حق ومعرفة (13).. حكايات من المهجر,, إلى اللقاء بقلم: نهى عبير

وقتي الضيق قبل رحيلي لم يسمح لي بتوديع كل الأماكن التي خلقت بها ذكرياتي، وتوديع الأصدقاء، على أمل لقاء قريب أو بعيد، حتى لا يتورطوا بأستدعاء لتحقيق بسببي، وأكون سببت لهم متاعب لأنانيتي في رؤيتهم؛ مازلنا شباب يافعين في العشرينات من عمرنا، لدينا الوقت والصحة للتنقل، رغم أعتقال بعضهم، وآخرين لا يستطيعوا التنقل بين المحافظات بسبب كمائن الشرطة التي ستتعنت معهم، ومن تختلف هويتهم عن الجنس المكتوب في البطاقة وينتظروا تغيره؛ اخترت أصدقائي بدقة من الاسرى والمقهورين.
لم يكن في الحسبان أن عزرائيل سيخطف أغلى الناس على قلبي، ريما من هونت علي أقسى الأيام، جعلتها أفروديت اجمل نساء العالمين، ووعدتني بها في منامي، فرأيتها في اليوم التالي مرتدية فستان أبيض مزين بورود حمراء تضع أحمر شفاه بنفس لون الورود، تحيط بها هالة من النور والبهجة، ترافقها الفراشات أينما حلت، تفوح رائحة عطرها قبل دخولها المكان، لا أعرف أي ذنب اقترفت لأعاقب بحرماني منها.

لم استطع حتى توديع جثمانها، وتوصلها لمثواها الأخير، وزيارة قبرها كل خميس، ووضع زهور عباد الشمس عليه، وتلقي التعازي، وإقامة تأبين لها، وإشعال الشموع، يبعدني عنها المحيط والحديد.
هل كتب علينا الشتات حتى الموت؟
أو حتى موت أحبابنا؟
ويبقى الرماد ولا نستطيع احتضانه.
خانتني عيناي ولم تبكيا، وبقيت الدموع حبيسة بداخلي، وبقي سؤال يتردد في عقلي، أي ذنب اقترفت لألقى هذا المصير، من الغربة والفقد!
تجرع سقراط السم لينتصر، ويخلّد أسمه، فضل الموت عن العيش مهزوم أو نكره، إن كنا هزمنا فلما تشبثنا بالبقاء!
هل لُعنا من كلّ الآلهة ليتشتت شملنا بين أسر ومنفي ومحاصر؟
وإن كانت لعنة فما الخلاص منها؟
عاد صديقي من غربته بعد رحيلي، حرمتنا الأقدار من اللقاء، كان متحمس للعودة بشدة، وقبل رحيلي كنت أسخر منه كلما تحدث عن اشتياقه، لم يكن أكمل أربع سنوات ولديه كل ملذات الحياة، لم أكن أعرف ألم الغربة حتى تذوقته.
لكنه عاد ولم يعد ما اشتاق له موجود، هاجر البعض، وأنطوي آخرين في عزلة، زار الإسكندرية التي لم يتبقى منها إلا الركام، لا يستطيع رؤية البحر ولا استنشاق هوائه، هدمت المباني العريقة، هدمت البيوت التي كانت تسرنا المرور بجوارها؛ هزمت الإسكندرية، وهُزمنا.
في أقسى درجات اليأس تظهر أمامي صورة الدكتورة ليلى سويف تمسك بقميص كتب عليه لست مهزوماً ما دمت تقاوم، كأنها رسالة كتبت لي، لأفيق من يأسي وأقاوم، فما خسرته لا شيء بجانب الرفاق في غزة، وبجانب أم لم تيأس وتظل تقاوم وتقاوم سعياً لحرية ابنها، سأهزم فقط إن لم أقاوم، سأهزم إن تركت اليأس يسيطر، وبذلك ينتصر الظلم، لا املك سلاح سوى ريشتي وألواني رفقاء الغربة والوحدة.

مع أني سليطة اللسان إلا أن لساني يعجر دائماً عن إخراج مشاعري في كلمات، لكن يداي يخرجا المشاعر في لوحات، رسمت تسع لوحات لريما دون النظر لصورة، فصورتها دائماً في ذهني بابتسامتها المبهجة، وبشرتها الخمرية، وعينيها الواسعتان، رسمتها في عصور وأعراق مختلفة، وأراها حولي دائماً بطيفها المنير وابتسامتها ويداها الحنونتان تربط على كتفي، وعينيها تقول دائماً قاومي.


وحالفني الحظ مرة من يوم غربتي، وساعدتني الأقدار، ليُطلب مني لوحة عن فلسطين، كنت قد رسمت العديد بالرصاص على الأوراق، فمواردي لا تسمح لي بشراء إطار كبير للرسم، إلا أن عملي الذي عوقبت عليه بالنفي كافئني تلك المرة، لأرسم لقضيتي الأولى، رسمت بألوان زيتية امرأة غزاوية علقت في رقبتها مفتاحها، تحيط بها هالة من النور، بين يديها صغيرها جثة، ومع ذلك تنظر للسماء، تناجي طلباً للرحمة والعدالة.
هل صبر أيوب؟
وإن لم يصبر هل كان لديه خيار آخر؟
عندما يشجّعني محاميي ويقول أني قوية، أجيبه بأن ليس لدي خيار آخر، ولو كان لدي لأخترت العيش في حضن أمي ولن أبرحه؛ غادرت مع مفتاحي على أمل العودة القريبة أو البعيدة، لكن ما أوقنه أن لي عودة يوم ما، وأمل أن ألحق بحضن أمي وما تبقى من الرفاق.
لم أختر أمي، ولم تكن تعد طعام جيد، تخبرها أختاي أن طعمها لذيذ على سبيل المجاملة، أما أنا فلم أكن منافقة، ناقص ملح أو محروق أو غير مسوى جيداً،ولن أجامل في طعام سأضطر لأكله، أعدت لي قهوة مرتان وياليتها ما فعلت، فرغم جودة البن العالية أفسدت مذاقه، وجميع من أغتبروا أول ما أشتاقوا إليه طعام أمهم، ولكنها كالوطن الذي لم أختاره ولم أذق منه سوى مرارة العيش وفقدان الرفاق، لكن يظل وطني، وأظل أشتاق لحضن أمي بلا سبب.
كل يوم في حبك تزيد الممنوعات وكل يوم بحبك أكتر من اللي فات
ويبقى صوت الشيخ إمام ورنات عوده ونيسي، غناءه لكل زمان، يشحن طاقتي بالعزيمة فأنجز لوحات في يوم، وقت الانتظار قد يطول وعلي العيش، لن أقضي السنوات أضع يدي على خدي وانظر لعقارب الساعة التي تتحرك ببطء شديد كأن تروسها من حديد صديء، لاحول الوقت والأرقام اللعينة لمشاعر وألوان وفن.
وسأحتفظ بالأمل في قلبي دائماً للقاء أصدقائي مرة اخرى، وأمل الحرية لي ولهم، وأمل في تحرير المعتقلين، وأمل في تحقيق العدالة في هذه الأرض، حتى لو بعد انقضاء حياتي، والأمل في تحرير فلسطين وزيارة رفقائي.




