Site icon المفوضية المصرية للحقوق والحريات

الدكتورة عايدة سيف الدولة إحدى مؤسسات “النديم لتأهيل ضحايا العنف والتعذيب” تكتب عن: الأثر النفسي والاجتماعي للاختفاء طويل المدة

.

ممكن سيناريوهات البداية تختلف.. شاب في سنة أولى كلية نازل مشوار يخلص ورقه.. طفل في تانية سنوي نازل يقابل اصحابه في آخر أيام الأجازة.. شاب او شابة مروحين من الشغل بيتصلوا بالبيت يسألوا اذا البيت ناقصه حاجة وانهم في الطريق.. حد نايم في أمان الله في بيتهم قبل ما ينكسر عليه الباب.. كلها أمثلة على ناس حقيقية لهم أسر حقيقية كانت دي آخر لقطات في حياتهم اللي يعرفوها.. وفي البيت أسرة تنتظر عودتهم، لكنهم لا يعودون..

اتخطفوا.. سواء من ناس لابسه مدني.. او ناس في زي شرطة.. او عربيات شرطة.. يتخطفوا ويختفوا من غير ما يلحقوا يبلغوا حد انهم اتخطفوا.. من غير ما يلحقوا يستغيثوا بحد.. تعصب عيونهم ويتكلبشوا امامي او خلفي .. جايز ينضربوا وجايز لأ لو كان حظهم كويس في اللحظة دي .. لكن مصيرهم واحد.. احتجاز محدش يعرف عنه حاجة في مكان ما حدش يعرفه .. يفقدوا أسماءهم ويتحولوا لرقم.. مجرد رقم يختاره اللي خافيهم وحابسهم ومحدش بيرد على سؤال: فيه ايه؟ انت مين؟ لكن فيه أسئلة تانية بتدور في دماغهم مفيش طريقة يعرفوا بيها الاجابة عليها: يا ترى اللي في البيت عرفوا؟ هيعرفوا؟ الحاجة هتعمل ايه؟ الحاج هيستحمل؟ هيعرفوا يقوموا محامين؟ هيتكلموا عني؟ ولا أنا كده اتمسحت من على الخريطة؟ وتمر ايام واسابيع وشهور وسنين وجايز الشخص ده ما يظهرش.. او جايز يظهر قدام نيابة امن الدولة وفي انتظاره كومبو اتهامات ورقم قضية وحبس احتياطي.. عشر مرات 15 يوم هدية مجانية لنيابة امن الدولة لحد ما يتنقل لغرفة مشورة تجدد بالخمسة واربعين يوم..

لكن خلينا نركز على فترة الاختفاء..

بالنسبة للمختفي مفيش اجراءات، مفيش مرجع، مفيش قانون، مفيش حدود للزمن، ليه؟ لأن القانون مفيهوش حاجة اسمها اختفاء قسري. بس هو لو من المتابعين على وسائل التواصل الاجتماعي هيكون عارف انه دخل نفق آخره بوابة تحجب حتى النور اللي في آخر النفق، مفتاحه مع مين؟ محدش عارف بالضبط.

لو اقتصر الأمر على كده نقدر نتخيل كم الرعب والهلع والفزع واليأس اللي بيحكم.. هي خبرة أقرب الى الموت.. لأن اذا فيه حد ممكن يعمل فيه كده.. يخفيه ويعصب عيونه ويكتف ايديه وجايز يكلبشهم في الحيطة او في اللي جنبه اللي هو برضه ما يعرفش هو مين ولا اسمه ايه لانه هو كمان اصبح رقم.. يبقى مين اللي يضمن انه ما يموتش في العزلة المجهولة دي طالما محدش عارف هو فين واللي اخدوه، حتى لو اخدوه من بيته ، بينكروا انه عندهم. تخيلوا بقى لو العزلة دي كان معاها تعذيب، ضرب واهانة وسب وتهديد بكل حاجة ممكنة .. هل نقدر نتخيل؟ ما أعتقدش أي خيال ممكن ينقل لنا حالة هذا الشخص بدقة. الله يكون في عونه

في الناحية التانية من الأبواب فيه أسرة.. اسرة كانت مستنياه يرجع .. لكنه ما بيرجعش. الأول محاولة ايجاد أعذار، جايز وراه حاجة، جايز قابل حد وانشغل معاه، جايز راح مشوار. الا طبعا اللي اتاخد من بيته. او اللي استجاب لاستدعاء من امن الدولة وراح برجليه وبعدين ما رجعش. يعملوا ايه. القلب مخطوف والصدر مقبوض والخوف الخوف الخوف هو اللي سايق. يكلموا اصحابهم، اقاربهم، وسايطهم.. لعل وعسى حد يقدر يعرف حاجة حد يقدر يطمنهم..

مفيش اخبار. مفيش جديد. مفيش معلومات. بس في الأغلب مفيش غير نصايح: ما تكتبوش ما تقولوش ما تعملوش دوشة وهو ان شاء الله هيظهر.

في ظلام الاختفاء شخص يتمنى ان الناس تكون عرفت انه اتخطف وفي خارج القبو اسرة مرعوبة بيتقال لها ما تشتكيش، استني، ان شاء الله خير.

خلينا بس نتخيل في الاحوال العادية اد ايه بنقلق لما حد من الاسرة او الاولاد او الحبايب يتأخر او ما يجيش وهو عمره ما كان بيعمل كده. وخلينا نضرب القلق ده في 100، في الف، في مليون.. خلينا نتخيل الام او الزوجة المنتظرة كل خبطة باب، كل رنة تليفون من رقم ما تعرفهوش.. كل يوم بيعدي ومحدش بيعبرها ولا يطمن قلبها.

ما هواش بس اختفاء. الام او الزوجة دي مش عارفه الغايب حي ولا لأ.. بعد سنين جايز تدعي ان ربنا يطمنها على احواله حتى لو كان توفى تبقى عارفه وتطلب تدفنه وتلبس الاسود عليه وتبطل تنتظر وتبتدي الحداد.

الاخفاء القسري جريمة لا تقتصر على المخطوف وانما تمتد لأسرته وأصدقاءه وحبايبه.. جريمة مشترك فيها اللي خطف واللي امر بالخطف واللي احتجز واللي حجب المعلومات والتواصل مع الاسرة والمحامي. كل من عطل القانون علشان يستفرد ببني آدم لا حول له ولا قوة اما علشان عاوز منه اعترافات غالبا لا يملكها، او علشان عاوز معلومات عن طرف تالت، او علشان يعاقب طرف تالت أو علشان حد زعل حضرة الباشا.

الاخفاء القسري جريمة جبانة.. يرتكبها طرف معاه كل حاجة، القوة والشرطة والمقار وأدوات التعذيب والحفاظ على مجهولية هويته ضد طرف مجرد من كل حاجة بما فيه اسمه.. ولازم يتحول لرقم لان الرقم بيلغي كونه انسان وساعتها التنكيل اسهل.

الاخفاء القسري جريمة في حق مجتمع باكمله.. زي قطع الأشجار.. جريمة قطع حياة البين آدم وحرمانه من استمرارها بشكل طبيعي هو وأسرته. علشان كده لازم نصرخ بيها، نتكلم عنها، نستبدل الأرقام بالأسامي والسن والهواية والاحلام المسروقة.. مش بس علشان الناس تعرف بس كمان وده الاهم علشان الشخص المختفي يعرف ان محدش ساكت على اختفاءه

Exit mobile version