.
في اليوم العالمي للصحة النفسية، الذي يوافق 10 أكتوبر من كل عام، نشرت المفوضية المصرية للحقوق والحريات سلسلة من التدوينات عبر “فيسبوك” تذهب أبعد من سؤال: هل الصحة النفسية جزء من الصحة العامة والخدمات الحكومية الصحية في مصر؟ وتناقش الصحة النفسية في القطاع الصحي للدولة بين كونها: حفنة خدمات متفرقة vs منظومة عادلة شاملة.
وفي التدوينة تناولت “المفوضية المصرية” مسألة “إتاحة الوصول للخدمة وعدالة التوزيع”، والتي جاء فيها:
تُقدم بضع مستشفيات حكومية في مصر خدمات الصحة النفسية بالفعل. لكن هذه الخدمات لا تعكس وجود منظومة صحية للدعم والعلاج النفسي في البلاد. على سبيل المثال يتطلب وجود المنظومة مجموعة معايير حقوقية أهمها عدالة توزيع الخدمات وإتاحة وصولها للمواطنين دون تمييز. في الواقع نظرة بسيطة على الأرقام الرسمية ذاتها تشير إلى عكس ذلك.
نبذة عن عدالة توزيع خدمات الصحة النفسية الحكومية (تصميم بصري بسيط) يعرض الآتي:
- ما يقارب النصف من المستشفيات النفسية التي توفر حجز داخلي للعلاج تنحصر في القاهرة الكبرى
- ثلث العيادات الخارجية النفسية في القطاع الحكومي تتركز في القاهرة الكبرى
تشير إحدى الشهادات التي وثقتها المفوضية أن بعض الحالات المصابة بأمراض واضطرابات نفسية تعجز عن إيجاد الدعم والعلاج في نطاقات خارج التغطية. تقول طبيبة نفسية “كان لدينا مريض يحتاج لخدمة نفسية متخصصة في أسوان ولم يجد مكان يمكن أن يلجأ إليه هناك”.
وجاءت في التدوينة الثانية التي كانت تحت عنوان “كشف وعلاج نفسي بـ 10 جنيه يا بلاش”: في تتبع التكلفة الواقعية لخدمات الصحة النفسية في مصر“
🔵 بينما تصرح مصادر رسمية بأن تكلفة الكشف والعلاج في عيادات الصحة النفسية التابعة للحكومة هي فقط 10 جنيهات كما جاء على لسان مدير مستشفى العباسية في تصريح صحفي له قبل شهر تقريبا، لكن تجارب المرضى تقول خلاف ذلك. توثق تقارير صحفية عديدة ما بين يوليو 2024 وحتى العام الجاري 2026 تقديرا مختلفا للتكلفة تتراوح من 4,500 وحتى 16,500 جنيه شهريًا تقريبًا قبل بعض الخدمات العلاجية الإضافية، بينما وثقت شهادات أطباء ومصادر صحفية أرقامًا فعلية وصلت إلى نحو 18 ألف جنيه في بعض الحالات/التقديرات.
🔵 تقر اللائحة الجديدة لصندوق تحسين الخدمة بمستشفيات ومراكز الصحة النفسية رقم 220 لسنة 2025 قائمة أسعار بعض الخدمات المرتبطة بالصحة النفسية وتفصل فيها بين الإقامة وبين الخدمات الطبية والعلاجية:
◾ مرتبة هوائية: 70 جنيهًا يوميًا.
◾ تمريض خاص 24 ساعة: 650 جنيهًا يوميًا.
◾ بعض الفحوص والتحاليل برسوم منفصلة.
◾ جلسات وخدمات نفسية وتأهيلية بأسعار منفصلة.
◾ التقرير أو الشهادة الطبية: 100 جنيه.
◾ الاستشارة الهاتفية/عبر المنصة الوطنية: 50 جنيهًا.
◾ بعض خدمات الأطفال والجلسات لها أسعار منفصلة.
🔵 يفسر هذا ما روته شهادة طبيبة نفسية عملت لأكثر من 25 عاما في هذا القطاع قائلة: على عكس ما يقال عن وجود خدمات نفسية مجانية، واقع الأمر أن مصر لا توجد بها صحة نفسية مجانية. تعبر “المرض بقى رفاهية”. يبدو هذا واضحا بداية من تراجع نسب إنفاق الدولة على الصحة وحتى خصخصة الخدمات الصحية والذي بدأ بما أسمته الدولة قسم اقتصادي داخل المستشفيات الحكومية بحجة أنه ينفق على الخدمات المجانية وهو ما لم يحدث كما رأينا بعد ذلك. تشير الطبيبة إلى أن كل هذا الحديث يستبعد كذلك تكلفة وصول المريض إلى المنشأة الصحية وطول مدة العلاج النفسي وعوامل أخرى لا ينظر إليها في حساب التكلفة وقدرة المريض على الوصول للخدمة الصحية النفسية حتى داخل القطاع الحكومي.
🔵 أما البديل فهو ترك المرضى لخدمات صحية خاصة لا يوجد حد أو سقف لما تفرضه من رسوم. تستشهد بعيادات نفسية في التجمع الخامس يقدر سعر الجلسة فيها 12 ألف جنيه مصر مقابل 45 دقيقة لأطباء شباب في مقتبل العمر بترخيص من وزارة الصحة نفسها. وفي حال تعرض المريض لأي انتهاك فلا توجد آلية شكاوى منصفة له عموما سواء في القطاع الخاص أو العام بمجال الصحة النفسية أو غيرها.
وتطرقت التدوينة الثالثة إلى مسألة تخصص الخدمة المقدمة: ما الذي ينقصنا حتى نكون منظومة صحة نفسية؟
وجاء فيها:
🔵 يفترض أن تبدأ خدمات الدعم والعلاج النفسي من ممارس عام مؤهل “طبيب الأسرة” بما يمكنه من التعرف على مشكلة الحالة وتشخيصها مبكرا وإجراء التدخلات اللازمة، ومن ثم تكون الخدمة منظمة ومؤسسة بشكل بنيوي من البداية بحيث لا تنتظر تدهور حالة الشاكي/ة حتى يكون في حاجة لعلاج متخصص غير متوفر إلا في مستشفيات وعيادات خارجية متخصصة أقل عددا. تكمن المشكلة في أن هذا الترتيب وما يتطلبه من تأهيل وتجهيز سواء لوجيستيا أو بشريا غير متوافر في القطاع الصحي النفسي بوضعه الحالي في الخدمات الحكومية. وهذا ما توصى به الطبيبة النفسية في شهاداتها للمفوضية. داخل نظام التأمين الصحي الشامل والذي أطلقته الدولة في السنوات الأخيرة، لا تسمح قدراته إلا بالتعامل البسيط مع المرضى، ويتطلب العلاج المتقدم تحويل المريض إلى مستشفى متخصص، ولا يشمل ذلك حالات الإدمان، والذي تحمل فيه الدولة المريض مسؤولية علاج نفسه بالتكفل بمصاريف هذا العلاج على نفقته الخاصة.
🔵 تعكس الأرقام والتجارب الحياتية لواقع خدمات الصحة نفسية مشكلات حقيقية وموانع تعيق وصول المواطنين لخدمة علاج ودعم شامل وعادل بما يكفي لتحقيق النفع العام منه لعموم المصريين.
🔵 يتطلب ذلك الإصلاحات والتدخلات الآتية:
◾ تجريد الخدمة الصحية النفسية من القدرة المالية وخاصة للفئات المهمشة والطبقات البسيطة.
◾ إنشاء آلية رقابة مستقلة للرقابة على المؤسسات والعاملين فيها بما يسمح من إنصاف الشكاوى، دون حفظ أو إحالة التحقيق لأطباء زملاء تربطهم مصالح بالأطباء المشكو في حقهم من قبل المرضى الشاكين/ات.
◾ الرقابة على تسعير الخدمات الخاصة ووضع حد أقصى لتكلفة العلاج، وفرض ضرائب على مؤسسات الصحة النفسية الخاصة.
◾ كفالة العلاج المجاني من الإدمان وشموله في منظومة دعم مجتمعي تعيد تأهيل المرضى.

