Site icon المفوضية المصرية للحقوق والحريات

حق ومعرفة (13).. حكايات من المهجر 2,,لا تشبه تكرارهم .. بقلم / ايمان فتحى 

عدتُ إلى مقصورتي المظلمة الصغيرة، التي لم تفلح سخونة المكيف في طرد صقيعها. لم يكن الصقيع في هواء الغرفة، بل كان في قلبي. هذا الشعور الثقيل الذي يجعل الأماكن الواسعة تضيق، ويجعل الدفء لا يمسّ. أسندتُ ظهري إلى الأريكة وألقيتُ بملابس البحّار الثقيلة، التي كلّفتني عمري، ودفعتني إلى بحار هذا العالم الواسع بحثاً عن مكانة لا تليق إلا بشرفها.

جلستُ أحدّق في سقف المقصورة، أغرق في صمتي العميق. حينها، تسلّلت إلى أذني همسات – جدتي. كنتُ أسمعها تناديني باسمي، تدعو لي، كما لو كانت تقف خلفي تماماً. اختلط صوتها بوقع ملاعق أمي في المطبخ، ورائحة وجبتها المحبّبة. ثم توقّعتُ صوت مفتاح أبي في باب المنزل، صوته وهو يلقي بأغراضه إلى والدتي لتأخذها عنه.

كيف يمكن لقلبي أن يعيش هناك، بينما جسدي هنا؟ كيف تركتُ قلبي على أرض وطني، وها أنا أعانى بلا قلب؟ أتساءل، هل تستحق الحياه هذه المعاناة؟ هل سيظل هذا الحنين يكبر ويكبر حتى يشقّ صدري؟

فجأة، رنّ الهاتف، وارتعش قلبي. إنها حبيبتي. لم تتمكن من الوصول إليّ لثلاثة أيام بسبب ضعف شبكة الإنترنت. صوتها يطمئنني، لكنه يذكّرني بقلقها الدائم عليّ. بعد محادثة طويلة، أخلد إلى النوم، وأنتظر فى الصباح الباكر مكالمة والدي ووالدتي. أبتسم وأنا أشاركهم تفاصيل يومهم. مكالمات الفيديو تخفف من حدة الحنين، لكنها تضاعفه أضعافاً بعد أن ينتهي.

أغمضتُ عيني، واستسلمتُ للنوم البارد، لأستيقظ على حلم دافئ. رأيتُ نفسي بين أحضان إخوتي، وأختي تبتسم وهي تربت على كتفي بحنان.

استيقظتُ على صوت الرفاق، وضجيج المزاح يملأ الممر. ذهبتُ لأتناول طعامي، الذي أعدّه طهاة آسيويون مهرة، لكن طعامهم لا يمسّ قلبي مثل طعام أمي. 

تذكّرتُ أنني لم أحظى بقرب جدّي في لحظاته الأخيرة، ولم أحضر زفاف أقرب أصدقائي. هذه اللحظات المسروقة، وهذا الفراغ الذي تركه الغياب، يجعل من كل يوم في المهجر اختباراً جديداً للقلب. لكنّي أتمسك بخيط الأمل، بأن هذا الحنين سيقودني يوماً ما إلى العودة، وأن هذه التضحيات ستثمر لقاءً ينهي كل هذا البعد. .. 

ثم للحكاية بقية ..

Exit mobile version