ديسمبر 22, 2025-
تدين المفوضية المصرية للحقوق والحريات الانتهاكات الممنهجة المتمثلة في تشغيل الأطفال، ونقل العمالة اليومية في وسائل نقل غير مهيأة وغير آمنة، والإهمال المتكرر لطرق الأقاليم، والتي أسفرت خلال أيام قليلة عن مصرع 12 عاملًا وعاملة، بينهم أطفال، وإصابة العشرات، في حادثين متتاليين، تفحّمت في أحدهما جثث عدد من الضحايا داخل السيارة.
ففي الحادث الأول، لقي سبعة من عمال اليومية مصرعهم، بينهم خمسة أطفال وامرأتان، وأصيب سبعة آخرون، أغلبهم من الأطفال، إثر انقلاب واحتراق سيارة سوزوكي غير مهيأة كانت تقلهم عائدين من العمل في جمع محصول الطماطم، على الطريق الدائري الإقليمي بنطاق محافظة الجيزة، حيث احترقت السيارة بالكامل وتفحّمت جثث عدد من الضحايا بداخلها، وجميعهم من أبناء قرية معصرة صاوي بمركز طامية في محافظة الفيوم.
وعقب هذا الحادث مباشرة، وقع حادث آخر أسفل كوبري الراست، على الطريق المؤدي إلى القاهرة، بنطاق مركز أشمون في محافظة المنوفية، حيث اصطدمت سيارة نقل بميكروباص كان يقل عمالًا، بينهم أطفال، أثناء توجههم إلى عملهم في أحد مراكز تجميع الخضروات والفاكهة. وأسفر الحادث عن مصرع أربعة عمال في الحال، وإصابة 14 آخرين، أغلبهم من الأطفال، توفي أحد المصابين لاحقًا متأثرًا بجراحه، ليرتفع إجمالي عدد الضحايا في الحادثين إلى 12 وفاة.وينتمي ضحايا هذا الحادث إلى قريتي شنواي وساقية أبو شعرة بمركز أشمون في محافظة المنوفية.
وتؤكد المفوضية أن محل الإدانة ليس هذه الحوادث باعتبارها وقائع منفصلة أو عرضية، وإنما الانتهاكات السابقة والمستمرة التي جعلت وقوعها أمرًا متوقعًا ومتكررًا، وفي مقدمتها الاستهانة المزمنة بحياة العمال الفقراء، واستمرار تشغيل الأطفال في أعمال شاقة وخطرة، وتنقلهم اليومي في وسائل نقل غير آمنة، في ظل غياب فعلي للحماية والرقابة والمساءلة.
وقد وقعت هذه الحوادث جميعها في ظل صمت رسمي كامل، حيث لم تصدر أي بيانات أو تعليقات من وزارتي العمل أو التضامن الاجتماعي، كما غابت البيانات الرسمية عن محافظتي الفيوم والمنوفية، ولم يدلِ أي مسؤول تنفيذي أو برلماني بتصريحات أو يعلن اتخاذ إجراءات عاجلة للمحاسبة أو لمنع تكرار ما جرى.
وقد خلفت هذه الانتهاكات آثارًا إنسانية بالغة القسوة على المصابين وأسرهم، تتجاوز مجرد أرقام القتلى والمصابين؛ إذ لم يتمكن عدد من أهالي الضحايا من التعرف على جثث ذويهم بسبب تفحّمها الكامل داخل السيارة المحترقة، بعدما واجهوا أبناءهم وأقاربهم جثثًا متفحّمة.
وعلى نحو أشد فداحة، كان من بين الضحايا الطفل زياد عصام، 13 عامًا، من قرية معصرة صاوي بمحافظة الفيوم، الذي شهد احتراق والدته أمام عينيه داخل السيارة المشتعلة، في واقعة مختلفة في طبيعتها وحدّتها، وتجسّد بصورة صارخة الثمن الإنساني الفادح لاستمرار عمالة الأطفال خصوصًا، والعمالة اليومية عمومًا، في ظل بيئات عمل وتنقّل غير آمنة.
وتشدد المفوضية على أن الطريق الدائري الإقليمي، الذي شهد الحادث الأول بنطاق محافظة الجيزة، هو ذاته الذي شهد خلال العام الماضي حادث فتيات العنب بنطاق مركز أشمون في محافظة المنوفية، والذي أودى بحياة 19 فتاة وعاملة يومية، بعضهن في سن المراهقة، في واحدة من أبشع حوادث عمالة اليومية في مصر. كما شهد الطريق نفسه خلال السنوات الماضية حوادث متكررة راح ضحيتها عشرات القتلى والمصابين، دون أن يترتب على ذلك محاسبة حقيقية للمسؤولين أو معالجة جذرية لمخاطر الطريق.
ويعد الطريق الدائري الإقليمي أحد أهم الشرايين المرورية في البلاد، إذ يربط بين محافظات المنوفية، القليوبية، الشرقية، الجيزة، والبحيرة، ويستخدمه يوميًا آلاف العمال من أبناء القرى، ما يجعل استمرار الإهمال فيه تهديدًا دائمًا للحق في الحياة.
وترى المفوضية أن تكرار هذه الوقائع الدامية يكشف عن مفارقة صارخة بين الخطاب الرسمي الذي يروّج لبناء أفضل شبكة طرق وتخصيص مليارات الجنيهات لمشروعات الطرق، وبين الواقع على طرق الأقاليم، حيث يتركز جانب كبير من الإنفاق على الطرق المرتبطة بالعاصمة الإدارية الجديدة، بينما تُترك طرق الأقاليم، وعلى رأسها الطريق الدائري الإقليمي، دون صيانة كافية أو رقابة فعالة.
وتؤكد المفوضية أن ما يجري يمثل انتهاكًا جسيمًا للحق في الحياة والعمل الآمن، وإخلالًا بالتزامات الدولة المصرية بموجب اتفاقية حقوق الطفل التي تحظر تشغيل الأطفال في أعمال خطرة أو تعيق التعليم، واتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 138 التي تحظر تشغيل من هم دون 18 عامًا في الأعمال الخطرة، فضلًا عن قصور الإطار التشريعي والتنفيذي في توفير حماية حقيقية للعمالة غير المنتظمة ومنع عمالة الأطفال في القطاعات غير الرسمية.
وتطالب المفوضية المصرية للحقوق والحريات بما يلي:
– فتح تحقيق عاجل ومستقل في ملابسات الحادثين، يشمل المسؤولين عن سلامة الطريق الدائري الإقليمي بمحافظة الجيزة، والطريق أسفل كوبري الراست بمركز أشمون، وأصحاب المزارع، ووسطاء التشغيل.
– محاسبة كل من تورط في تشغيل الأطفال أو نقل العمال بوسائل غير آمنة دون اشتراطات سلامة.
– الوقف الفوري لاستخدام سيارات النقل غير المخصصة لنقل البشر، خاصة على الطرق السريعة والإقليمية.
– وضع خطة عاجلة وشفافة لإصلاح الطريق الدائري الإقليمي وضمان سلامته.
– مراجعة قانون العمل والسياسات المرتبطة به لضمان حماية فعلية للعمالة غير المنتظمة وتجريم عمالة الأطفال بآليات تنفيذ واضحة.
– تبني سياسات اجتماعية واقتصادية جادة تمنع دفع الأطفال إلى سوق العمل تحت ضغط الفقر.
تابعونا على (X) : https://x.com/ECRF_ORG
#المفوضية_المصرية_للحقوق_والحريات

