Site icon المفوضية المصرية للحقوق والحريات

حق ومعرفة (13).. مشاركات الأعضاء,, المريَّة … وأشياء أخرى قصة قصيرة بقلم/ محمود السيرة

دخل عليها.. 

وجدها في مكان نومها الذي تركها فيه.. 

لكنها حين دخوله رفعت رأسها وأخذت تُغمض عينيها وتفتحها ببطء ثم قامت ناهضة عندما توجَّه ناحيتها.. 

جلس على الأرض بجوار فراشها.. 

أقبلتْ عليه.. 

اقتربتْ منه.. 

وضع يده على رأسها يُداعبها.. 

ارتسمت ابتسامة رقيقة على وجهها الصغير، أدارت رأسها لتُقبِّل باطن يده فارتسمت بدورها الابتسامة على وجهه ذي القسمات الحادة والتجاعيد غير الحادة، حملها بكلتا يديه واحتضنها برفق وجعل يُربِّت على ظهرها بحنوٍ بالغٍ قائلًا:

“أتدرين يا مريَّة؟ اليومَ يكونُ قد مرَّ على رحيل بيسان شهر كامل”.

وكأنها أدركت ما قاله وفهمته، فتبدَّلت البسمة بعبوس حزين بعض الشيء.. 

واصلَ حديثه وقد تأثَّر هو الآخر بتذكر زوجته الراحلة: 

“في مثل هذا الوقت منذ شهر تذكرين أني كنتُ مريضًا ذلك اليوم ولم أقوَ على الذهاب لصلاة الفجر، فاستأذنتني بيسان في الذهاب لأداء الفريضة جماعة مع صاحباتها كما اعتادت في المُصلَّى المقام في ساحة المدرسة المجاورة لنا.

وبعد مغادرتها خيمتنا تلك توضأتُ وصليتُ.. وأذكر أنك كنت ترقدين خلف مصلاي.. 

وما إن انتهيتُ من تسليمتي الأخيرة فإذا بدوي انفجارات هائلة يصمُّ آذاني، فأصابك الذعر وعلا صوتك، واستمرَّ الحال بضع دقائق هاج الناس حولنا خلالها وماجوا”.

لم يستطع إكمال حديثه.. 

وأنزل المريَّة من على صدره ووضعها في حجره وهي تموء بحزن شديد وتحكُّ رأسها في فخذه وكأنها تواسيه.. 

مدَّ يده إلى جيب قميصه ليمسك بمنديل قطني خفيف، المنديل كان مطرزًا بأول حرف من اسم زوجته التي رحلت عنه بعد أن قضيا معًا ثمانية وأربعين عامًا.. 

بكل ما حملته من سويعات فرح.. 

وساعات حزن..

وأيام قهر..

وسنوات كفاح عاشاها منذ أن تزوجا في بداية عهد شبابهما.

كانا قد التقيا في مسيرات الجليل الاحتجاجية ضد تهويد القدس، جمعهما حماس المراهقة ونُبل القضية، لم يطلْ بهما الوقت حتى تزوجَّا في نفس العام، وكان ذلك المنديل هو أول هدية له من زوجته.. 

مسح بالمنديل آثار الدموع التي سالت رغمًا عنه، وأخذ يمسح بيده على ظهر قطَّته الأثيرة.

كانت المريَّة هي آخر سلالة قطته الأولى التي أهداها هو لزوجته بعد زواجهما وخلَّفت جيلاً بعد جيل إلى أن وصلت تلك الجميلة التي اختار لها اسم المدينة الأندلسية الساحلية التي لا تقل جمالًا عنها وذلك لشغفه بالتاريخ عامة وبتاريخ الأندلس خاصة.

عمرها شهور قليلة، كانت هي تسليتهما الوحيدة في السنوات الماضية بعد أن استشهد جميع أبنائهما على فترات إما في قصف أو في هجوم أو في دفاع.

ياسين.. 

ابنهما الأكبر الذي رزقهما الله به بعد تسعة أشهر من زواجهما.. 

كان نجيبًا، ورث عن أمه حُسنها، وعن أبيه حزمه وصرامته وحبه للقضية، شارك أباه في أحداث الانتفاضة الأولى.. 

وكان ابن عشر سنين عندما قضى نحبه مع من قضى من أطفال الحجارة في جباليا.

ولم يمض عامان كاملان حتى راح ابنه الأوسط إسماعيل..

بعد أن رُشق جسده بعشرات الطلقات في مسيرات إحياء ذكرى النكبة حتى صار أشبه بمصفاة دم.

ولده الأصغر يحيى.. 

تمت تصفيته في مطلع الألفية في أحداث الانتفاضة الثانية ووُجدت أجزاء من جسده بجوار جثة صديقه وجاره محمد الدُرَّة الذي رأى العالم كله لحظات استشهاده على الشاشات. 

أما ابنته عزَّة.. 

كانت فتاته المُدلَّلة.. 

كانت هي الأقرب إلى قلبه.. 

يحبها..

يخاف عليها.. 

لم يمر العامُ بعد على وفاتها.. 

لو كان بإمكانه ما تركها تخرج من بيتها –أو بالأحرى مخيمها- يوم أن جاءه نبأ مقتلها في عملية تفجير المستشفى الذي كانت تعمل به. 

كانت عزة تقوم بأعمال التمريض لمصابي وجرحى الهجوم الأخير.. 

تداوي وتواسي.. 

تتذكر إخوتها.. 

لا يعطيها الوقت فرصة لتذرف عليهم دمعًا.. 

حيث يناديها من ينادي.. 

ويستجير بها وزميلاتها من يستجير.. 

تجري هنا لتوقف نزيفًا.. 

وتركض هناك لتجلب دواءً..

وبينما الحال على ما هو عليه إذ بالجميع يفاجَؤون باقتحام عنيف بآليات عسكرية مُعادية حديثة وأخذت تصوب على كل من في المستشفى بضراوة بالغة..

لم تشفع النداءات والصرخات ولم تشفع الدماء التي تسيل، ولم تشفع الجراح التي لا تزال مفتوحة لا تجد ما ومن يكتمها.

“واصلت الآليات تقدمها..

واصلت الآليات قذفها..

واصلت الآليات قتلها.. 

قتلوها.. 

قتلوا عزة.

عزة، أميرةُ قلب أبيها وأمها..

عزة، أميرة قلوب عائلتها..

عزة، أميرة قلوب كل من عرفها”.

ألقى تلك الجُمل على مسامع المريَّة وهو يجهش بالبكاء الذي غلبه وماءت المريَّة مواءً كأنه البكاء.

نهض فقفزت على الأرض رافعة ذيلها محركة إياه..

خطا إلى خارج خيمته.. 

وقف وسط المخيم الذي أُعدَّ لهم منذ شهور، منذ الاجتياح الأخير لمدينته وتدمير كل شيء بها، ذلك المخيم الذي حل محل تلك المدينة التاريخية، تلك المدينة الأبيَّة التي عانت طوال تاريخها.

رائحة البارود تملأ أجواء المدينة.. 

رائحة الخراب تعم أرجاءها.. 

رائحة الدم تمتزج بهوائها.. 

الحزن يخيم على خيامها..

أخذ يمشي بخطى بطيئة تتبعه المريَّة وسط خيام المخيم ولازالت الأدخنة تغطي سماء المدينة، أوصلته قدماه إلى أطلال المدرسة المجاورة، توقف يُقلِّب ناظريه في جنباتها، كم من مرة أتى وزوجته بيسان يطمئنان على جيرانهما، يزوران أصدقاءهما حيث إن المدرسة كانت قد تحولت إلى ملجأ يأوي من لا مأوى له من المهجرين أو ممن تهدمت بيوتهم فوق رؤوسهم، وأيضًا كانا يأتيان للصلاة فيها.

جلس الرجل ذو السبعة وستين عامًا على أقرب حجر وجده، وبقفزة رياضية رشيقة استقرت المريَّة على فخذيه ملصقة جسدها ببطنه فما كان منه إلا أن رفعها إلى صدره قائلًا لها:

“بيسان..

ذهبت بيسان يا مريَّة.. 

ذهبت بلا رجعة..

ذهبت وتركتني..

تركتني سجين ذكرياتي معها ومع أبنائنا.. 

تركتني سجين مرضي ووهني وضعفي..

تركتني ليس لي سواكِ، أنا وأنت والذكريات، أنا وأنت والدموع والآهات، أنا وأنت ومن حولنا..

 أتراني أقوى على العيش بدونها؟ 

من لي بعدها، ومن لك أنتِ بعدنا؟ 

أتراها تشعر بي وأنا أدعو لها باكيًا في صلاتي ليلًا؟ 

أتراها تشعر بي وأنا أناديها نهارًا ناسيًا أنها رحلت؟ 

أتراها تشعر بي وأنا أفزع من الليل لأني أرى مشهد موتها كل ليلة بكامل تفاصيله؟ 

مضرجة بدمائها كانت.. 

لا يتحرك لها ساكن سوى عينيها تجوب أرجاء المدرسة –أو ما تبقى منها- كأنها تبحث عني..

في هذه البقعة أتيت مهرولًا يومها.. 

وقفت أُنقِّل بصري هنا وهناك.. 

أجساد ملقاة على الأرض..

أخرى تسقط من الطابق الثاني عند انهيار أجزاء منه..

أشخاص كثيرة تركض فوق الجثث إما لإنقاذٍ أو لفرار من ذلك الجحيم المستعر.. 

حدثني قلبي أنها ضمن من طُرحت أجسادهم أرضًا، رأيت إحداهن عليها بقايا ثوب يشبه ثوبها الذي خرجت به، وجدتني أسير نحوها. 

هي .. 

نعم هي.. 

تلاقت أعيننا عن بُعد.. أسيرُ نحوها.. تنظر إليَّ.. 

كلامًا لم تنطق به سمعتُه.. 

وصايا لم تُبلَّغ أتتني..

لم أفطن لها وقتها..

وصلتُ إليها، لكن بعد فوات كل أوان، ثبَّتتْ بصرها شاخصةً نحو الأعلى.. 

أردتُّ البكاء فلم أجد دمعًا وقتها..

أردت الصراخ فلم أجد صوتًا وقتها.. 

جعلتُ أنظر إليها، أتحسس وجهها، أرفع يدها أقبِّلها، لكن بلا جدوى.. بلا جدوى.

لا جدوى يا مريّة.. 

لا جدوى يا خليل..

لا جدوى.. 

صرتَ وحدك يا خليل..

صرتَ وحدك أيها العجوز، راح أبناؤك، راحت زوجتك وغيرهم وغيرهم.

من يأخذ لي بثأرهم؟ 

من يقتص ممن حرمني منهم؟ 

من يضمن لي حقي الذي أُهدر؟”.

أمسك بمنديله ليكفكف دمعه ونهض قائمًا وابتعد عن المدرسة القفر تتبعه المريَّة بخطى واثبة وهي تعي تمامًا ما سأل. 

لكنها لا تدري أبدًا إجابته.

Exit mobile version