اصدارات

حق ومعرفة (13).. أدب السجون,, زنزانة بلا جدران.. حكايات الإبداع في زمن القمع

“زنزانة بلا جدران” مؤلَف للكاتب السوري لطفي حداد صدر عام 2005 قدم من خلاله تجربة فريدة من نوعها في توثيق ما كُتب من أدب داخل السجون العربية. الكتاب لا يكتفي بجمع النصوص، بل يفتح نافذة واسعة على عالم الأسر والقيد، ليكشف كيف يمكن للكلمة أن تكسر جدران العزلة وتحوّل الزنزانة الضيقة إلى فضاء مفتوح للحرية والكرامة.

منذ الصفحات الأولى يضعنا المؤلف أمام الفكرة الجوهرية للكتاب: أن الزنزانة مهما ضاقت جدرانها لا تستطيع أن تسجن روحًا تواقة للحرية فيقول في مقدمته “لم تحبس الجدران أشواقهم للحياة، ولم تكمم الأبواب الموصدة أصواتهم الباحثة عن النور” وعلى هذا الأساس يقدم الكاتب تجميعة لأهم إنتاجات الأدب العربي في السجون.

أما الدوافع التي حدَت بالمؤلف إلى إنجاز هذا العمل وإخراج مؤلفته إلى النور فتنطلق من ركيزة أساسية عبر عنها بالقول: ” قرأت أعمال هؤلاء الشعراء وشعرت أنني مطالب بأن أوصل رسالتهم إلى الجميع، فوضعت مقدمة عن كل منهم، مع نماذج شعرية ونثرية. إن ما يجمع هؤلاء الشعراء الثلاثة هو السجن، والكتابة فيه وعنه. كم مؤلم أن تضيع سنوات من عمرهم داخل زنْزانة رطبة خانقة معزولة، لأنهم قالوا آراءهم، فصاروا سجناء رأي. لم يدعوا إلى العنف، لكن العنف لم يرحم إنسانيتهم وإيمانهم بالحق والحرية”

وفي موضع آخر يسرد حداد “أفردت للشعراء: منصور راجح، علي الدميني، وفرج بيرقدار، قسماً كبيراً من الكتاب كي يقرأ ضمير الوطن ما فعله بأبنائه، وكي يكون نتاجهم الأدبي شهادة على الظلم وانتهاك حقوق الإنسان في البلاد العربية، ساعياً لتعرية الجرح النازف كي لا يعود الزمن الأسود إلينا لقد تعرّض هؤلاء للسجن في العقدين الماضيين وكتبوا في داخله الكثير من الأدب النبيل الراقي، كنت أقرأ في الوقت نفسه تقارير منظمة العفو الدولية Amnesty International‏، وهيومن رايتس ووتش Human Rights Watch‏، والمنظمة العالمية ضد التعذيب World Organization Against Torture‏، وأشعر أكثر فأكثر بضرورة الكتاب إلى متى يستمر هذا الإرهاب على الفكر والأدب متى يخرج هذا العالم العربي الغارق في ظلامه إلى الحرية والانفتاح وتقدير الأدب وتشجيع الفكر المستنير“.

 

غلاف كتاب زنزانة بلا حدود – المصدر: أرشيف صحفي

جدير بالذكر أن مؤلف الكتاب “لطفي حداد” هو عضو في منظمة العفو الدولیة، جمعية حقوق الإنسان، جمعية الأدباء العرب الأمیركیین، الجمعیة العالمیة ضد التعذیب، رابطة القلم الأمیركیة، وإذ ربما يعضد تلك الخلفية محركات الكاتب، ودوافعه نحو هذا الجهد المبذول في صنع الكتاب.

يمثل الكتاب تجربة مختلفة، ومتمايزة عن أدبيات السجون إذ يركز في جزء كبير منه على القصيدة، ويعتبرها قمة الإبداع نتيجة ظروف خروجها إلى الحياة التي يحيط بها معاناة تقييد الحرية، ما حدا به إلى تقسيم الكتاب إلى مجموعة من الفصول التي تتناول تجارب أدباء وكتّاب من بلدان عربية مختلفة، تعرضوا جميعًا لتجربة الاعتقال السياسي أو القمع الأمني. 

وفي كل فصل يقدم لطفي حداد مختارات من النصوص الشعرية والنثرية التي كُتبت داخل الزنازين، مع شرح للسياق السياسي والاجتماعي الذي ولدت فيه هذه الكلمات، حيث يبدأ من العصور القديمة، وحتى الحديثة منها.

