المفوضية المصرية للحقوق والحريات

حق ومعرفة (13).. نرشح لكم,, القمع من شاشة السينما إلى واقع الحياة في فيلم “الفقراء أولادي”

“الفقر مش عيب… العيب إنك تفرّط في كرامتك.”

هكذا تلخص زينب جوهر الحكاية في فيلم “الفقراء أولادي”، حيث تقاوم زينب بطلة الفيلم البسيطة الحال  سلطة ضابط استغل نفوذه في الإضرار بالغير. 

الفيلم، الذي قدّم عام 1980، يبدو وكأنه كتب لمصر اليوم: الفقراء يزج بهم في السجون، الشباب يتهمون بتهم ملفقة، أما أفراد الأمن فإذا ما صحى ضميرهم تكسر رقابهم.

من خلال شخصيات زينب، حامد، والصول شرف، يرسم الفيلم صورة لسلطة لا ترى في المواطن إلا رقماً يمكن محوه، أو جسداً يمكن إخضاعه. وهو الواقع الماضي – الحاضر المستمر والمتكرر حتى ساعة كتابة تلك السطور.

أما عنوان الفيلم “الفقراء أولادي” فيكشف منذ البداية التناقض. الفقراء هم أبناء الوطن، لكنهم أول من يُسحقون. الدولة تدّعي أنهم أساسها، لكنها تعاملهم كعبء يجب إخضاعه. هذا التناقض الذي لم يكن مقصورًا على زمن مراكز القوى في بداية السبعينيات، إذ استمر النسق نفسه حتى اليوم وفي ظل عهود حكم مختلفة حيث تُرفع شعارات لا صوت يعلو فوق المعركة بينما تُدار البلاد بسياسات إفقار ممنهج و اعتقالات متكررة لكل صوت معارض.

بوستر فيلم : الفقراء اولادي – المصدر: أرشيف إعلامي

الفقراء أولادي..نص مفتوح

إن الفقراء أولادي ليس مجرد فيلم قديم يعكس تاريخًا مضى، بل هو نص مفتوح على حاضرنا. حيث يظهر أن البنية العميقة للسلطة في مصر لم تتغير بينما الفرق الوحيد أن الأدوات أصبحت أكثر حداثة تتنوع بين منظومة قوانين إرهاب محاكم استثنائية، ورقابة إلكترونية لصيقة الهدف منها إخضاع الشعب.

تبدأ القصة في حي قلعة الكبش الشعبي، حيث تعيش الأرملة زينب (نورا) بعد أن فقدت زوجها الذي قُتل على يد رجال السلطة ومراكز القوى. 

تكافح زينب من أجل تربية أولادها والتمسك بكرامتها، لكنها تتعرض لمحنة جديدة عندما يستدعيها الضابط حازم (صلاح نظمي) إلى مكتبه بحجة التحقيق، ليحاول الاعتداء عليها وإذلالها. ترفض زينب الخضوع وتصر على مواجهة ما حدث، فيقرر الضابط التخلص منها وإسكاتها بأي ثمن.

في هذه الأثناء يظهر الطالب الجامعي حامد (مصطفى فهمي)، المثقف المتمرد على الظلم، والذي يقف بجانب زينب ويدافع عنها. ومعه صديقه البسيط ياسين (يونس شلبي)، حيث تزج بهم السلطة الغاشمة في السجن بتهم سياسية ملفقة ويُلقى القبض عليهما.

يدخل حامد السجن ليجد أن المسؤول عن تنفيذ أوامر التعذيب والانضباط هو والده الصول شرف (فريد شوقي). وهو رجل معروف بالصرامة والطاعة العمياء لرؤسائه، لكنه ينهار حين يرى ابنه بين المعتقلين. ويقف مترددا بين الولاء للسلطة والعلاقة الأبوية، ويقرر أخيرًا أن ينحاز لضميره، فيرفض تعذيب المعتقلين جميعًا.

هذا الموقف يكلفه الكثير؛ حيث يجلد أمام زملائه وتُلفق له تهمة الجنون ويُزج به في مستشفى الأمراض العقلية، ليتحول من رجل ينفذ القانون إلى ضحية للمنظومة التي خدمها طوال حياته.

من جانب آخر تواصل زينب مقاومتها لضغط الضابط حازم الذي يحاول إرغامها على الصمت، لكنها تصر على الدفاع عن شرفها، رغم الفقر والتهديد .

تنحل العقدة الدرامية بتصاعد الأحداث حتى تصدر قرارات مايو السياسية، التي شملت الإفراج عن المعتقلين السياسيين. وبموجبها خرج حامد من السجن بعد رحلة طويلة من العذاب، ويخرج أيضًا والده شرف من مستشفى الأمراض العقلية.

