Site icon المفوضية المصرية للحقوق والحريات

المفوضية المصرية تطرح: قراءة حقوقية في تأجيل الانتخابات النقابية العمالية في مصر: بين ذريعة الرقمنة وتكلفة تجميد التمثيل العمالي

 

في خطوة تثير الكثير من علامات الاستفهام حول مستقبل التنظيم النقابي في مصر، وبناء على التوصية الأخيرة للمجلس الأعلى للتشاور الاجتماعي، تتجه النوايا الرسمية لإصدار قرار بتأجيل الانتخابات النقابية العمالية وتمديد الدورة وتتجه النوايا الرسمية نحو تأجيل الانتخابات النقابية العمالية وتمديد الدورة النقابية الحالية (2022-2026) لمدة ستة أشهر إضافية، تحت مبرر “استكمال التحول الرقمي”. 

وبينما تبدو هذه المبررات إدارية في ظاهرها، فإن توقيت القرار وسياقه التشريعي يثيران مخاوف جدية من استخدام التأجيل كأداة لإعادة هندسة المجال النقابي، وإطالة بقاء القيادات الحالية، وتأجيل حق ملايين العمال في اختيار ممثليهم بحرية.

 إن الانتخابات النقابية ليست إجراءً شكليًا، بل آلية أساسية لضمان التمثيل الديمقراطي ومساءلة القيادات؛ وأي تعطيل لهذا الاستحقاق ينعكس مباشرة على أوضاع الأجور، وظروف العمل، والاستقرار الاجتماعي.

أولًا: التأجيل كسابقة متكررة في إدارة المجال النقابي

لا يمكن قراءة التأجيل المقترح بمعزل عن تاريخ طويل من تعطيل الاستحقاقات النقابية أو إخضاعها لاعتبارات سياسية وإدارية. فقد شهدت مصر في فترات سابقة تمديدًا متكررًا للدورات النقابية وتجميداً للانتخابات (كما حدث بين 2006 و2018)، واستخدامًا للإجراءات الشكلية كوسيلة لإقصاء المنافسين. 

كما مثلت انتخابات 2018 نموذجًا واضحًا لاستخدام الاشتراطات الإدارية والوثائقية بصورة أثارت اعتراضات واسعة، حيث حرم عدد كبير من المرشحين والتنظيمات المستقلة من خوض المنافسة الفعلية. وبالتالي، فإن تأجيل الانتخابات الحالية استمرار لنمط يقوم على التحكم في توقيتات وحدود التمثيل العمالي.

ثانيًا: تفنيد الذرائع الرسمية (الرقمنة والمجلس التشاوري)

إن غياب الممثلين الحقيقيين للعمالة غير المنتظمة التي تمثل 60% من سوق العمل في مصر، فضلا عن النقابات المستقلة، واقتصار التمثيل العمالي على الاتحاد الرسمي (المستفيد الأول من التأجيل) أو حتى بعض الكيانات الشكلية، يجعل من توصية المجلس تجسيداً صارخاً لـ “تضارب المصالح”، ومحاولة لإضفاء شرعية زائفة على قرار إداري يخدم أفراداً بعينهم.

ثالثًا: هندسة المشهد النقابي بالتفصيل التشريعي

وتحيط بخطوة تأجيل الانتخابات شبهة استغلال المهلة الزمنية لتمرير تعديلات تشريعية تخدم بقاء بعض القيادات الحالية في مواقعها، فالتزامن بين التأجيل ومناقشة مشروعات قوانين تتعلق بتوحيد سن التقاعد ومد مدة الدورة النقابية يثير تساؤلات مشروعة حول ما إذا كان الهدف الحقيقي هو إعادة ترتيب القواعد القانونية قبل فتح باب الترشح، بما يضمن استمرار قيادات قائمة ويؤجل فرص التجديد.

تتجلى هذه الشبهة في مسارين متوازيين:

المسار الأول: تجاوز عقبة سن التقاعد
ترتبط العضوية النقابية باستمرار الصفة العمالية، ما يجعل بلوغ سن التقاعد مؤثرًا في أهلية عدد من القيادات الحالية، ومن ثم، قد يوفر التأجيل وقتًا كافيًا لإقرار تعديلات بشأن سن التقاعد قبل الانتخابات، بما يسمح لبعض من بلغوا أو أوشكوا على بلوغ الستين بالاستمرار بدلًا من إفساح المجال لقيادات جديدة.

المسار الثاني: إطالة الدورة النقابية المقبلة
يتزامن التأجيل مع مقترحات لمد الدورة النقابية من أربع سنوات إلى خمس. ولو أُجريت الانتخابات في موعدها، لخضعت المجالس القادمة للمدة الحالية. أما التأجيل، فيمنح فرصة لإقرار التعديل أولًا، بحيث تستفيد منه المجالس المنتخبة المقبلة مباشرة، بما يطيل بقاء القيادات ويزيد من كلفة الجمود النقابي.