السجن عبر العصور

خلال الفصول الأولى من الكتاب يستعرض حداد تجربة السجن في الأدب العربي التي لم تكن وليدة العصر الحديث، بل تمتد جذورها إلى عصور بعيدة. يستشهد الكاتب على ذلك بالشعراء منذ الجاهلية حيث عرفوا السجن باعتباره عقوبة اجتماعية وسياسية، ومع ذلك لم يمنعهم القيد من أن يكتبوا نصوصًا خالدة.

يضرب المثل على ذلك بالشاعر “الحطيئة” الذي سُجن بسبب هجائه، وهناك رُويت قصائده من داخل السجن، وفيها يظهر كيف تحولت تجربة الأسر إلى اعتراف شعري ومناجاة للحرية. ثم يأتي مثال “ابن زيدون” الذي كتب من محبسه في قرطبة رسائله الشهيرة إلى “ولادة بنت المستكفي”، وهي نصوص تحمل في ثناياها ألم الفقد وحرارة الشوق، لتصبح لاحقًا من أهم ما كُتب في الأدب الأندلسي. كما يشير إلى أبي فراس الحمداني الذي قال أروع قصائده في الأسر، وإلى المعتمد بن عباد في منفاه الذي ترك نصوصًا مؤثرة تمزج بين الحسرة والاعتداد بالنفس.

تلك الأمثلة وغيرها تؤكد أن السجن، على قسوته، كان في كثير من الأحيان منبعًا لإبداع لا يزول، وأن النصوص التي خرجت من وراء القضبان عبر التاريخ شكلت جزءًا أساسيًا من الذاكرة الأدبية العربية، شاهدة على أن تقييد الحرية لم يستطع يومًا أن يخمد صوت الكلمة.

في الفصول اللاحقة يركز الكاتب على شعراء العصر الحديث بدءا من الشاعر “محمود سامي البارودي” 

ويعتبر البارودي (1839 – 1904) نقطة الانطلاق البارزة للحديث عن أدب السجون في العصور الحديثة، إذ شكّلت تجربته في النفي إلى سريلانكا بعد فشل الثورة العرابية أحد أهم النماذج التي أظهرت كيف يتحول السجن والمنفى إلى مصدر إبداع. كتب البارودي قصائد مؤثرة عُرفت باسم “نظم النفي”، عبّر فيها عن ألمه من الغربة، وعن شعوره بالظلم، وعن حنينه لمصر، كما أن نصوصه كانت شاهدة على أن السجن ليس قيدًا للجسد فقط بل امتحان للروح، ومن خلالها ظهر البارودي كأب روحي للشعر الوطني الحديث.

كما استعرض الكتاب تجارب أخرى من القرن العشرين لكتّاب وشعراء عانوا السجن بسبب مواقفهم السياسية أو الفكرية. من بينهم “أحمد فؤاد نجم” و”نجيب سرور” في مصر، و”عبد اللطيف اللعبي” في المغرب، الذين مثلوا نموذجًا لجيل كامل رأى في السجن مدرسة للنضال وفضاءً لتكوين نصوص تقاوم القهر.

يرى الكاتب أن السجون الحديثة لم تعد مجرد عقوبة فردية، بل تحولت إلى أداة قمع تستخدمها الأنظمة لإسكات المثقفين والمعارضين. ومع ذلك، فإن كثيرًا من هؤلاء السجناء أنتجوا نصوصًا خالدة مزجت بين الشعر والنثر والمذكرات، فتحولت كتاباتهم إلى ذاكرة جماعية لا يمكن محوها.

وفي هذا السياق، يربط المؤلف بين البارودي والجيل اللاحق من أدباء السجون العرب مركزا على أربعة أدباء تحديدا أولهم مثل السوري “فرج بيرقدار”، والذي ولد في مدينة حمص عام 1951، وسجن بدون تهمة لمدة سبع سنوات تقريبا بعد إلقاء القبض عليه عام 1987 بتهمة الانتماء إلى الحزب الشيوعي، وفي نهاية المطاف حكم عليه بالسجن لمدة 15 عاما في 1993، وقد عاني ويلات سجون مثل تدمر، وصيدنايا سيئا السمعة حيث الجحيم ألوانا، وحيث أيضا كتب العديد من القصائد الشعرية من داخل محبسه.

 

الشاعر السوري فرج بيرقدار – المصدر: أرشيف صحفي

كما يتطرق الكتاب للشاعر اليمني “منصور راجح” ليثبت أن التجربة ممتدة وأن الزنزانة رغم ضيقها أنجبت أدبًا واسع الأفق، يفضح الظلم ويخلّد إرادة المقاومة.

ويعد منصور راجح، الشاعر والكاتب اليمني المولود عام 1958، من أبرز سجناء الرأي الذين جسدت تجربتهم قسوة السجون اليمنية قبل الوحدة وبعدها. انخرط مبكرًا في الجبهة الوطنية الديمقراطية، وتحوّل نشاطه السياسي إلى خصومة مفتوحة مع النظام اليمني.

 لم تمر سوى أيام قليلة على زفافه حتى اعتُقل دون تهمة، ليواجه لاحقًا محاكمة صورية اتُهم فيها بقتل شيخ من قريته وحُكم عليه بالإعدام، بينما حكم على والده وعمه بخمسة عشر عامًا.

قضى راجح خمسة عشر عامًا خلف القضبان، وصفها بأنها “سنوات من التعذيب الجسدي والنفسي”، قبل أن تنجح الضغوط الدولية ومنظمة العفو الدولية في الإفراج عنه وترحيله إلى النرويج عام 1998. في المنفى، بدأ من تحت الصفر كما يقول، لكنه واصل الكتابة والنضال بالكلمة، معتبرًا نفسه مناضلًا من أجل الحرية والعدالة الاجتماعية، ومؤكدًا أن اليمن ستظل قضيته مهما طال الغياب.

الشاعر والكاتب اليمني منصور راجح – المصدر: أرشيف صحفي

أدب المقاومة الفلسطينية و زنزانة بلا جدران

يمر الكتاب على أدب المقاومة الفلسطينية الذي طالما ارتبط باسم غسان كنفاني، والكثير من الشعراء ومحاربي الكلمة مثل “سميح القاسم” و”محمود درويش” وغيرهم.

عرف الكاتب الأدب الفلسطيني بأدب المقاومة حيث لا يقتصر الثمن على السجن وتقييد الحرية حيث يصل إلى الدم كما هو الحال مع غسان كنفاني الذي اغتالته اليد الصهيونية.

ويعتبر “غسان كنفاني” أحد أشهر الكتاب والصحفيين العرب في عصرنا، فقد كانت أعماله الأدبية من روايات وقصص قصيرة متجذرة في عمق الثقافة العربية والفلسطينية، وهو أول من كتب عن شعراء المقاومة، ونشر لهم وتحدث عن أشعارهم، وعن أزجالهم الشعبية في الفترات الأولى لتعريف العالم العربي على شعر المقاومة، حتى استشهد صباح يوم السبت 8 يوليو 1972 بعد أن انفجرت عبوات ناسفة كانت قد وضعت في سيارته تحت منزله بواسطة الموساد الإسرائيلي، مما أدى إلى استشهاده مع ابنة شقيقته لميس حسين نجم ذات الـ 17 ربيعاً.

المناضل والأديب غسان كنفاني – المصدر : أرشيف صحفي

الهم العربي واحد

استكمالا للحالة الخاصة للكتاب قام الأديب العراقي الراحل “محمود سعيد” بالمشاركة بفصل خاص به حيث كتب نصه من موقع السجين السابق الذي عانى الاعتقال والتعذيب في العراق بسبب مواقفه وانخراطه في الكتابة الحرة ورفضه الخضوع لسلطة الاستبداد، ومن خلال هذه التجربة الشخصية التي لا تخلو من الألم حاول سعيد أن يضع تجربته ضمن سياق أشمل يضم آلاف المثقفين العرب الذين عرفوا السجون بنفس الوجع والتهميش لكنه أكد أن القمع لم ينجح في كسر إرادة الإبداع ولا في محو أثر الكلمة

سرد سعيد كيف وصل إلى مشروع الكتاب من منفاه في شيكاغو ليرى فيه مرآة لمعاناته ويستعيد ذكرياته عن المعتقلات التي تحولت عنده إلى مختبر للكتابة فالسجن لم يكن مجرد جدران وأسوار بل كان صورة مكثفة عن الوطن العربي الذي تحاصره الأنظمة الشمولية ليبدو في نظره سجنًا كبيرًا بلا أبواب مفتوحة ورغم ذلك خرج من قلب هذه التجربة بأدب ينبض بالحرية ويؤكد أن السجين مهما تم التضييق عليه يظل يملك طاقة الروح على التمرد والكتابة

كما استخلص أن السجن لم يكن يومًا عقوبة شخصية فحسب بل سياسة متكررة استهدفت المبدعين والمثقفين في أكثر من بلد عربي من العراق إلى سوريا ومصر وتونس وغيرها وأن الأدب العربي في العقود الأخيرة صار شاهدًا تاريخيًا على هذه الانتهاكات عبر الروايات والقصائد واليوميات التي وُلدت خلف القضبان وبهذا يربط بين الخاص والعام وبين الفردي والجماعي ليقدم شهادة مفتوحة تتجاوز حدود بلده لتكون وثيقة أدبية عربية عن زمن القمع والحرمان من الحرية.

