اصدارات

حق ومعرفة (13).. مشاركات الأعضاء,, رمزية واحدة .. من تراتيل الطين الى الابجدية

(عن إنكار النساء و تماهى الزمان والمكان فى تمدد القهر, بسردية امرأة لا ترى)

مقال ثقافي نسوي
بقلم/ سارة كحلة

فعل نجاة 

الكتابة تبدأ من مشاعر تنبش فى أرواحنا ,فتستفز وعينا ,وتدفعنا لكسر القيود فنكتب باختلافاتنا 

تقول الناقدة النسوية الايطالية ”تيريزا دى لوريتس” بعد اختراق الأدب للحدود الأبوية الصارمة يتحول الغياب الى حضور 

وتؤكد ”شيماء حمدى” مؤسسة مبادرة (نكتب لننجو) ان الكتابة هي فعل نجاة فتقول .. أنا فى رحلة علاج نفسي استمرت أعواما وفى كل مرة كنت أزور طبيب نفسي كان يدعوني للنجاة من الصراع والغضب والحزن بالكتابة .,وتضيف أرى أن الكتابة وسيلة للمساعدة من تقليل الضغط النفسي فهي تنقل ما بداخل النفس الى الورق ما يجعلنا أكثر إدراكا ورؤية لمشاعرنا فيقل الصراع داخلنا فنتفادى بعض نوبات إيذاء النفس والاخرين  واختتمت حديثها .. ومع ما قدمته لى الكتابة من هنا بدأت فكرة النجاة الجماعية تلح على افكارى الى أن أطلقت المبادرة لتكون ضمن أليات الأفراد عموما والنساء بشكل خاص لرؤية الحلول التى تعبر عنهن|م .

وبناءا على ذلك فإن بوح النساء بأشكاله المختلفة التى تتناسب معهن أحد طرق النجاة التي ننصف بها نفوسنا ونلطف بها جروحنا , ومن ضمن أشكال البوح كانت الكتابة الأدبية فعلى مر العصور كانت ضمن أدوات المقاومة النسوية , فبعضهن اخترن هويات سرية  حفاظا على أمانهن ,وبعضهن استطعن إعلان هويتهن ,

سواء كانت الهوية معلنة أو مخفية ,فان النتيجة  كانت سامية لهن ولمن قرأ اليهن , وفى تلك الرحلة نادرا ما قابلت المجتمعات هذا البوح بالاحتضان  وتمهيد دروب النجاة بل غالبا ما واجهته بالاسكات والقمع والإرهاب 

كلما اشتعل الفرن ,يهمس صوت قديم …

قبل أذان الظهر في إحدى قرى مركز أبو حمص بمحافظة البحيرة وسط الأراضى الزراعية  ,فى هدوء نسبى للقرية تحمل ”رمزية ”صوانى الطعام على رأسها الى ان وصلت للفرن الطينى تنزل الطعام على الأرض وتبدأ فى الغناء وهى تشعل الفرن 

”رمزية” فى العقد الثانى من عمرها حاصلة على شهادة الإعدادية ,لديها ثلاثة فتيات دون العاشرة تعيش هي وزوجها وبناتها فى غرفة داخل منزل عائلة الزوج ,تقوم بالأعمال الرعائية والمنزلية لأفراد العائلة ,تفتقد للعلاقات الاجتماعية التى يمكنها التفاعل معها بينما لا تمتلك  حتى هاتف محمول , تقول هذا الفرن أنيسي .

تدور أحداث حياتها كل يوم كمونولوج متكرر لا يتغير والفرن هو الشاهد على مشاعرها وما فيها من آلام وأفكارها وما بها من غضب يسجن معها داخل عقلها لحياة ترغب فى عيشها ولا تستطيع ورغبات وأحلام محكوم عليها بإيقاف التنفيذ داخل منزل العائلة 

لم تكن ”رمزية” وحدها المعزولة  رغم اختلاف السياق الزمني والمعيشي ,إذ تتقاطع صراعاتها اليومية مع التحديات التي واجهتها النساء قديما  ,فى القرن الثالث والعشرين قبل الميلاد فى بلاد ما بين النهرين بمدينة أور جنوب العراق كانت الكاهنة “إنخيدوانا”من أوائل النساء اللائى وثقن مشاعرهن وكتبن عن أفكارهن فى وقتا لم يكن مسموحا للنساء بالتعبير عن الذات فكتبت عن وحدتها وعزلتها لتنظيف قدس الأقداس وعن رغبتها فى الحياة لا للخدمة فقط .

نقشت صلواتها على ألواح طينية مستخدمة الخط المسماري أحد أقدم أنظمة الكتابة ثم قامت بحرقها فى الفرن لحماية نقوش كتاباتها لأكبر وقت ممكن .,

أنا التي ذاقت المرار والتى عرفت 

كيف يكون الألم حين ينكرك الجميع 

قلبى ممزق كالقماش القديم 

روحى تحترق كأرض جرداء تحت شمس لا ترحم 

من تراتيل”أنخيدوانا سرجون الأكدى “

جوع 

بينما لا تعرف “رمزية “عن الحقوق والمشاركة  وحق الاختيار والترفيه  ,و تعتبر التفكير فيها أحلام وأمنيات , فهى تعد يوميا طعام العائلة وتشم رائحته ولكنها لا تجرؤ على أخذ تصبيرة لها أو لاحدى الفتيات دون مائدة العائلة ,فتصبر شهيتها بقضم الجزر حتى يحين موعد غذاء العائلة , وعندئذن تطلب منها حماتها(والدة الزوج) تقسيم اللحم فتعطى الرجال المناب (النصيب) الأكبر ثم الأطفال وأخيرا هى وحماتها وكثيرا لا يكتمل حلمها بالطعام الذى أعدته بيديها فتقتات على بقاياه 

 

“رمزية” تغني وهي تعد طعام العائلة.. صممت بواسطة “الذكاء الاصطناعي”

كلما حاولت “إنخيدوانا “إشباع روحها بعبادة الآلهة أنانا “عشتار”, والصلاة إليها فى المعبد منعها الكهنة الذكور, فسلبوا منها مكانتها الدينية ورموزها شىء فشىء حيث أنهم لم يعترفوا بالالهة النساء وكانوا يفضلون عبادة الآلهة الذكور مثل” أنليل “و”سين” فكان الصراع بين “إنخيدوانا”والكهنة صراع الهرم الديني الذكورى حيث تحول حق العبادة إلى سلطة سياسية 

“انانا” ,أيتها السيدة العظيمة ,أنت التي تسيرين امامي 

اجعلى من صوتى برقا يهز الأرض 

امنحيني لسانا من لهب,وقلبا لا يلين 

لقد كسرونى حين دنوت من نورك ,فأرفعى اسمى من جديد .

من تراتيل”إنخيدوانا سرجون الأكدى”

تنظر “رمزية “لشجرة العنب جانب الفرن فى حسرة وتقول هذا العنب الذابل المتدلى من فوق رأسنا محرومات من قطفه كلما اشتهيناه ترفض حماتى أن يقطف أحدا من الشجرة أقسمت لى انها تحفظ أمانة أبنها ووعدها له أن لا يقطف أحدا عنقودا قبل مجيئه حتى لو ذبل العنب كله , تسألها أبنتها ..أمى لماذا ننتظر أبى لنقطف عنقودا ؟ فتصمت وتحتضن ابنتها وتناولها ثمرة الجزر 

تجريد 

استمرت” أنخيدوانا ” في عبادة “أنانا “وكتبت لها تراتيل تشكو فيها مدى الخذلان والإقصاء والتهميش الذي وصل لطردها من المعبد 

“أنليل” أمر بنفى 

وقال الكهنة لم تعودى طاهرة 

لكن قلبى لك يا أنانا 

أنا كسرت من أجل أسمك 

من تراتيل “أنخيدوانا سرجون الأكدى”

يمتلك “م”زوج “رمزية “من عائلته أرضا وشجرة العنب  ويعمل عملا آخر خارج قريته فيغيب عن زوجته وبناته بالاسابيع كما ذكرت “رمزية “وحينما تطلب منه مصروف لهن يرفض بحجة أن والدته ووالده  يرعون شؤنهن المادية ,وان اعترضت وتمسكت بحقهن في أموال خاصة لاحتياجاتهن اعتدى عليها بالضرب أمام الصغيرات 

فكرت “رمزية” فى العمل  فتحدثت مع زوجها وما ان اكملت حديثها حتى نهض من مكانه وأضافت, ضربنى علقة موت ., احتضنتها أبنتها الأكبر ما ان غادر المنزل ولم تستطع “رمزية ” اخفاء انهيارها  حتى انهمرت فى البكاء  وفى هذه المرة صرخت الصغيرة ..أكره أبى .

“أنخيدوانا” كما “رمزية “التى يسلب منها زوجها الطمأنينة والكرامة حينما تطلب حقوقها أو حتى تتحدث عنها  ,تصلى “لأنانا” فتحكى لها عن ما يحدث معها 

انا التى كانت ترتل 

أنا الكاهنة العظمى 

لا ماوى لى الأن 

ولا يد تمتد لتأخذنى من الخراب 

من تراتيل ” أنخيدوانا سرجون الأكدى”

تعنيف

عائلة “رمزية” أم وأب وثلاثة ذكور أكبر منها فهي الأخت الأصغر , تذهب “رمزية” لأمها ثلاثة مرات شهريا ,تحكى لها عن أوجاعها وعدم قدرتها على تحمل تلك الحياة مع زوجها فتسمعها وتخبرها بأنها تحتاج إلى الصبر والحكمة لتتفادى أذى زوجها ومكر حماتها , ما يجعل رمزية تشعر بالذنب في بعض الأوقات كما وصفت  

