ترهيب العمال ليس حلاً للأزمات.. المفوضية المصرية تنتقد ما يجرى مع عمال شركة القناة لرباط وأنوار السفن

أكتوبر 31, 2025
تتابع المفوضية المصرية للحقوق والحريات بقلق بالغ التطورات الأخيرة في أزمة عمال شركة القناة لرباط وأنوار السفن التابعة لهيئة قناة السويس بمحافظة بورسعيد، والتي تفجّرت على خلفية القرارات التعسفية الصادرة عن إدارة الشركة بتقليص الحوافز والأرباح السنوية وبدل غلاء المعيشة بنسبة تجاوزت 50%، دون أي مشاورة مع ممثلي العمال أو حتى الجمعية العمومية.
وقد بدأت الأزمة بشكل فعلي يوم الأربعاء 29 أكتوبر 2025، عندما شرع العمال في الاعتصام السلمي بمقر الشركة، ليتصاعد الموقف يوم الخميس 30 أكتوبر 2025 بتدخل أمني مكثف ورفض العضو المنتدب للشركة، السيد طارق المخاريطة، الحضور أو التفاوض رغم محاولات رسمية للوساطة، منها دعوة من رئيس أمن بورسعيد لعقد لقاء عاجل لاحتواء الأزمة.
وبحسب ما وثقته المفوضية، تعرض العمال المعتصمون لحالة من الحصار الأمني والترهيب، خصوصا يوم أمس حيث تمّت محاولات لجمعهم في مكان واحد داخل مقر الشركة بدعوى انتظار توقيع قرار بإلغاء الخصومات، إلا أن تصاعد التهديدات وتسرب أنباء عن نية قوات الأمن القبض على عدد منهم دفع العمال إلى مغادرة المقر خوفًا من الملاحقة، بعد أن قضى بعض ممثليهم ساعات طويلة في انتظار نتائج الاجتماع مع نائب رئيس هيئة قناة السويس بالإسماعيلية التي لزال العمال في انتظار الرد الرسمي عليها.
وترى المفوضية أن الجو العام السائد في محيط الشركة – المحاصرة بقوات الأمن – من الخوف والترهيب لا يليق بمؤسسة حكومية يُفترض أن تكون نموذجًا لاحترام الحقوق والحريات النقابية، خاصة في ظل الأزمة الاقتصادية التي أثقلت كاهل العمال. وتؤكد المفوضية أن العمال مارسوا احتجاجًا سلميًا مشروعًا للمطالبة بحقوقهم في الأجر العادل والحوار الجماعي.
أن هذا المشهد المتكامل – من رفض التفاوض المباشر، إلى احتجاز الوفد التفاوضي لساعات، إلى الترهيب الميداني للعمال – يشكل خرقاً صارخاً للحقوق النقابية الأساسية التي تكفلها المواثيق الدولية، وعلى وجه الخصوص الاتفاقيات الدولية رقم 87 و98 الخاصة بحرية التنظيم النقابي والمفاوضة الجماعية، فالحق في الإضراب السلمي هو امتداد طبيعي لهذه الحريات، وليس من المقبول تحويله إلى جريمة يعاقب عليها بالترهيب والحصار.
ويعد الإضراب السلمي من الأدوات المشروعة للاحتجاج العمالي التي أقرتها معايير العمل الدولية، استنادًا إلى تفسير لجنة الخبراء في منظمة العمل الدولية للاتفاقيتين رقم (87) لسنة 1948 بشأن الحرية النقابية وحماية حق التنظيم، ورقم (98) لسنة 1949 بشأن الحق في التنظيم والمفاوضة الجماعية، والتي أكدت أن الحق في الإضراب جزء لا يتجزأ من حرية التنظيم والمفاوضة الجماعية.
وقد صدّقت مصر على الاتفاقية رقم (98)، فيما تبقى الاتفاقية رقم (87) مرجعًا دوليًا ملزمًا أخلاقيًا، يوجب على الدولة احترام هذا الحق وعدم ملاحقة من يمارسونه سلمًا.
إن ما يحدث داخل شركة القناة لرباط وأنوار السفن يمثل انتهاكًا واضحًا لمبادئ الحوار الاجتماعي المنصوص عليها في التشريعات الوطنية والاتفاقيات الدولية، ويكشف عن ممارسات تعسفية تستخدم فيها السلطة الاقتصادية والأمنية لفرض قرارات تمس لقمة عيش العمال دون حوار أو شفافية.
وإذ تحذر المفوضية المصرية للحقوق والحريات من مغبة استخدام القبضة الأمنية كوسيلة لإخماد الاحتجاجات العمالية السلمية، فإنها تؤكد أن تجويع العمال وقمعهم ليسا وسيلة لإدارة الأزمات بل لتفجيرها، وأن مواجهة مطالب عادلة بالقمع لا تنتج إلا مزيدًا من الاحتقان وفقدان الثقة في مؤسسات الدولة.
تجدد المفوضية تضامنها الكامل مع عمال الشركة، وتطالب بالوقف الفوري لجميع أشكال الترهيب والكف عن حصار الشركة بقوات الأمن، إعادة اللائحة الداخلية إلى سابق عهدها بما تتضمنه من ميزات مالية، ضمان تمثيل حقيقي للعمال في جميع المفاوضات والقرارات.
تؤكد المفوضية أن ترهيب العمال ليس حلاً، وترى في الحوار الاجتماعي طريقا وحيدا لحل الأزمات العمالية، إذ أن استمرار الدولة في السماح بمثل هذه الممارسات القمعية يناقض التزاماتها الدستورية والدولية، ويقوّض أسس العدالة الاجتماعية. إن حقوق العمال ليست منة من أحد، بل هي مكاسب دستورية وقانونية يجب احترامها وحمايتها.




