعدام في مصر” والصادرة عن المفوضية المصرية للحقوق والحريات دراسة قانونية عن الضمانات الإجرائية المرتبطة بعقوبة الإعدام في قانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025. وذلك بالتزامن مع اليوم العالمي لمناهضة عقوبة الإعدام الموافق 10 أكتوبر من كل عام، وقد أطلق هذا الحدث بواسطة التحالف العالمي لمناهضة عقوبة الإعدام منذ عام 2003. وتقرأ الدراسة أحكام القانون على امتداد الدعوى الجنائية، من جمع الأدلة والتحقيق والمحاكمة إلى الطعن وتنفيذ الحكم، وتقارنها بالقواعد السارية. وتخلص إلى أن بعض الضمانات لا تزال تحتاج إلى تعديل يضمن وضوحها وإلزاميتها وإمكان التمسك بها قبل فوات الأوان، وتجدد الحملة دعوتها إلى وقف إصدار أحكام الإعدام وتنفيذها فورًا تمهيدًا لإلغاء العقوبة واستبدالها بعقوبات سالبة للحرية دونما فرصة إلى عفو مشروط في جرائم محددة قانوناً مثل جرائم الحرب والإبادة الجماعية.

في قضية قد ينتهي الحكم فيها بعقوبة الإعدام، لا تبدأ الحماية القانونية عند لحظة النطق بالحكم، بل تبدأ منذ أول سؤال يوجه إلى المتهم، ومن الطريقة التي تُجمع بها الأدلة وإثباتها، ومن قدرة المحامي على معرفة ما يجري ومناقشته. وتمتد الحماية القانونية وترافق الشخص إلى قاعة المحكمة، ثم إلى طريق الطعن سواء استئنافاً أو نقضاً أو حال طلب إعادة النظر، وصولاً إلى الساعات التي تسبق التنفيذ. وبين هذه المراحل يقف إنسان له صوت وحق في الدفاع، وأسرة تنتظر أن تُعامل بكرامة وأن تعرف ما يجري. لذلك تنظر الدراسة إلى الإجراء باعتباره ضمانة تمس حياة أشخاص حقيقيين، لا تفصيلًا فنيًا يمكن تأجيله أو تداركه بعد صدور الحكم.

ويصدر هذا العمل في مرحلة انتقالية مهمة، فقد صدر القانون رقم 174 لسنة 2025 ليحل محل قانون الإجراءات الجنائية رقم 150 لسنة 1950، لكن القانون رقم 160 لسنة 2026 عدّل موعد بدء العمل به إلى الأول من أكتوبر 2027. وحتى ذلك التاريخ، يظل القانون رقم 150 هو الإطار الإجرائي الساري، فيما يتناول البحث أحكام القانون الجديد وما ستعنيه عند بدء تطبيقها. وترى الحملة أن هذه المهلة ينبغي أن تتيح نقاشًا عامًا ومراجعة تشريعية جادة، لا أن تتحول إلى انتظار صامت لقواعد قد تمس الحرية والحق في الحياة.

فتعتمد الدراسة قراءة قانونية مقارنة لنصوص القانونين الإجرائيين، مع التركيز على المواد التي قد تؤثر مباشرة أو بصورة غير مباشرة في القضايا المعاقب عليها بالإعدام. كما تضع هذه النصوص في سياق الضمانات الدستورية والتزامات مصر بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. وتستند في تقييمها إلى مبدأ أساسي، كلما كانت النتيجة النهائية أشد، وجب أن تكون الضمانات أوضح، وأن تتاح مراجعة حقيقية للقرارات التي قد تقود إليها. فالمحاكمة العادلة ليست مرحلة منفصلة عن الحق في الحياة، وأي إخلال جوهري بها في قضية تنتهي بالإعدام قد يجعل النتيجة نفسها مخالفة لهذا الحق.