وبذلك، لا يبدو التأجيل إجراءً إداريًا محايدًا، بقدر ما يثير شبهة إعادة تشكيل قواعد المنافسة بما يخدم أطرافًا بعينها على حساب حق العمال في اختيار ممثليهم بحرية وفي توقيت عادل.

رابعًا: الأثر الاقتصادي والاجتماعي على العمال

خامسًا: الإشكال القانوني والصدام مع الالتزامات الدولية

سادسًا: جذور الأزمة في الإطار التشريعي المنظم

لا تتعلق المسألة فقط بموعد الانتخابات، بل بوجود قيود هيكلية في قانون المنظمات النقابية العمالية رقم 213 لسنة 2017 (وتعديلاته)، والذي قنن هذا العوار من خلال:

سابعًا: دروس من الجوار.. استقرار المجتمعات يبدأ من استقلالية النقابات

إن النظر للتجارب الإقليمية يثبت أن دورية الانتخابات واستقلالية الحركة النقابية هو صمام الأمان للاستقرار. ففي تونس، حافظ “الاتحاد العام التونسي للشغل” على دورية انتخاباته وهياكله الديمقراطية رغم الأزمات، مما منحه شرعية جعلته شريكاً رئيسياً في حفظ استقرار البلاد. 

وفي المغرب، تم اعتماد نظام يعترف بالتعددية التنافسية عبر انتخابات اللجان الثنائية الدورية، مما يجعل النقابات حية وقادرة على امتصاص الاحتقان، في المقابل، فإن الدول التي جمدت نقاباتها واجهت إضرابات عشوائية تفتقر لقيادة يمكن التفاوض معها.

ثامناً: البديل الممكن

بدلًا من اللجوء إلى التأجيل المفتوح أو غير المبرر، تطرح المفوضية المصرية للحقوق والحريات مسارًا أكثر اتساقًا مع احترام الحقوق النقابية وضمان انتظام الاستحقاقات القانونية، يقوم على الجمع بين تطوير الإجراءات الإدارية والحفاظ على حق العمال في اختيار ممثليهم دون إبطاء.

يبدأ هذا المسار بإعلان جدول زمني واضح وملزم لإجراء الانتخابات، مع إتاحة قواعد البيانات للعمال والتنظيمات النقابية وتمكينهم من مراجعتها والتظلم من أي أخطاء، إلى جانب نشر شروط الترشح بصورة شفافة ومعلنة للجميع. 

كما يتطلب توفير ضمانات حقيقية لنزاهة العملية الانتخابية، من خلال السماح بالمتابعة المستقلة، وتأهيل اللجان المشرفة، وتوفير وسائل تصويت موثوقة تضمن سهولة المشاركة وعدم إقصاء أي فئة من العمال.

كما يصبح من الضروري فتح حوار مجتمعي جاد حول إصلاح الإطار التشريعي المنظم للعمل النقابي، بعدج الانتخابات المقررة، خصوصا تطبيق القانون رقم 213 لسنة 2017، بما يشمل مراجعة القيود المفروضة على تأسيس التنظيمات النقابية، وتعزيز تمثيل العمالة غير المنتظمة، وتوفير ضمانات أكبر لاستقلال النقابات ودورها في الدفاع عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للعمال.

وبذلك، يصبح الإصلاح الحقيقي قائمًا على احترام الاستحقاقات الديمقراطية وتطويرها، لا على تعطيلها أو إرجائها.

تاسعاً: مطالبنا

  1. الالتزام بالمواعيد القانونية للانتخابات وعدم تمديد الدورة الحالية.
  2. ضمان انتخابات حرة ونزيهة وتنافسية تحت رقابة مستقلة.
  3. وقف أي تعديلات تشريعية تمس شروط المنافسة قبل إجراء الانتخابات.
  4. فتح حوار مجتمعي شامل لتعديل جوهر قانون 213 وتخليصه من العوار التشريعي.

إن تأجيل الانتخابات النقابية ليس مجرد قرار إداري، بل هو قرار ذو آثار سياسية واقتصادية واجتماعية واسعة، فحين يحرم العمال من تجديد ممثليهم، تتراجع القدرة على التفاوض وتتسع فجوة الثقة بينهم وبين المؤسسات، إذ ان الديمقراطية النقابية ليست رفاهية تنظيمية، بل شرط من شروط الاستقرار والإنتاج والعدالة الاجتماعية، كما أن أي إصلاح حقيقي يبدأ من صندوق انتخاب حر، لا من تمديد مؤقت يتكرر حتى يصبح قاعدة دائمة.

Exit mobile version