يعود الأب والابن إلى الحارة، ويلتئم شمل الأسرة من جديد، بينما تبقى زينب شاهدًا حيًا على أن الفقر ليس عيبًا، وأن الكرامة لا تُشترى ولا تُباع، وأن قسوة السلطة قد تكسر الأجساد لكنها لا تهزم النفوس الحرة.

 

من تتر فيلم الفقراء اولادي – المصدر : أرشيف إعلامي

الفقراء أولادي..رموز

تعد زينب، بطلة الفيلم، صورة لآلاف النساء اللواتي يتحملن الفقر، التهديد، والابتزاز على مختلف الأنظمة السياسية، حيث يُتركن بلا حماية، وتُستخدم أجسادهن وسمعتهن كوسيلة لإسكاتهن أو إخضاع عائلاتهن. زينب التي قاومت ضابط الأمن هي مرآة للمرأة المصرية التي ترفض أن تفقد شرفها رغم كل الضغوط.

أما حامد، الطالب الجامعي، فهو تجسيد متجدد لصورة جيل كامل، التي يعيش حياته رهنا لمزاج السلطة حيث يمكن اعتقاله بين لحظة واخرى بسبب أو بدون أما بوقوفه إلى جانب الحق فوقوع الظلم مؤكد، وفي الفيلم، اعتُقل حامد لأنه وقف بجوار الحق، كما هو الحال اليوم.

من جانبه يمثل الصول شرف مأساة أخرى مأساة الشخص الذي يعيش حياته مطيعًا، ثم يكتشف أنه مجرد ترس في آلة يمكن التخلص منه في أي لحظة. في الفيلم، يُجلد أمام زملائه وتُلفق له تهمة الجنون. فهذا النوع من السلطة لا يتهاون في التهام أقرب المقربين إذا اختلف معهم.

أما الرسالة التي ينتهي بها الفيلم فهي صالحة لكل زمان في مصر خصوصا والشرق عموما، بأن الفقر ربما يكون عيبًا عند السلطة فمن خلاله تنقض على مواطنيه ولكن تمسك الشخص بكرامته أو ضميره لا تعني دائما الخسارة فالسلطة تستطيع أن تعتقل، تعذب، وتكسر الأجساد، لكنها لا تستطيع أن تُميت ضميرًا حيًا. وهنا تكمن خطورتها، لأن الشعوب التي تتعلم أن تحافظ على كرامتها، حتى في أحلك الظروف، لا يمكن أن تُهزم إلى الأبد.

فيلم “الفقراء أولادي” من إخراج وتأليف ناصر حسين وإنتاج شركة الفيلم الماسي، وبلغت مدته حوالي 80 دقيقة. شارك في بطولته فريد شوقي في دور الصول شرف، ونورا في دور زينب، ومصطفى فهمي في دور حامد، ويونس شلبي في دور ياسين، وصلاح نظمي في دور الضابط حازم، إلى جانب نخبة من الممثلين منهم نظيم شعراوي، إجلال زكي، ليلى مختار وسميرة صدقي.

مشهد من فيلم الفقراء أولادي – المصدر أرشيف إعلامي

1 عنوان الفيلم “الفقراء أولادي” يكشف منذ البداية التناقض. الفقراء هم أبناء الوطن، لكنهم أول من يُسحقون. الدولة تدّعي أنهم أساسها، لكنها تعاملهم كعبء يجب إخضاعه. هذا التناقض الذي لم يكن مقصورًا على زمن مراكز القوى في بداية السبعينيات، إذ استمر النسق نفسه حتى اليوم وفي ظل عهود حكم مختلفة حيث تُرفع شعارات “لا صوت يعلو فوق المعركة” بينما تُدار البلاد بسياسات إفقار ممنهج واعتقالات متكررة لكل صوت معارض.
2 تكافح زينب من أجل تربية أولادها والتمسك بكرامتها، لكنها تتعرض لمحنة جديدة عندما يستدعيها الضابط حازم (صلاح نظمي) إلى مكتبه بحجة التحقيق، ليحاول الاعتداء عليها وإذلالها. ترفض زينب الخضوع وتصر على مواجهة ما حدث، فيقرر الضابط التخلص منها وإسكاتها بأي ثمن.
3 تنحل العقدة الدرامية بتصاعد الأحداث حتى تصدر قرارات مايو السياسية، التي شملت الإفراج عن المعتقلين السياسيين. وبموجبها يخرج حامد من السجن بعد رحلة طويلة من العذاب، ويخرج أيضًا والده شرف من مستشفى الأمراض العقلية.
4 من جانبه يمثل الصول شرف مأساة أخرى مأساة الشخص الذي يعيش حياته مطيعًا، ثم يكتشف أنه مجرد ترس في آلة يمكن التخلص منه في أي لحظة. في الفيلم، يُجلد أمام زملائه وتُلفق له تهمة الجنون. فهذا النوع من السلطة لا يتهاون في التهام أقرب المقربين إذا اختلف معهم.

Exit mobile version