,وتضيف .. لما بروح لأمي بتشلينى من على الأرض أنا وبناتى وبتدينى من خيرها وخير أبويا واخواتى ,بس أنا مش عايزة أشيلهم همى ببقى مكسوفة

وفى إحدى المرات عاد زوج “رمزية” من عمله خارج القرية ,جلس مع أمه وحينما قابل رمزية شكت له من أن احتياجاتهن هي الصغيرات لا يسدها والديه فلماذا يحرم عليهن العنب فى غيابه ؟ فأتهم رمزية بالطمع تقول “طلع فيا غله وزهقه من أن العنب ذبل. ” وفى الليل  أقام معها علاقة جنسية , كشفت “رمزية” عن أن علاقتها بجسدها تزداد كرها كلما عاشرها زوجها 

,وفي نهار اليوم التالى ..

طغى القهر على قلبها وشعرت  بالحزن  يحبس أنفاسها  كما وصفت, فقررت الفرار والاحتماء بعائلتها 

فلم تمنع تحديات الإقصاء والتهميش والطرد ” أنخيدوانا “من دعمها للآلهة أنانا التى ترفع الضعفاء وتعلى النساء فظلت تكتب لها 

 

 

 

“انخيدوانا” بعد الانتهاء من خدمة المعبد تصلى لأنانا من أجل العدل 

صممت بواسطة “الذكاء الاصطناعي”

أنانا أنتى التى تحكمين بالعدل 

تجلبين القوة لمن لا يملكونها 

ترفعين الضعفاء, 

تجعلين صوتهم  يسمع 

أيتها السيدة العظيمة 

أنتى التى تخضعين الجبال وتحطين الاعداء 

تجلبين القوة حيثما حللت 

من تراتيل “أنخيدوانا سرجون الأكدى”

وبعد قضائها عدة أيام  في بيت عائلتها ,يأتي والدها ليخبرها أن زوجها قادم  الليلة ليعود بها الى البيت هى والصغيرات وتطلب منها أمها العودة للمحاولة والصبر وتواسيها بأنها لن تتركها ان ازدادت الامور سوءا .

تقول “أنخيدوانا” في أحد نصوصها وهي تصف الخذلان من المعبد نفسه وتكتب وهى وحيدة في وجه سلطة لا ترحم 

قد صار بيت الهى خرابا 

وانا التي كانت ترتل امامه

لم يعد لى بيت ,ولا مأوى ,ولا تاج 

لم يسمعنى أحد 

أثر

تقاوم “رمزية” رغم تهشمها ترسم مع الصغيرات ,وتدرس لهن ,يلعبن,ويبكين

تخلق من الطين داعما نفسيا وتحاوره فى كيفية دعمها ماديا ليحدث تغيير يجلب لها بعض الراحة لتستطيع الاعتماد على نفسها والنجاة  هى وبناتها من بيت زوجها وعائلته 

تمسكت” أنخيدوانا”  بعبادة “أنانا” واصرت على نقش صلوات امرأة لأمرأة فنفيت من مدينة أور الى منطقة نائية وحينها كتبت بيانا نسويا مبكرا يصرخ فى وجه الصمت 

“انانا “اظهرى قوتك لمن سحقنى 

,واجعلى من صوتى سيفا فى وجههم

وامنحينى النور بعد هذه العتمة

من تراتيل “أنخيدوانا سرجون الأكدى”

فبعد سقوط الحاكم الذي نفاها استطاعت أن تستعيد مكانتها الكهنوتية واستمرت لعبادة “أنانا “وكتابة التراتيل على ألواح الطين ,  من المؤكد أن “أنخيدوانا” تركت أثرا أكبر من أى عودة ,فظلت كتاباتها تقرأ وتدرس وتنسخ لقرون فى وقت كان يمحى فيه اسماء النساء من اى شىء و اليوم تعرض ألواح كتاباتها داخل المتاحف العراقية وفى المعرض البريطاني وتدرس في جامعات  مثل”أكسفورد ,شيكاغو ,غوتنغن ,مالطا ,ماربورغ”

أنخيدوانا تنقش رسائلها  لتمجيد الآلهة  أنانا 

صممت بواسطة “الذكاء الاصطناعي”

لقد وضعتنى” أنانا “فى النور من جديد 

وارتفع أسمي بين الأسماء 

فليعرف كل من يسمعني أن صوتى لم يكسر 

“من تراتيل أنخيدوانا سرجون الأكدى”

هل سوف تتحول” رمزية” من زوجة مقموعة  وابنة لا ترى إلى امرأة ترتل صلواتها بصوتها؟ هل سوف تنجو؟ أم تصبح نفس حماتها؟ هل هناك تراتيل أخرى للطين سوف تكتبها “رمزية “؟ هل يصبحن بناتها فى أنتظار ان يصرخ الطين يوما أنه لم يسمعهن أحد؟ 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى