المفوضية المصرية للحقوق والحريات

حق ومعرفة (13) .. الاجندة الحقوقية ,, 2 نوفمبر اليوم الدولي لإنهاء الإفلات من العقاب على الجرائم المرتكبة ضد الصحافيين

الاحتلال الإسرائيلي يواصل جرائمه ضد الصحافة في قطاع غزة

أكثر من ٢٤٧ صحفيا ضحايا نتيجة عمليات استهداف مباشرة للطواقم الإعلامية في غزة في محاولات لقتل عمليات نقل جرائم الاحتلال

 

يحتفل العالم في ٢ نوفمبر من كل عام٬ باليوم العالمي لمناهضة الإفلات من الجرائم المرتكبة ضد الصحفيين٬ وهو اليوم الذي دشنته الأمم المتحدة منذ عام ٢٠١٣ بعدما تعرض اثنين من الصحفيين الفرنسيين للاغتيال في مالي. بينما يأتي اليوم الدولي هذا العام تزامنا مع واحدة من أبشع الجرائم المرتكبة ضد الصحفيين في العالم٬ وهي عمليات الاستهداف المباشر التي ترتكبها قوات الاحتلال الإسرائيلي منذ بداية الحرب على قطاع غزة.


كلمة للأمين العام للأمم المتحدة، مصدر الصورة: موقع الأمم المتحدة

 

ففي الوقت الذي يتوقف فيه العالم للتذكير بضرورة حماية الصحافة ومحاسبة المعتدين، تأتي غزة لتقدم الدليل الأكثر وحشية على انهيار هذه المبادئ٬ خاصة ما تصاعد عمليات استهداف الصحفيين بشكل مباشر بدلا من حمايتهم بموجب القوانين والاتفاقيات الدولية٬ وهذا ما يظهر جليا في الإحصائيات الأممية التي وثقت سقوط أكثر من ١٧٠٠ صحفيا منذ ١٩٩٣ بينما شهدت غزة وحدها سقوط أكثر من ٢٤٧ صحفيا وإعلاميا في عامين فقط.

وتؤكد الأرقام الخاصة بعمليات قتل واستهداف الصحفيين والتي توثقها منظمة اليونسكو حقيقة أن الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة هي الأكثر وحشية ودموية فيما يخص استهداف الطواقم الإعلامية٬ خاصة مع تحليل الأرقام الذي يكشف أن ضحايا العدوان الإسرائيلي على غزة من الصحفيين والإعلاميين في عامين فقط يعادل ١٤٪ من جميع ضحايا الصحافة والإعلام في العالم كله على مدار ٣٢ عاما. وبمقارنة بعض الأرقام التي ترصدها اليونسكو٬ نجد أن أفغانستان التي شهدت سنوات طويلة من الحرب٬ قتل فيها ٨٣ صحفيين فقط طوال ٣٢ عاما٬ مقارنة بأكثر من ٢٤٧ صحفيا في غزة خلال عامين.


احصائية توثق عدد الضحايا من الصحفيين على مستوى العالم منذ العام 1993 حتى الآن بما فيهم صحفي فلسطين، مصدر الصورة: مرصد منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة الخاص بالصحفيين القتلى

 

ومنذ السابع من أكتوبر 2023، تحولت غزة إلى ساحة قتال على يد قوات الاحتلال الإسرائيلي٬ راح ضحيتها أكثر من ٦٥ ألف ضحية من المدنيين٬ إلى جانب أكثر من ٢٤٧ صحفيا وإعلاميا وعاملا ضمن الطواقم الإعلامية٬ ما جعل الحرب الإسرائيلية المستمرة على قطاع غزة منذ عامين واحدة أعنف موجات استهداف الصحفيين في التاريخ الحديث، في محاولة إسرائيلية لإسكات الأصوات التي تعمل على نقل حقيقة الجرائم على الأرض وكشف حرب الإبادة والتجويع.