الأديب الراحل محمود سعيد – المصدر: أرشيف صحفي

في النهاية يكشف الكتاب أن تجربة السجن لم تكن نهاية الطريق، بل كانت بداية لرحلة وعي لمن مروا بها فالزنزانة التي أريد لها أن تكون قبرًا للحلم، تحولت إلى مختبر للكلمة الحرة، لتكون الكتابة خلف الأسوار وسيلة للبقاء والتمسك بالهوية الإنسانية في مواجهة محاولات سحق الفرد. 

عن الكتاب

كتاب زنزانة بلا جدران هو عمل موسوعي للكاتب السوري “لطفي حداد” صدرت طبعته الأولى عام 2006 وجاء الإصدار في بيروت عبر مؤسسة صدى المهجر الثقافية من نيوبورج، إنديانا، في الولايات المتحدة، التي تولت النشر والتوزيع .

الكتاب يجمع بين الطابع الأدبي والبعد الحقوقي حيث ضم نصوصا وشهادات أدبية كتبها أدباء عرب خاضوا تجربة السجن أو عايشوا واقع الاعتقال السياسي ليصبح مرجعا يوثق جانبا من الذاكرة العربية عن السجون وتجربة القمع وفي الوقت نفسه يبرهن على أن الكلمة تظل قادرة على مقاومة العزلة وتحويل الألم إلى إبداع.

1 منذ الصفحات الأولى يضعنا المؤلف أمام الفكرة الجوهرية للكتاب: أن الزنزانة مهما ضاقت جدرانها لا تستطيع أن تسجن روحًا تواقة للحرية فيقول في مقدمته “لم تحبس الجدران أشواقهم للحياة، ولم تكمم الأبواب الموصدة أصواتهم الباحثة عن النور” وعلى هذا الأساس يقدم الكاتب تجميعة لأهم إنتاجات الأدب العربي في السجون.
2 يربط المؤلف بين البارودي والجيل اللاحق من أدباء السجون العرب مركزا على أربعة أدباء تحديدا أولهم مثل السوري فرج بيرقدار، والذي ولد في مدينة حمص عام 1951، وسجن بدون تهمة لمدة سبع سنوات تقريبا بعد إلقاء القبض عليه عام 1987 بتهمة الانتماء إلى الحزب الشيوعي، وفي نهاية المطاف حكم عليه بالسجن لمدة 15 عاما في 1993، وقد عاني ويلات سجون مثل تدمر، وصيدنايا سيئا السمعة حيث الجحيم ألوانا، وحيث أيضا كتب العديد من القصائد الشعرية من داخل محبسه .
3 يعتبر غسان كنفاني أحد أشهر الكتاب والصحفيين العرب في عصرنا، فقد كانت أعماله الأدبية من روايات وقصص قصيرة متجذرة في عمق الثقافة العربية والفلسطينية، وهو أول من كتب عن شعراء المقاومة، ونشر لهم وتحدث عن أشعارهم، وعن أزجالهم الشعبية في الفترات الأولى لتعريف العالم العربي على شعر المقاومة، حتى استشهد صباح يوم السبت 8 يوليو 1972 بعد أن انفجرت عبوات ناسفة كانت قد وضعت في سيارته تحت منزله بواسطة الموساد الإسرائيلي، مما أدى إلى استشهاده مع ابنة شقيقته لميس حسين نجم ذات الـ 17 ربيعاً.
4 استكمالا للحالة الخاصة للكتاب قام الأديب العراقي الراحل محمود سعيد بالمشاركة بفصل خاص به حيث كتب نصه من موقع السجين السابق الذي عانى الاعتقال والتعذيب في العراق بسبب مواقفه وانخراطه في الكتابة الحرة ورفضه الخضوع لسلطة الاستبداد، ومن خلال هذه التجربة الشخصية التي لا تخلو من الألم حاول سعيد أن يضع تجربته ضمن سياق أشمل يضم آلاف المثقفين العرب

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى