اصدارات

حق ومعرفة (13).. ماذا تعرف عن؟,, سبعين عاما على دستور 1956 ..كيف ناضلت المرأة المصرية من أجل حقوقها السياسية؟

بحلول مارس 1956، سطرت المرأة المصرية صفحة جديدة في تاريخها، حين أصبحت الأولى إفريقيًا والثالثة عربيًا – بعد سوريا ولبنان – في نيل حقها في الانتخاب. جاء ذلك بعد أربعة أعوام فقط من اندلاع حركة يوليو عام 1952، لتختتم عقودا طويلة من الكفاح والنضال في سبيل المساواة. 

لكنّ القصة لم تنتهِ عند هذا الاستحقاق المنتظر؛ فطريق ما قبل هذا الإنجاز، وما تلاه من تحديات، هو الحكاية الأجدر بالرواية.

تاريخيًا، كان دور المرأة المصرية متعدد الأوجه، حيث تمتعت بحقوق ومساواة كبيرة في مصر القديمة كشريك في الحياة الدينية والاجتماعية والاقتصادية، وشغلت مناصب قيادية وحكمت البلاد، ثم توارت لاحقا في ظل سياق متراجع واحتلال متعاقب للبلاد حتى أصبحت محجوبة عن الأعين تعيش في ما يطلق عليه “الحرملك” محرومة من التعليم بين الطبقات الدنيا، ومحدودة الاختيارات في الطبقة العليا يقتصر تعليمها على الحياكة وتعلم اللغات حتى اختلف الأمر شيئا فشيئا في مطلع القرن السابق، ثم برزت مشاركتها في الحركة الوطنية للتحرير من الاحتلال الإنجليزي وحتى تبلورت جهودها في مشهد خروجها إلى الشارع عام 1919 ، ولأول مرة .

لم يكن الشارع المصري يعرف مشهدًا أكثر جرأة من خروج النساء لأول مرة في مظاهرات حاشدة ضد الاحتلال البريطاني. ارتدين السواد تعبيرًا عن الحداد على الوطن، ورفعن صور سعد زغلول وأعلام مصر، وهتفن في وجه الجنود الإنجليز بشجاعة لم يعتدها المجتمع.

 كانت صفية زغلول، الملقّبة بـ “أم المصريين”، رمزًا لتلك المرحلة، إذ تحوّل بيتها إلى مقر للثوار. وإلى جانبها ظهرت أسماء بارزة مثل هدى شعراوي ونساء الطبقة الوسطى اللواتي كسّرن الحواجز الاجتماعية، فنزلن إلى الشارع لأول مرة للدفاع عن حرية وطنهن.

حينها لم تكن مشاركة النساء مجرد حدث عابر، بل كانت نقطة تحوّل؛ أثبتت أن المرأة قادرة على أن تكون جزءًا من الحركة الوطنية، وأن صوتها لا يقل قوة عن صوت الرجل. ومن هنا بدأت مسيرة طويلة انتهت بعد عقود بنيل حقوق سياسية ودستورية، لكنها ظلت تحمل روح تلك اللحظة الأولى عام 1919.

مشهد خروج النساء للتظاهر عام 1919 – المصدر: أرشيف صحفي 

من التظاهر إلى التنظيم

بعد العام 1919 لم تعد المرأة المصرية مرة أخرى إلى المنزل بل خلعت عنها حجابها العقلي قبل المادي وبدأت في الانخراط في الحركة الوطنية وكذلك النسوية، وتمثلت أحد قواعد التقاطعية في أبهى صورها حيث مصلحة الفئة تنبثق من الجماعة، وبدأت الجمعيات النسوية في التبلور والعمل، وانتعشت حركة تعليم النساء فوصلن إلى الجامعات على مختلف التخصصات، وظهرت في الحركة الوطنية ولكنها مع ذلك لم تنل أي من حقوقها في دستور 1923، ولكنها استمرت في كفاحها.

في العام 1923 تأسس “الاتحاد النسائي المصري” برئاسة هدى شعراوي ليكون أول كيان منظم يعبّر بوضوح عن المطالب النسائية. لم يقتصر نشاطه على الدعوة للتعليم والمشاركة السياسية فحسب، بل سعى أيضًا لإصلاح قوانين الأحوال الشخصية، ورفع سن الزواج، وتحسين أوضاع المرأة العاملة. كان الاتحاد بمثابة منصة للنضال، نظم المؤتمرات، وأصدر البيانات، وأرسل الوفود إلى المحافل الدولية ليثبت أن المرأة المصرية جزء من حركة نسوية عالمية.

