على خلفية التحقيق مع لينا عطا الله رئيسة تحرير “مدى مصر” وسؤالها حول ترخيص الموقع، نشرت المفوضية المصرية للحقوق والحريات، تدوينة رصدت من خلالها حجب الدولة الترخيص عن الصحافة المستقلة ومحاسبة العاملين على غيابه. كما تناولت أسئلة التحقيق التي تطال الأجور وعلاقات العمل.. وفيما يلي نص التدوينة:
🔵 للمرة الثانية خلال أقل من شهر، تتحول تهمة “إدارة موقع دون ترخيص” إلى مدخل لملاحقة العاملين في الصحافة المستقلة؛ فبينما يستمر حبس كامل فريق تحرير منصة “متصدقش” على ذمة قضية دارت أسئلة التحقيق فيها حول الهيكل الإداري للمنصة وأجور العاملين بها، وجهت نيابة أمن الدولة العليا التهمة ذاتها إلى رئيسة تحرير «مدى مصر»، رغم أن المؤسسة تسعى للحصول على الترخيص منذ ثماني سنوات دون أن تمنحه لها الدولة.
🔵 ويواجه الصحفيون الستة العاملون في «متصدقش»، محمد أشرف أبو عميرة، وعبد الله قدري، وإسلام بركات، ومحمد عادل، ومحمد محمود، وعمر هلال، الحبس الاحتياطي على ذمة القضية رقم 8083 لسنة 2026 حصر أمن دولة عليا، بعد القبض عليهم في 28 سبتمبر واحتجازهم في أماكن غير معلومة حتى عرضهم على النيابة في 4 أكتوبر، وقد جُدد حبسهم 15 يومًا في 13 أكتوبر.
🔵 وكانت وزارة الداخلية قد وصفت المنصة بأنها «غير مرخصة»، وأشارت إلى أن واحدًا فقط من الستة مقيد بنقابة الصحفيين، واتهمتهم بتلقي “تمويل” مقابل عملهم. وبحسب محاميهم، اقتصرت جلسات التحقيق على أسئلة حول طبيعة العمل الصحفي، وآليات التحقق من المعلومات، والهيكل الإداري للمنصة، والأجور داخلها.
🔵 يتكرر الموقف ذاته في القضية رقم 9072 لسنة 2026 حصر أمن دولة عليا، إذ قررت النيابة إخلاء سبيل رئيسة تحرير «مدى مصر» لينا عطا الله بكفالة 100 ألف جنيه، بعد أن وجهت إليها تهمتي إدارة موقع دون ترخيص ونشر أخبار كاذبة، وتطرقت الأسئلة إلى الإجراءات التي اتبعتها إدارة الموقع للحصول على الترخيص. وكان “مدى مصر»” تقدم بطلب الترخيص إلى المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام عام 2018، ثم أعاد التقدم عام 2020، دون أن يرد المجلس في المرتين، ولم يظهر قرار الرفض إلا في سبتمبر 2023، في صورة إفادة قُدمت لدعم الاتهام نفسه.
🔵 ترى المفوضية المصرية أن الواقعتين تكشفان حلقة مغلقة تدفع ثمنها القوى العاملة في الصحافة المستقلة؛ فالعامل يلاحق لأن المنشأة التي يعمل بها غير مرخصة، رغم أن الترخيص وفق المادة 6 من القانون رقم 180 لسنة 2018 التزام يقع على من يؤسس الموقع ويديره لا على المحرر، ثم تلاحَق الإدارة نفسها لأنها لم تحصل على ترخيص سعت إليه وحجبته الدولة.
🔵 وبين الطرفين، يتحول الأجر الذي يتقاضاه الصحفي إلى “تمويل”، ويتحول السؤال عن الهيكل الإداري والرواتب إلى مادة تحقيق، بما يعني أن علاقة العمل ذاتها صارت موضع اتهام.
🔵 يخالف ذلك الموقف المتعسف قانون العمل رقم 14 لسنة 2025، الذي يعرف علاقة العمل بأداء عمل تحت إدارة صاحب العمل أو إشرافه لقاء أجر، ويقر بإثباتها وبحقوق العامل حتى في غياب العقد المكتوب، دون أن يجعل الوضع الإداري للمنشأة سببًا لإهدار هذه الحقوق أو لتجريم من يعملون بها، كما يخالف المادتين 12 و13 من الدستور اللتين تكفلان الحق في العمل وتلزمان الدولة بالحفاظ على حقوق العمال، والمادة 70 التي جعلت إصدار الصحف بمجرد الإخطار.
🔵 وتأتي هذه الملاحقات في سوق عمل صحفي مأزوم أصلًا؛ إذ توقفت المؤسسات الصحفية القومية عن التعيين منذ نحو خمسة عشر عامًا، تاركة مئات الصحفيين الذين التحقوا بها في العشرينيات من أعمارهم يقتربون اليوم من الأربعين دون تعيين أو أفق واضح له.
🔵 ووفق ما طُرح أمام لجنة الثقافة والإعلام بمجلس النواب في يونيو 2026، يعمل في هذه المؤسسات 330 صحفيًا مؤقتًا، إلى جانب 185 إداريًا و200 عامل، بعضهم منذ أكثر من أربعة عشر عامًا، بمكافآت شهرية تتراوح بين 500 و3000 جنيه، أي أقل من نصف الحد الأدنى للأجور، ودون تأمين اجتماعي أو صحي، رغم اجتيازهم اختبارات التعيين منذ عام 2024، ورغم أن المؤسسات تعتمد عليهم في سد العجز الناتج عن خروج العاملين إلى المعاش. ولا يقتصر تدني الأجور على المؤقتين؛ إذ لا يتجاوز أجر الصحفي في بعض المؤسسات 4000 جنيه شهريًا، في ظل تضخم متصاعد أطاح بالمهنة إلى ذيل سلم الدخول.
🔵 وفي المقابل، تتركز ملكية قطاع واسع من الصحف والمواقع الإخبارية والقنوات الخاصة في يد كيان واحد مرتبط بجهات في الدولة، هو الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية التي تضم نحو 49 شركة، بما يجعل جهة واحدة تقريبًا صاحبة العمل الأكبر في السوق، تحدد شروط التشغيل والأجور وتقرر من يعمل ومن يُستبعد. وقد شهد القطاع خلال السنوات الماضية إنهاء تعاقدات ووقف برامج بعد انتقاد مقدميها للسياسات الحكومية، فيما يُغلق الباب عمليًا أمام الصحفيين المعروفين بمواقف مستقلة أو معارضة. وفي هذا السوق، تمثل المنصات المستقلة أحد آخر المساحات المتاحة لتشغيل هؤلاء الصحفيين، وتجريمها لا يعني فقط التضييق على المحتوى، بل دفع العاملين فيها إلى البطالة أو إلى القبول بشروط عمل مجحفة لدى صاحب العمل المهيمن.
🔵 ويطال هذا النمط، إلى جانب المحتجزين، آلاف العاملين في المواقع الإلكترونية الذين يعملون دون قيد نقابي يحميهم، وكثيرًا دون عقود أو تأمينات، في مؤسسات يمكن أن تتحول في أي لحظة إلى موضوع لقضية، فيما تستنزف القضايا المتكررة والكفالات المتراكمة قدرة المؤسسات المستقلة على الوفاء بالأجور والحفاظ على الوظائف. ويأتي ذلك بينما يُطرح مقترح لإنشاء كيان يضم المواقع الإخبارية بصفتها مؤسسات لا أفرادًا، أي تنظيم أصحاب العمل مع استبعاد العاملين، في امتداد لنمط الهشاشة الوظيفية الذي يرصده ملف العمال عبر القطاعات المختلفة.
🔵 وفي ظل هذا الوضع المتردي تعيد المفوضية المصرية مطالبها بالإفراج الفوري عن الصحفيين الستة العاملين في “متصدقش”، ووقف استخدام الوضع القانوني للمنشآت الصحفية وأجور العاملين بها مادةً للاتهام، وإلزام المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام بالبت في طلبات الترخيص المعلقة بقرارات مسببة قابلة للطعن، وفتح باب القيد النقابي الكامل أمام العاملين في المواقع الإلكترونية، والاعتراف بعلاقات العمل في الصحافة المستقلة بوصفها علاقات عمل محمية بالقانون