حيث تبدأ الملاحظات من المراحل الأولى للدعوى، حيث تتشكل الرواية التي قد تستند إليها المحكمة. وتتناول الدراسة حدود اختصاص مأموري الضبط القضائي، والإجراءات التحفظية، وإمكان ندب مأمور الضبط لبعض أعمال التحقيق، وضمان حضور شاهدين عند تعذر وجود المتهم أو من ينيبه أثناء تفتيش المنزل. كما تفحص أثر التحقيق والمحاكمة عن بُعد. فإتاحة الاتصال التقني لا تضمن وحدها مشاركة فعالة، إذ ينبغي أن يستطيع المتهم متابعة ما يجري، والتواصل بسرية مع محاميه، والاطلاع على الأدلة ومناقشتها، وأن يكون التسجيل كاملًا ومحفوظًا وقابلًا للمراجعة. وإذا انقطع الاتصال أو تعذر الدفاع، يجب وقف الإجراء إلى أن تستعاد المشاركة الفعلية.

وتفرد الدراسة اهتمامًا خاصاً للمادة 22 المستحدثة، التي تتيح إعمال الصلح الجنائي بين الجناة وورثة الضحايا في بعض من جرائم الدم كجريمة القتل العمد مع أثره في تخفيف العقوبة وفقاً للتدرج العقابي المنصوص عليه بالمادة 17 من قانون العقوبات. وتوضح أن الصلح قد يفتح سبيلًا لتخفيف الحكم في بعض الحالات، لكنه لا يمحو الإدانة ولا يغني عن حق المتهم في الدفاع، ولا يجوز أن يتحول إلى شرط مالي أو إلى مسار لا يستطيع بعض أصحاب الحقوق الوصول إليه. لذلك تدعو الدراسة إلى تنظيم طريقة إثباته، وتمثيل الورثة والقاصرين والغائبين، والتعامل مع تعدد المجني عليهم أو المتهمين، وضمان أن يكون الاتفاق حرًا ومستنيرًا، مع توضيح أثره قبل التنفيذ وبعد صيرورة الحكم باتًا. وتؤكد الدراسة أن رأفة المحكمة لا ينبغي أن تصبح رهينة الصلح وحده.

كذلك تبحث الدراسة الحبس الاحتياطي في القضايا التي قد تصل عقوبتها إلى الإعدام أو السجن المؤبد، وما استحدثه القانون من مدد قصوى. وترى أن وضع سقف زمني خطوة مهمة، لكنه لا يغني عن جعل الحبس استثناءً تبرره ضرورة فردية، وعن مراجعة دورية مستقلة والنظر في بدائل أقل تقييدًا. كما تتوقف عند المادة 346 وما تجيزه من إيداع شخص في مؤسسة للصحة النفسية في حالات محددة، حتى بعد انتهاء الدعوى بالبراءة أو بألا وجه لإقامتها لسبب متعلق باضطراب نفسي أو عقلي. وتطالب بحد زمني واضح للإيداع، وتقييم طبي مستقل ومتجدد، ومراجعة قضائية دورية، وحق الشخص في معرفة أسباب استمرار الإيداع والطعن فيه والاستعانة بمحامٍ. فالرعاية لا ينبغي أن تتحول إلى حرمان مفتوح من الحرية.

وعند صدور حكم الإعدام، لا تساوي الضمانات الإضافية بالضرورة فرصة حقيقية لمراجعة الحكم. فالقانون الإجرائي الجديد كسابقه يشترط إجماع آراء القضاة وإحالة الأوراق إلى فضيلة المفتي، لكنه لا يحدد مهلة كافية لورود الرأي الشرعي ولا يلزم بتأجيل النطق إذا لم يصل. كما أن قانوني الإجراءات يوجبا عرض النيابة العامة الحكم الحضوري بالإعدام غير المستأنف على محكمة النقض، وهي ضمانة مهمة، لكن الدراسة توصي بتمكين المحكوم عليه ودفاعه من استئناف حكم الإعدام، وألا يحل العرض التلقائي أمام النقض محل حقه في الطعن بالاستئناف. وتطالب أيضًا بأن يتمكن المحكوم عليه ومحاميه من طلب إعادة النظر عند ظهور أسبابها القانونية، مع وقف التنفيذ إلى حين الفصل النهائي.

كما أن الدراسة ترصد مسائل تمس المحكوم عليه وأسرته مباشرة فيما يخص تنيفذ عقوبة الإعدام، كتوقيت إخطار المحكوم عليه ومحاميه وأسرته، وضمان حضور الدفاع، وطبيعة الزيارة السابقة للتنفيذ ومدى إلزاميتها، وإمكان مقابلة ممثل العقيدة التي يختارها، وتسليم الجثمان إلى الأسرة. وتدعو الدراسة إلى إخطار واضح وفي وقت يسمح بالتصرف، وحق فعلي في مقابلة المحامي والزيارة الأخيرة، وتوثيق إجراءات التنفيذ وإتاحتها للمراجعة المستقلة، وجعل تسليم الجثمان للأسرة هو الأصل، مع تسبيب أي رفض وإتاحة التظلم العاجل. هذه التفاصيل تحفظ الكرامة وتمنح الأسرة حقًا في المعرفة والوداع، ولا ينبغي أن تبقى رهينة التقدير الإداري.

وتؤكد الحملة أن تقوية الضمانات الإجرائية ضرورة عاجلة، لكنها لا تجعل تنفيذ الإعدام قابلًا للإصلاح إذا ظهر خطأ بعد وقوعه. فالتعويض أو إعادة المحاكمة لا يعيدان الحياة إلى من نُفذ فيه حكم خاطئ. ومن ثم تدعو الدراسة المشرع وتطالبه بتعديل النصوص الإجرائية الجديدة التي تمس التحقيق والحضور عن بُعد، وتنظيم الصلح، وتقليل الحبس والإيداع غير المحدد، وتوسيع طرق الطعن، وتأمين المراجعة القضائية ووقف التنفيذ، وضمان حقوق المحكوم عليه وأسرته في المرحلة الأخيرة حال الوصول إلي التنفيذ.

كما تشدد الحملة على أن المطالبة بوقف الإعدام لا تعني تجاهل ألم ضحايا الجرائم أو أسرهم. فلكل أسرة فقدت عزيزًا حق في الحقيقة والإنصاف والدعم، وعلى الدولة أن تضمن لها سبلًا فعالة للعدالة والرعاية. لكن العدالة لا تستعيد من فُقد بإنهاء حياة شخص آخر، ولا يجوز أن تجعل الاستجابة للألم قرارًا لا رجعة فيه قد يقع في ظل خطأ لا يمكن إصلاحه. المطلوب نظام يحمي المجتمع، ويحاسب على الجرائم، ويضمن حقوق الضحايا والمتهمين معًا، من دون أن يمنح الدولة سلطة إغلاق كل أبواب المراجعة بإنهاء حياة إنسان.

إن القانون الإجرائي الجديد لم يبدأ تطبيقه بعد، وما زالت أمام المشرع فرصة لتدارك مواطن الغموض، وجعل كل ضمانة قابلة للاستخدام في الوقت الذي يحتاجها فيه صاحبها. وتدعو حملة “أوقفوا عقوبة الإعدام في مصر” مجلس النواب والجهات المعنية إلى مراجعة التوصيات الواردة في الدراسة، وإلى وقف تنفيذ الأحكام فورًا وفتح مسار جاد لإلغاء العقوبة. ففي القضايا التي يكون ثمن الخطأ فيها حياة إنسان، لا يكفي أن نجد الضمانة مكتوبة في القانون، يجب أن تصل إلى الشخص قبل أن يفوت وقت استخدامها. ويبقى السؤال الذي تضعه هذه الدراسة أمام المشرع والمجتمع، هل نكتفي بأن نراجع الإجراء بعد فوات الأوان، أم نمنع أن يصبح فوات الأوان جزءًا من الحكم؟.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى