نوفمبر 2. 2025
.
تُدين المفوضية المصرية للحقوق والحريات بأشد العبارات حادث وفاة المصورين الشابين كيرلس صلاح وماجد هلال أثناء تأديتهما لعملهما في موقع تصوير بمدينة بورسعيد، وتعتبر ما جرى انتهاكًا جسيمًا للحق في الحياة والسلامة المهنية، ومسؤولية مباشرة تقع على عاتق الشركة المنفذة وجهات الإشراف الرسمية التي قصّرت في واجبها الرقابي.
يمثل هذا الحادث المأساوي الذي أودى بحياة شابين موهوبين في مقتبل العمر، تجسيدًا صارخًا للاستهانة بأرواح العاملين والعاملات في بيئات العمل المصرية، نتيجة الإهمال الجسيم وغياب الالتزام بمعايير السلامة والصحة المهنية. وإذ تتقدم المفوضية بخالص العزاء إلى أسرتي الضحيتين وزملائهما، فإنها تؤكد أن العدالة والمساءلة هما السبيل الوحيد لرد الاعتبار لحق الضحيتين وضمان عدم تكرار مثل هذه الكوارث.
تتابع المفوضية عن كثب مجريات التحقيق في الحادث الذي مرّ عليه عدة أيام دون وضوح للمسؤوليات، وسط مؤشرات مقلقة على محاولات الطمس والتهرب من المساءلة، بعد أن عرضت الشركة المعنية مبلغ مليون جنيه فقط كتعويض لأسر الضحايا — مبلغ لا يغطي حتى قيمة المعدات التي فُقدت في الحادث والتي تتجاوز هذا الرقم — ثم تراجعت عن العرض بزعم أن الونش المتسبب في الحادث “غير مملوك لها”.
ورغم أن الشركة معروفة على نطاق واسع، تمتنع المفوضية عن ذكر اسمها امتثالًا لمقتضيات القانون، نظرًا لأن الواقعة محل تحقيق جنائي لم يُفصل فيه بعد.
كما تفيد شهادات بأن نائبة مدير الشركة التي نسّقت مع المصورين الشابين لتصوير الإعلان اختفت عقب الواقعة وسط ترجيحات بمغادرتها البلاد، وهو ما يثير تساؤلات جدية حول محاولات الشركة للهروب من المسؤولية القانونية.
ووفقًا لشهادات وثّقتها المفوضية، لم يتم تثبيت الونش أثناء وجود الفريق في الموقع وظل متحركًا، كما أن الرافعة نفسها كانت قديمة وغير صالحة لتحمل الحمولات الثقيلة، وظهر ذلك بوضوح من الإطارات الممزقة التي تؤكد استخدامها بشكل مخالف لمعايير السلامة ودون صيانة دورية.
كما غاب مسؤول الأمن الصناعي عن الموقع يوم الحادث، ومع ذلك قررت الشركة بدء التصوير دون اتخاذ أي إجراءات أمان.
إن هذه الواقعة ليست الأولى من نوعها، إذ تتكرر في مواقع العمل المصرية — بما في ذلك مواقع الإنتاج الفني والإعلامي — حوادث مشابهة نتيجة التهاون في تطبيق معايير السلامة والصحة المهنية المنصوص عليها في قانون العمل رقم 14 لسنة 2025، ولا سيما المواد التي تُلزم صاحب العمل بتوفير بيئة عمل آمنة وصيانة المعدات بشكل دوري وتدريب العاملين على تجنب المخاطر، والمتسقة مع اتفاقيتي منظمة العمل الدولية رقم 155 بشأن السلامة والصحة المهنية، ورقم 187 بشأن الإطار الترويجي للسلامة والصحة في بيئة العمل، اللتين التزمت بهما مصر بموجب تصديقها عليهما.
فعلى سبيل المثال، خلال العام الماضي أُصيب ستة من العاملين أثناء تصوير فيلم بمدينة الإنتاج الإعلامي إثر انهيار سقالة أثناء إعداد الديكور، كما اندلع حريق ضخم في ستوديو الأهرام أثناء تصوير عمل درامي أدى إلى إصابات وخسائر مادية كبيرة.
وتُظهر هذه الحوادث وغيرها أن الإهمال في مواقع التصوير والإنتاج الفني أصبح نمطًا متكررًا، لا يُقابل بمحاسبة أو شفافية، إذ تمر أغلب الوقائع دون إعلان نتائج تحقيق أو مساءلة واضحة، بل إن كثيرًا منها لا يُكشف للرأي العام أصلًا بسبب غياب الرقابة الحكومية وضعف منظومة التفتيش والسلامة المهنية، وافتقار الدولة إلى قاعدة بيانات رسمية وشفافة توثق حوادث العمل وتحدد المسؤوليات عنها.
ووفقًا لأحدث بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء لعام 2023، بلغ عدد إصابات العمل المسجلة في مصر 8,317 حالة، تتركز أغلبها في قطاعات الصناعات التحويلية والتشييد والبناء والنقل والتخزين، غير أن هذه الإحصاءات لا تشمل القطاعات غير الخاضعة للرقابة المباشرة مثل الإنتاج الفني والإعلامي والعمالة غير المنتظمة، ما يعني أن العدد الحقيقي لحوادث وإصابات العمل في مصر يفوق بكثير ما يُعلن رسميًا.
ويكشف ذلك عن قصور حاد في أداء أجهزة التفتيش العمالي، وتقصير وزارة القوى العاملة في جمع البيانات وتحديثها بصورة شاملة ومنتظمة، بما يحدّ من قدرة الدولة على وضع سياسات وقائية فعالة.
وتؤكد المفوضية المصرية أن المسؤولية لا تقع على الشركات وحدها، بل تمتد إلى الحكومة المصرية ممثلة في وزارة القوى العاملة والجهات المعنية بالسلامة المهنية، التي تقاعست عن أداء واجبها الرقابي ولم تُفعّل آليات التفتيش المنتظمة على أماكن العمل، بما في ذلك مواقع الإنتاج الفني والإعلامي، ما سمح باستمرار بيئة من الفوضى والاستهتار بأرواح العاملين.
تحذر المفوضية المصرية للحقوق والحريات من أي محاولات لاستغلال النفوذ أو التدخل لعرقلة سير التحقيقات، وتؤكد ضرورة أن تُجرى التحقيقات بسرعة واستقلالية وشفافية تامة، لضمان محاسبة كل من يثبت تورطه، سواء بالإهمال أو التقصير أو التستر، حتى لا تتحول دماء الشابين إلى مجرد رقم جديد في سجل الإهمال.
تطالب المفوضية المصرية للحقوق والحريات بـ:
– إعلان نتائج التحقيق بشكل علني وشفاف، ومحاسبة جميع المسؤولين عن الحادث دون استثناء.
– إيقاف نشاط الشركة محل التحقيق مؤقتًا إلى حين انتهاء النيابة العامة من التحقيقات وتحديد المسؤولية القانونية.
–
– إدراج مسؤولي الشركة المعنية على قوائم الممنوعين من السفر مؤقتًا، ضمانًا لعدم عرقلة سير العدالة أو هروب أي من المتورطين.
– تفعيل دور التفتيش العمالي بوزارة القوى العاملة وضمان استقلاله وقدرته على رصد الانتهاكات دون تدخل أو تضييق.
– إنشاء قاعدة بيانات وطنية شاملة لحوادث العمل تشمل القطاعات غير التقليدية مثل الإعلام والفن والعمالة غير المنتظمة.