في تلك الفترة برزت أسماء شكلت علامات مضيئة في تاريخ مصر منهن نبوية موسى، وهي أول ناظرة مصرية لمدرسة حكومية وأول مصرية تحصل على شهادة البكالوريا، وهناك أمينة السعيد التي دشّنت بدورها تجربة رائدة في الصحافة النسوية عبر مجلة حواء، في الثلاثينات حيث لم تكتفِ بالموضوعات الاجتماعية، بل فتحت ملفات سياسية جريئة تتعلق بحقوق النساء.

هذا الزخم جعل الثلاثينيات فترة غنية بالتفاعل بين الحركة الوطنية والحركة النسوية؛ إذ لم تكن النساء يطالبن بحقوقهن كفئة منعزلة، بل ربطن مطالبهن بقضية التحرر الوطني الأشمل، ليؤكدن أن قضية الوطن لا تنفصل عن قضية المرأة.

ورغم هذا الزخم، ظلّ النظام السياسي المصري آنذاك عاجزًا عن ترجمة هذه التضحيات إلى حقوق دستورية. فقد جاء دستور 1930 ليعزز سلطات القصر، دون أي اعتراف بدور المرأة، ثم تلاه دستور 1935 المعدل دون أن يتضمن إقرارًا بحق النساء في الانتخاب أو الترشح.

مع انتهاء الحرب العالمية الثانية وتحديدا عام 1946 تصاعدت الحركة الوطنية مرة أخرى ضد الاحتلال، واستمرت المرأة في كفاحها على كل المستويات، كما لم يقتصر دور المرأة على الهتاف أو التظاهر، بل قدّمن الدعم اللوجستي من خلال إيواء الفدائيين، ونقل الرسائل، وتجميع التبرعات، حتى صارت المرأة جزءًا لا يتجزأ من البنية التحتية للحركة الوطنية.

وبرزت أسماء نسائية لعبت دورًا سياسيًا غير معلن؛ فقد شاركت نساء في تأسيس جمعيات خيرية كانت واجهة للنشاط الوطني، وكنّ على اتصال وثيق بالتيارات السياسية المختلفة من حزب الوفد إلى الحركات الطلابية. كما ساهمت الصحافة النسائية في تلك الحقبة في تشكيل وعي عام أكثر جرأة، حيث استخدمت أقلام نسائية صفحات الجرائد لتنتقد الاحتلال وتدعو إلى الاستقلال.

 هدى شعراوى تتصدر وفدا من عضوات الاتحاد النسائى المصرى – المصدر: أرشيف صحفي

هذا التناقض بين دورها في السياسة العامة وحقوقها المهدرة، خلق حالة من الإحباط داخل صفوف الحركة النسوية، لكنه في الوقت نفسه زاد من إصرارها، ورسّخ قناعة لدى الرائدات بأن المشاركة السياسية لا تُمنح بل تُنتزع بالنضال. وهو ما جعل الأربعينيات مرحلة تمهيدية حاسمة، ربطت ما بين نشاط 1919 وما تحقق بعد حركة يوليو 1952.

بعد قيام ثورة 23 يوليو 1952، ورغم أن المرأة المصرية كانت جزءًا من الحراك الشعبي الذي مهّد للثورة، فإن السلطة الجديدة لم تُبدِ حماسًا فوريًا لإشراكها سياسيًا. هذا التهميش دفع النسويات البارزات إلى تكثيف حركتهن الاحتجاجية.

في مارس 1953، قادت د. درية شفيق، المعروفة بلقب “بنت النيل”، واحدة من أبرز محطات النضال النسوي في مصر، حين اعتصمت مع مجموعة من الناشطات داخل نقابة الصحفيين وأعلن إضرابا عن الطعام احتجاجًا على استبعاد النساء من لجنة إعداد دستور 1954. وأطلقت شفيق حينها عبارتها الشهيرة: «أرفض الخضوع لدستور لم أشارك في صياغته، وإني أختار نقابة الصحفيين لأن الصحافة بطبيعتها ترتبط ارتباطًا وثيقًا بحركات التحرر».

لم يقتصر صدى الاعتصام على الداخل المصري، بل لفت أنظار المجتمع المدني العالمي إلى القضية النسوية في مصر. واستمر الإضراب أيامًا عدة، حتى تدخّل محافظ القاهرة حاملاً رسالة من الرئيس محمد نجيب تؤكد أن الدستور الجديد سيكفل للمرأة حقوقها السياسية، بما في ذلك حق التصويت والترشح لانتخابات البرلمان. رفضت درية إنهاء الاعتصام إلا بعد أن حصلت على تعهّد خطّي موقّع من المحافظ بصفته ممثلًا لرئاسة الجمهورية، لتثبت أن نضالها لم يكن رمزيًا بل مقرونًا بضمانات ملموسة.

من اعتصام درية شفيق وزميلاتها – المصدر: أرشيف صحفي

قرار الانتخاب.. اللحظة الفارقة

مع مطلع عام 1956، شهدت مصر لحظة فارقة حين أعلن الرئيس جمال عبد الناصر من ميدان الجمهورية بالقاهرة عن دستور جديد يضع أسس الدولة الحديثة. وبعد أسابيع، صدر القانون رقم 73 لسنة 1956 الخاص بتنظيم مباشرة الحقوق السياسية، والذي جاء ليكرّس مبدأ المشاركة الشعبية على نطاق أوسع. فقد خفّض سن الانتخاب إلى 18 عامًا، فاتحًا الباب أمام الشباب، كما منح المرأة لأول مرة حقها في التصويت والمشاركة السياسية.

ولم يكن هذا الحق نظريًا فقط، بل سرعان ما ظهر أثره على أرض الواقع. ففي أول انتخابات برلمانية بعد صدور القانون عام 1957، خاضت ست سيدات التجربة، وتمكنت اثنتان منهن من دخول البرلمان: راوية عطية عن الجيزة، وأمينة شكري عن الإسكندرية، لتسجلا سابقة تاريخية في الحياة النيابية المصرية.

وتواصلت الخطوات اللاحقة لترسيخ حضور المرأة؛ ففي عام 1962، عينت د. حكمت أبو زيد وزيرة للشؤون الاجتماعية لتصبح أول امرأة تتولى منصبًا وزاريًا في مصر، ثم جاء عام 1964 ليشهد مشاركة نسائية أوسع داخل الاتحاد الاشتراكي.

وهانحن نحن على أعتاب سبعة عقود تقريبا على حصول المرأة المصرية على حقها السياسي، فإن مسار المشاركة ظل متذبذبًا. فمنذ دخولها البرلمان لأول مرة عام 1957 وتوليها أول حقيبة وزارية عام 1962، واجهت النساء صعوبات مستمرة في تثبيت حضورهن داخل المجال العام.

فعلى امتداد فترات مختلفة، ظل تمثيل المرأة في المؤسسات التشريعية والتنفيذية محدودًا ولا يعكس حجمها في المجتمع. ورغم التحسن النسبي خلال العقد الأخير بزيادة نسبة تمثيل النساء في البرلمان وتولي عدد من الحقائب الوزارية، إلا أن مؤشرات المشاركة ما زالت دون المستوى المأمول، غذ لا يزال موقعها السياسي، لا يوازي نضالها الطويل، وسط تحديات اقتصادية، واجتماعية تجعل مسألة التمكين الكامل هدفًا لم يتحقق بعد.

1 لم يكن الشارع المصري يعرف مشهدًا أكثر جرأة من خروج النساء لأول مرة في مظاهرات حاشدة ضد الاحتلال البريطاني. ارتدين السواد تعبيرًا عن الحداد على الوطن، ورفعن صور سعد زغلول وأعلام مصر، وهتفن في وجه الجنود الإنجليز بشجاعة لم يعتدها المجتمع.
2 في العام 1923 تأسس “الاتحاد النسائي المصري” برئاسة هدى شعراوي ليكون أول كيان منظم يعبّر بوضوح عن المطالب النسائية. لم يقتصر نشاطه على الدعوة للتعليم والمشاركة السياسية فحسب، بل سعى أيضًا لإصلاح قوانين الأحوال الشخصية، ورفع سن الزواج، وتحسين أوضاع المرأة العاملة. كان الاتحاد بمثابة منصة للنضال، نظم المؤتمرات، وأصدر البيانات، وأرسل الوفود إلى المحافل الدولية ليثبت أن المرأة المصرية جزء من حركة نسوية عالمية.
3 في مارس 1953، قادت د. درية شفيق، المعروفة بلقب “بنت النيل”، واحدة من أبرز محطات النضال النسوي في مصر، حين اعتصمت مع مجموعة من الناشطات داخل نقابة الصحفيين وأعلن إضرابا عن الطعام احتجاجًا على استبعاد النساء من لجنة إعداد دستور 1954. وأطلقت شفيق حينها عبارتها الشهيرة: «أرفض الخضوع لدستور لم أشارك في صياغته، وإني أختار نقابة الصحفيين لأن الصحافة بطبيعتها ترتبط ارتباطًا وثيقًا بحركات التحرر».
4 مع مطلع عام 1956، شهدت مصر لحظة فارقة حين أعلن الرئيس جمال عبد الناصر من ميدان الجمهورية بالقاهرة عن دستور جديد يضع أسس الدولة الحديثة. وبعد أسابيع، صدر القانون رقم 73 لسنة 1956 الخاص بتنظيم مباشرة الحقوق السياسية، والذي جاء ليكرّس مبدأ المشاركة الشعبية على نطاق أوسع. فقد خفّض سن الانتخاب إلى 18 عامًا، فاتحًا الباب أمام الشباب، كما منح المرأة لأول مرة حقها في التصويت والمشاركة السياسية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى