المفوضية المصرية تدين تجاهل “الصحفيين المؤقتين” وحقهم في التعيين بعد سنوات من العمل دون حماية قانونية أو أمان وظيفي في المؤسسات القومية

#بيان
اكتوبر 25, 2025.
تعرب المفوضية المصرية للحقوق والحريات عن قلقها البالغ إزاء استمرار أوضاع العمل الهشة داخل المؤسسات الصحفية القومية، وتدين تجاهل الجهات الرسمية لمطالب مئات الصحفيين المؤقتين الذين أمضوا أكثر من خمسة عشر عامًا في العمل دون تعيين أو حماية قانونية، في انتهاك واضح لحقوقهم الدستورية والاتفاقيات الدولية التي تكفل الحق في العمل اللائق والأمان الوظيفي. وتؤكد المفوضية أن استمرار هذا الوضع لا يمثل فقط مخالفة صريحة لقانون العمل رقم (14) لسنة 2025، وقانون تنظيم الصحافة والإعلام رقم (180) لسنة 2018، بل يعكس سياسة ممنهجة لتكريس الهشاشة كأداة لإدارة سوق العمل بدلًا من ضمان العدالة والاستقرار.
وخلال العام الماضي٬ تصاعد الغضب من تجاهل الدولة والمؤسسات القومية لمطالب الصحفيين بالاستقرار والتعيين بعد سنوات من العمل الفعلي داخل غرف التحرير. فمنذ عام 2010، يعمل مئات الصحفيين في مؤسسات الأهرام والأخبار والجمهورية ودار الهلال ودار المعارف وروزاليوسف ووكالة أنباء الشرق الأوسط بنظام المؤقتين، دون عقود، أو تأمينات، أو أجر ثابت، أو اعتراف قانوني بوضعهم الوظيفي، في مخالفة صريحة للمادة (89) من قانون العمل رقم (14) لسنة 2025 التي تُلزم صاحب العمل بتحرير عقد خلال ثلاثة أشهر من بدء التشغيل، وللمادة (14) من قانون تنظيم الصحافة والإعلام رقم (180) لسنة 2018 التي تُوجب توثيق العلاقة التعاقدية للعاملين بالصحف ووسائل الإعلام.
ورغم وضوح القانون، بقيت مؤسسات الدولة الإعلامية نفسها خارجه. ففي يناير 2020 صدر قرار رئيس الوزراء بوقف التعيينات الجديدة والتعاقدات في المؤسسات القومية بزعم “مراعاة حوكمة الإنفاق”، لتُغلق بذلك آخر نوافذ الحل، ويُترك الصحفيون المؤقتون يؤدّون مهامهم الكاملة بلا حماية قانونية ولا أمان وظيفي. ومع مرور السنوات، تآكلت المكافآت الرمزية التي يتقاضونها٬ ما بين 200 و700 جنيه شهريًا٬ حتى صارت لا تكفي أجرة الانتقالات إلى مقار العمل، لتتحول المهنة التي يُفترض أنها صوت الحرية إلى عبء اقتصادي يثقل كاهل من يمارسها.
وفي عام 2024 بدأت أولى التحركات المنظمة للصحفيين المؤقتين بمشاركة نقيب الصحفيين خالد البلشي، الذي أعلن التزام النقابة بالتحرك رسميًا لفتح باب التعيين. وخلال المؤتمر العام السادس للصحفيين في مارس من العام ذاته، خُصصت جلسة كاملة لمناقشة الملف، خرجت بتوصية صريحة بضرورة التعيين التدريجي وفق جدول زمني واضح. وفي 8 أبريل 2024، أرسلت النقابة خطابًا رسميًا إلى رئيس الهيئة الوطنية للصحافة تطالب فيه بلقاء عاجل، تلاه اجتماع حاسم في أغسطس بين نقيب الصحفيين ورئيس الهيئة عبد الصادق الشوربجي، اتفق خلاله على فتح باب التعيين وإجراء اختبارات مهنية للمتقدمين، مع جدول زمني يبدأ في سبتمبر 2024 بمعدل عشرين صحفيًا شهريًا. حينها تقدّم أكثر من 250 صحفيًا للاختبارات، في خطوة بدت آنذاك كأنها بداية الانفراجة المنتظرة، لكن لم تُعلن النتائج، ولم يبدأ التعيين
وتؤكد المفوضية المصرية للحقوق والحريات أن قضية الصحفيين المؤقتين ليست مجرد أزمة مهنية تخص مؤسسة بعينها، بل مرآة تعكس غياب الأمان الوظيفي في مصر حتى داخل مؤسسات الدولة نفسها. إن تجاهل هذا الملف يشكّل انتهاكًا صريحًا للحق في العمل اللائق والضمان الاجتماعي، ويقوّض أي حديث رسمي عن إصلاح إعلامي أو تنمية بشرية حقيقية. خاصة وإن أزمة المؤقتين لا تقف عند حدود الصحافة وحدها، بل تعبّر عن واقعٍ أوسع يُعاد فيه إنتاج العمل الهش كسياسة لا كاستثناء. فالعمل المؤقت الذي كان يُفترض أن يكون حلًا انتقاليًا “محدود المدة”، أصبح قاعدةً ممتدة من الصحافة إلى التعليم والصحة والمحليات. ولم تعد الهشاشة ناتجة عن ضعف رقابة أو سوء إدارة فحسب، بل عن غيابٍ متعمّد لمفهوم الأمان الوظيفي في السياسات العامة، وعن تصورٍ اقتصادي يرى في استقرار العامل عبئًا لا استثمارًا
وتجدد المفوضية المصرية مطالبتها بالإسراع في إعلان نتائج اختبارات التعيين وبدء إجراءات التثبيت وفق جدول زمني معلن وشفاف٬ إلزام الهيئة الوطنية للصحافة وجميع المؤسسات القومية بتطبيق القوانين المنظمة للعقود والحقوق التأمينية٬ وقف التصريحات والممارسات التمييزية ضد الصحفيين المؤقتين، ومحاسبة المسؤولين عنها٬ ومراجعة شاملة لسياسات التشغيل داخل مؤسسات الدولة لضمان تطبيق مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص في سوق العمل.
وتؤكد المفوضية المصرية للحقوق والحريات في الختام أن الحق في العمل اللائق والأمان الوظيفي هو حق إنساني أصيل لا يجوز المساس به، وأن استمرار تجاهل هذا الملف يقوّض الثقة في مؤسسات الدولة ويكرّس غياب العدالة الاجتماعية وتجدد المفوضية التزامها بمساندة الصحفيين المؤقتين في معركتهم المشروعة من أجل التعيين والاستقرار، باعتبارها معركة من أجل الكرامة والحق في العدل قبل أن تكون مطلبًا مهنيًا.