ما حدث في ٢٥ أغسطس الماضي واحدا من أبشع الجرائم الإسرائيلية ضد الصحفيين٬ حيث قام طيران الاحتلال على الهواء مباشرة بجريمة حرب واضحة تمثلت في قصف ٥ صحفيين كانوا يمارسون مهام عملهم من مجمع ناصر الطبي بخان يونس جنوب قطاع غزة، حيث استشهد في هذا القصف كلا من٬ المصور معاذ أبو طه، والمصور محمد سلامة من قناة الجزيرة، والمصور حسام المصري، والصحفية مريم أبو دقة وأحمد أبو عزيز.

 

الصحفي أنس الشريف قبل مقتله فى غزة أثناء تأدية عمله الصحفي

لم تكن هذه الجريمة الوحيدة التي ارتكبها الاحتلال في حق الصحفيين والإعلاميين خلال الأسابيع الماضية٬ ولكن سبقها جريمة استهداف المراسل التلفزيوني أنس الشريف٬ والذي يعد واحدا من أبرز المراسلين التلفزيونيين العاملين داخل القطاع منذ بداية العدوان على غزة٬ وهو ما وصفته الأمم المتحدة بأنها “جريمة حرب محتملة”.

 

تقرير مكتب مفوض الأمم المتحدة لحقوق الإنسان الصادر في أغسطس 2025 وثق استشهاد قرابة 247 صحفيا فلسطينيا منذ بداية الحرب، معظمهم سقطوا أثناء تغطيتهم للغارات أو داخل منازلهم مع عائلاتهم. هذه الحصيلة تجعل من غزة أخطر مكان في العالم على الصحفيين، وتشير إلى أن الأمر يتجاوز مجرد “أضرار جانبية” أو “حادث مأسوي” مثلما برر رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو جرائم قواته، ليكشف عن نمط متعمد من الاغتيال الممنهج للصحفيين والإعلاميين.


وقفة لصحفيي غزة للمطالبة بحماية الصحفيين

 

القصص الفردية للضحايا تحكي الكثير عن طبيعة الجريمة٬ فمقتل الصحفي أنس الشريف في العاشر من أغسطس بعد قصف مباشر لخيمة صحفيين قرب مستشفى الشفاء أثار استنكارا واسعا، خاصة بعد محاولة جيش الاحتلال تبرير العملية بادعاءات غير مدعومة بالأدلة.

هذه الجرائم لا يمكن فصلها عن السياق الأوسع للحرب. فبحسب إحصائيات الأمم المتحدة ووزارة الصحة في غزة، تجاوز عدد القتلى المدنيين حتى أغسطس 2025 أكثر ٦٥ ألفا، بينهم عشرات الآلاف من النساء والأطفال. بينما كانت المستشفيات والمدارس والمراكز الإنسانية شاهدة على سلسلة جرائم في حق الإنسانية بعد عمليات قصف واستهداف ممنهج، فيما يواجه أكثر من مليوني شخص ظروف نزوح قسري ومجاعة وحرمان متعمد من المساعدات.

على المستوى القانوني الدولي والقانون الدولي الإنساني٬ فإن اتفاقيات جنيف والبروتوكول الإضافي الأول لعام 1977 يحددان بوضوح أن الصحفيين في مناطق النزاع يعاملون كمدنيين ويجب حمايتهم بهذه الصفة. كما أن نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية يدرج الاستهداف المتعمد للصحفيين ضمن جرائم الحرب. ورغم ذلك، لم تفتح أي تحقيقات مستقلة وشفافة بشأن ما يحدث في غزة، بينما يظل الإفلات من العقاب هو القاعدة السائدة٬ انطلاقا من الغطاء الدولي لجرائم الاحتلال.

ومع الاستهداف المتلاحق والمتكرر للصحفيين والطواقم الإعلامية في غزة٬ تعتبر مجلة “حق ومعرفة” الصادرة عن برنامج “تعزيز ثقافة حقوق الإنسان” بالمفوضية المصرية للحقوق والحريات٬ الاعتداءات بأنها “على الحق في الحقيقة وعلى الضمير الإنساني”٬ الهدف منه إسكات أي صوت يحاول نقل الجرائم وكشفها أمام العالم٬ وتأكيدا على أنه إن لم يتحرك المجتمع الدولي لفتح تحقيقات مستقلة ومساءلة مرتكبي هذه الجرائم، فإن الإفلات من العقاب سيظل القاعدة.

 

Exit mobile version