المفوضية المصرية للحقوق والحريات

حق ومعرفة (13).. نرشح لكم,, “الميدان”.. شهادة جيل رأى السماء تُفتح ثم تُغلق!

إذا كان هناك ثمة قصة من العقد الماضي عن مصر تستحق أن تُروى فلا يوجد أفضل من رواية ما جرى في بلاد النيل منذ الخامس والعشرين من يناير 2011، حيث الثورة التي وحدت المصريين من مختلف الأطياف في ميدان لامست فيه أحلامهم حد السماء.

والأفضل من رواية تلك القصة العودة لتلك اللحظة التاريخية لنعيشها مجددا، وهو ما يُتيحه فيلم “الميدان” للمخرجة المصرية/الأمريكية جيهان نجيم التي رصدت ببراعة شديدة المسارات السياسية والمجتمعية التي اتخذتها الثورة المصرية من وجهة نظر المشاركين بها الذين ينتمون لشرائح متنوعة من الاتجاهات السياسية من التيارات الليبرالية واليسارية واﻹسلامية. 

على مدار ساعة ونصف الساعة نرى كيف غضب الشعب، فكسر حاجز الخوف، فأدرك أنه صاحب السلطة الحقيقية فهتف “الشعب يريد إسقاط النظام”، فتذوق حلاوة أن يريد وأن يكون له إرادة. ونعيش التحديات التي واجهت ثورته، والإحباطات التي نالت منه، ومحاولة استكمال الثورة.

بداية القصة.. 

بعد مشهد افتتاحي لوسط القاهرة ليلا، يأخذنا الفيلم إلى جذور الحكاية، حيث يروي لنا أحمد حسن، شاب مصري دوافعه للخروج في 25 يناير للمطالبة بإسقاط النظام. ويبدأ حكايته من حيث كان طفلا لا يرى أي ملامح لمستقبل مشرق في ظل نظام مبارك الذي دفعه للعمل وهو في الثامنة من عمره لتوفير مصاريف دراسته، فيما يتفشى الظلم في كل أرجاء الدولة التي تقمع كل معارض، حيث يقول “محدش يقدر يتكلم في السياسية؛ السياسة كانت للحزب الوطني بس”.

ومن خلال هذا المدخل، تعرض مخرجة الفيلم بعض وقائع التعذيب التي حدثت في بعض أقسام الشرطة قبل الثورة بينما أحمد يتحدث عن استبداد نظام مبارك. ولا تغفل “نجيم” الربط بين دعوة النزول للتظاهر ضد نظام مبارك في 25 يناير بحادثة مقتل الشاب خالد سعيد على يد الشرطة في الإسكندرية، التي كانت من أبرز أسباب نزول أحمد إلى التحرير. ومن شهادته نكتشف كيف كان ميدان التحرير مرآة لمصر التي كانت تعاني في ظل حقبة مبارك وقانون الطوارئ، حينما يقول: “نزلت الشارع، ولما نزلت الشارع لقيت كل اللي حوليه ميقلوش عني أي حاجه، كلهم زيي.. حاولوا يفرقونا بأي شكل وبأي طريقة. والشعب غضب، وكسر الخوف”. 

يعرفنا “الميدان” بعد ذلك على باقي شخصيات الفيلم التي قابلتها المخرجة جيهان نجيم في ميدان التحرير وقررت توثيق تجربتهم بكل ما فيها من أمل وحلم وإصرار وتحدّ؛ وهم الممثل خالد عبدالله، المقيم بالخارج والذي عاد ليشارك في صنع مستقبل بلاده، والمنتمي إلى جماعة الإخوان آنذاك مجدي عاشور، الذي لم يكن يتخيل أن يقف جنبا إلى جنب كل هؤلاء المختلفين عنه فكريا وإيديولوجيا، والمطرب الشاب رامي عصام، الذي أشعلت أغانيه حماسة المتظاهرين في ميدان التحرير، وبيير سيوفي، الذي احتضنت شقته كل هؤلاء، إلى جانب المخرجة الشابة عايدة الكاشف وآخرين.

“كلنا إيد واحدة”

صورة من الفيلم لأحمد، أحد أبطال العمل

وعبر قصص متوازية نتعرف من خلال الفيلم لماذا اجتمع كل هؤلاء مع مئات الآلاف من المصريين في ميدان التحرير رغم اختلاف انتماءاتهم الفكرية وأصولهم الاجتماعية، ونرى بوضوح كيف كانت “العلاقة قوية بين الجميع في الميدان”، كما تشير عايدة، ويؤكد مجدي وبيير. الإخواني والسلفي والمسلم العادي والمسيحي والليبرالي واليساري والمحافظ؛ كلهم يتحاورون ويتسامرون سويا.. وكأن الميدان شفاهم من أمراض الفرقة التي غرسها نظام مبارك طوال 30 عاما. 

بعد 18 يوما من التظاهر في ميدان التحرير وباقي ميادين الحرية بمختلف محافظات مصر، رحل مبارك وحل عن سماء المصريين؛ حدث ذلك لأن الجميع كانوا “إيد واحدة” في الميدان.. يؤكد ذلك المشاركون في الفيلم الذين صار حلمهم أن تكون مصر كلها كميدان التحرير.

وعن الـ18 يوما التي سبقت إعلان مبارك التنحي، يقول أحمد “مكنش فيه حاجه اسمها مسلم أو مسيحي، كلنا كنا موجودين.. كنا إيد واحدة”. أما بيير فيقول “أحلى حاجه في الثورة دي اننا كلنا إيد واحدة، وأهم حاجه في الثورة دي إن كل واحد نزل نزل كشخصه مش كحزبه ونجحنا سوا”. 

من الوعد إلى الرصاصة!

وفي ذروة نشوة الانتصار؛ يرصد لنا الفيلم الوجه الأول الذي ظهر به قيادات الجيش بعد تنحي مبارك، حيث يوثق “الميدان” أحد جنرالات القوات المسلحة وهو يتعهد للثوار بأن “مفيش رصاصة هتطلع مننا ضدكم”، ليعطي رسالة مفادها بأنه – أي الجيش – سيكون ضامنا للثورة وحاميا لها. 

لكن الأيام التالية جاءت مخيبة للآمال، حيث يقول أحمد بحسرة وألم: “تنحى مبارك وتولت القوات المسلحة إدارة شئون البلاد وأقسمت بالله أنها هتنفذ مطالب الشعب والناس روحت البيت.. واستنينا حاجه تتعمل ولا حاجه اتعملت.. لا حق الشهيد جيه ولا الحكومة اتغيرت ولا دستور اتكتب ولا أمن الدولة اتحلت. النظام مش بس مبارك؛ النظام كل مؤسسات الدولة كلها لازم تتغير”.

هنا تلتقط المخرجة جيهان نجيم لحظة أدرك الثوار الخطأ الكبير الذي وقعوا فيه حينما غادروا ميدان التحرير تحت نشوة الفرح برحيل مبارك اعتقادا بأن النظام بأكمله سقط؛ فعادوا مجددا إلى الميدان. يقول خالد “لا زال أمن الدولة موجود.. لا زال قانون الطوارئ يحكمنا”. أما أحمد فيقول: “أكبر غلطة للثوار انهم خرجوا من الميدان قبل ما تكون الشرعية في إيديهم”.

“احنا راجعين الميدان..

داخلين على ميدان التحرير..

هي خيمة وبطانية والاعتصام حل القضية”…. يقول أحمد.

وتواصل “نجيم” رصد التحولات في طريقة التعامل مع الثوار، فنرى اللواء السابق حمدي بخيت والذي بات ضيفا مستمرا على شاشات التلفاز حينها ينتقد التظاهر في التحرير ويقول إن على الثوار تقديم مطالبهم من خلال ممثلين لهم ثم يتابعوا التنفيذ، فيما يقول ضابط حالي عمن يتواجدون بالميدان “مش كل اللي في التحرير متظاهرين.. فيه اللي بيتفرج.. واللي رايح يسرق”.

في المقابل ترصد لنا “نجيم” مكالمة هاتفية بين خالد ووالده، تعكس من خلالها خبرة الأب في قراءة هذا الموقف المتبدل للجيش والمحسوبين عليه، حينما يوضح لنجله خلاصة ما يحدث حاليا: “الجيش كان عايز يوقف مشروع التوريث مشروع التوريث خلص يلا كله يروح بيته”.. لقد كانت تلك الكلمات تلخيصا بسيطا ومختصرا لما بدأ ينكشف لاحقا خلال أحداث الفيلم. 

لكن الجيل الذي قام بالثورة لم يكن متقبلا فكرة التفريط فيها والقضاء على أحلامه، فنجد خالد – كما توثق نجيم في الفيلم – يتحدث عن شعوره بمسؤولية تقع على عاتقه، حيث يقول: 

“فيه مسؤولية عليه وحاسس بيها إني أصر على وجهة نظري عشان لسه في سم لسه هاخده حتى لو سم”.

وبعد التعهد بأن “مفيش رصاصة هتطلع مننا ضدكم”، يرصد لنا الفيلم التحول الجذري في موقف المؤسسة العسكرية من الثوار من خلال موقف بسيط لكنه ذو دلالة حينما يقف مجندون في وجه مجموعة من المعتصمين في ميدان التحرير لتحقيق أهداف ومطالب الثورة التي لم تتحقق بعد. ويقول عسكري لأحد المحتجين إنه سيعطي إنذارا وفي حال عدم الاستجابة لهذا الإنذار سيطلق النار، مستطردا: “اسمع الكلام، أمشي، لو مروحتش هضربك بالنار”. 

صورة من الفيلم لميدان التحرير بعد فضه من أحد الاعتصامات

لم تمر ساعات على هذا التهديد – الذي يوثقه الفيلم – حتى اندلعت اشتباكات بين المتظاهرين والجيش الذي فض الاعتصام بالقوة وطرد المعتصمين من الميدان ويزيل الخيام ويحتجز بعض من الثوار في المتحف المصري ويعتدي على المحتجزين ويعذب بعضهم.

كانت تلك الاشتباكات التي وقعت في 9 مارس 2011 هي الأولى والأكبر تقريبا بعد تنحي مبارك، وكـ”موقعة الجمل” كان البلطجية حاضرين فيها جنبا إلى جنب مع العسكريين، وطالت أثارها بعض الشخصيات التي توثق تجربتها المخرجة جيهان نجيم في “الميدان”، فيظهر لنا أحمد يدخن سيجارة وفي وجهه إصابة من أثر عملية الفض بينما جرى القبض على المطرب رامي عصام واحتجازه في المتحف المصري قبل إطلاق سراحه لاحقا وعلى جسده آثار تعذيب.

يقول رامي خلال الفيلم: “يوم الأربع 9 مارس الجيش هجم وكان معاه بلطجية كتير خدوا ناس كتير، وأنا كنت من الناس اللي اتاخدت من أول ما دخلنا حصل ضرب شديد.. بعدين لما دخلت رموني في الأرض وقلعوني هدومي، وقصوا لي شعري، واستخدموا أساليب ضرب كتير”.

بعد هذه الواقعة المفصلية، ومن شقة بيير المطلة على ميدان التحرير، يجتمع خالد وعايدة وبيير وآخرين لمناقشة الخطوة القادمة، فاتخذوا قرارا بتصوير الأحداث وتعليم الناس “الصحافة الشعبية” لنقل الصورة الحقيقية بأنفسهم بعدما تيقنوا أن الإعلام الموجود منحاز إلى المجلس العسكري.

صفقة مع المجلس العسكري!

ومع عدم تسليم المجلس العسكري للسلطة بعد 6 أشهر كما تعهد، يرصد لنا الفيلم بداية فصل جديد أكثر تعقيدا، فالجيش بدأ يحاكم الثوار عسكريا، بالتوازي مع تصاعد الاتهامات الموجهة إلى جماعة الإخوان المسلمين بأنها عقدت صفقة مع الجيش لضمان مصالح مشتركة على حساب باقي فصائل الثورة. ووصل هذا الخلاف إلى ميدان التحرير الذي بدأت تركيبته في بعض الجُمع تتغير!

ولم يتوقف الأمر عند حد الخلاف بين فصائل الثورة المختلفة، بل وصل إلى خلافات وانقسامات داخل كل فصيل. فنجد مثلا مجدي المنتمي وقتها لجماعة الإخوان المسلمين يقول – في مشهد لافت – إنه غير راضي عن تصريحات قيادات الجماعة الرافضة للنزول للميدان والتظاهر بدعوى عدم تعطيل “عجلة الإنتاج”.

ويزداد الخلاف عمقا كما يرصد الفيلم، فنجد أحمد غير المنتمي لأي فصيل سياسي يتهم الإخوان بأنهم أخذوا ما يريدون من المجلس العسكري وتركوا شركاء الثورة بمفردهم يُضربون ويُسجنون. 

وفي مشهد آخر تصور لنا المخرجة جيهان نجيم بشكل يبدو بسيطا حالة التمرد والتهور داخل نفوس بعض الثوار جراء خيبات الأمل المتتالية جراء عدم تحقيق أي من أهداف الثورة، حيث تتبع أحمد وهو يسير في وسط الشارع غير مكترث بالسيارات التي تسير في الطريق. 

وبحرفية شديدة، تنقلنا “نجيم” من خلال أحمد إلى واحدة من أكثر الحوادث المؤلمة التي عاشتها مصر خلال المرحلة التالية لثورة يناير، وهي أحداث ماسبيرو أو “مذبحة ماسبيرو” والتي أدت إلى مقتل 14 مصريا مسيحيا دهسا بالمدرعات بينهم الناشط مينا دانيال. فبينما تتبع الكاميرا أحمد وهو يسير في الشارع يقول: “بعد 10 شهور كل حاجه ضدنا؛ مجلس ضدنا.. إخوان باعونا.. إعلام وبيكره الناس فينا.. لدرجة إن مسيرة سلمية رايحه تطالب بحقها قدام مبنى الإذاعة والتلفزيون يحصل فيها ده.. انا عمري ما تخيلت إن ده ممكن يحصل في يوم من الأيام”. بعد ذلك يعرض الفيلم بعض من مشاهد تلك الحادثة المؤلمة.

ثم ينقلنا الفيلم إلى فصل جديد، يزيد فيه الانقسام بين الفصائل التي شاركت في الثورة، حيث الانتخابات البرلمانية التي جرت على غير رضى من جانب القطاع الأكبر من الثوار الذين كانوا يريدون كتابة الدستور أولا. ونعيش من خلال الفيلم حالة الجدل التي جرت في هذا السياق والاتهامات التي جرى توجيها إلى جماعة الإخوان والسلفيين الذين شكلوا فريقا آخر يريد الانتخابات البرلمانية أولا، فواجهوا اتهامات جديدة بعقد صفقة مع المؤسسة العسكرية على حساب الثورة.

وفي مشهد مميز يُظهر للمشاهد إلى أي مرحلة وصل الخلاف في معسكر الثورة تلتقط مخرجة الفيلم لقطة احتفال الإخوان بالسيطرة على البرلمان في ميدان التحرير فيما يتظاهر باقي فريق الثورة من أجل القصاص للشهداء وباقي مطالب “25 يناير”. ولا تفوت “نجيم” كيف كان يدافع أنصار الإخوان عن جماعتهم في النقاشات التي شهدها الميدان الذي بات مشتعلا بنار الفرقة، فيقول أحد أفراد الإخوان مدافعا عن موقف الجماعة “لازم نحط إيدينا في إيدين المجلس العسكري”.

“الثورة جايه جايه”!

ثم توثق لنا جيهان نجيم لحظة جوهرية تمثل ذروة القصة وتستحق أن تكون “مستر سين” الفيلم سواء من الناحية الدرامية أو البصرية، إذ ترصد مخرجة الفيلم أحمد وهو يترك الميدان أثناء نقاش محتدم مع أنصار الإخوان أدرك خلاله أن هذه الفترة مفصلية في تاريخ الثورة، فيقول ناهيا النقاش: “خدوا الميدان واعملوا اللي انتوا عايزينه، والثورة جايه.. جايه، غصب عن أي حد”.

وتكثف نجيم بعد ذلك من المشاهد الكاشفة عن انقلاب العسكريين على الثوار، فنجد أحد الضباط يقول “احنا مش حمينا الثورة.. ده احنا اللي قومنا بالثورة.. انتو متعرفوش حاجه”، فيما يقول اللواء حمدي بخيت في حديث مع الناشطة غادة كمال: “أقسم لك يا غادة محدش هينفد من الحساب”!

حقل ألغام

بعد ذلك، نصل إلى فصل جديد من فصول الثورة، يتمثل في الانتخابات الرئاسية التي وصل فيها مرشح الإخوان محمد مرسي إلى جولة الإعادة ضد أحمد شفيق، آخر رئيس وزراء في نظام مبارك. الإخوان يريدون دعم باقي رفقاء الميدان، والرفقاء في حيرة من أمرهم. هل ينحون خلافاتهم جانبا ويختارون المرشح المحسوب على الثورة، أم يقاطعون الانتخابات وينتقمون من الجماعة التي يرون أنها عقدت صفقة مع المجلس العسكري لتحقيق مكاسب خاصة بها. وتتجلى هذه الحيرة حينما يقول أحمد: “والله انا لا عايز ده ولا عايز ده.. احنا اتحطينا في حقل الألغام.. لقينا نفسنا في وسط ده ووسط ده مش في إيدينا حاجه نعملها”. 

ويفوز مرسي برئاسة مصر، وبعد عرض سريع لمشاهد الاحتفالات، لا تغفل مخرجة الفيلم بيان مشاعر الشخصيات التي تتبعها، والبداية مع مجدي المنتمي لجماعة الإخوان المسلمين الذي يريد منح الرئيس الجديد فرصة حتى ينجح، حيث يقول “الناس خايفة بس بقول نديله فرصة.. أنا بقول لو أنا رئيس هقولهم ادوني فرصة.. لو انا معرفتش اثبت نفسي كرئيس لا يا عم انا هسيبلك السلطة.. أصبر عليه 100 يوم، أنت صبرت على النظام السابق 30 سنة.. أصبر عليه”.

في المقابل، يعبر المطرب رامي عصام عن حزنه قائلا: “اليوم ده أسوا من أيام حياتي، إن البلد مسكها إخوان.. أول ناس غدرت بينا..وسابتنا وباعتنا في الآخر همه اللي يمسكوا البلد مش منطقي”. ويضيف مبررا سبب خسارة المعسكر الذي ينتمي له جميع المعارك التي خاضوها منذ تنحي حسني مبارك: “مشكلتنا كثوار إن احنا بنقول لا ونسكت.. ما بنطرحش بدائل”. فيما يُقر خالد بأن “السياسة غير الثورة”. ويوضح هو الآخر سبب فشل الثوار في فرض إرادتهم “لو هتدخل في السياسية فيه حاجات هتضطر ضحي بيها.. هي دي احنا مش شاطرين فيها”.

أما أحمد فيؤكد مجددا بلغة بسيطة أننا أمام لحظة جوهرية ستؤثر الأفعال والقرارات التي جرت فيها على مآلات الأمور في المستقبل، حيث يقول: “حلمهم مجلس شعب خدوه.. حلمهم مجلس شورى طمعوا فيه وخدوه.. رئاسة خدوها هياخدوا إيه اكتر من كده.. يبقى دي نهاية الإخوان”.

وتواصل “نجيم” رصد أبرز المحطات التي تلت انتخاب مرسي وفي مقدمتها الإعلان الدستوري الذي أصدره محمد مرسي ووسع به سلطاته ما أشعل فتيل أكبر أزمة سياسية منذ سقوط مبارك. ثم محطة وضع الدستور الذي لم يحظى بقبول الأحزاب الليبرالية واليسارية فضلا عن الكنيسة. 

ومع تعمق الخلافات، عاد مرة أخرى التظاهر والهتاف “الشعب يريد إسقاط النظام” ولكن هذه المرة أمام قصر الاتحادية، ليشهد حكم الرئيس الجديد واحدة من أعنف الاشتباكات منذ وصوله إلى سدة الحكم. ولم تغفل هنا المخرجة جيهان نجيم إبراز الجانب الإنساني بين رفقاء الميدان الذين وقفوا ضد بعضهما البعض أمام “الاتحادية”، فترصد لنا جلسة تجمع بين خالد المعارض لحكم مرسي، وعاصم نجل مجدي المنتمي لجماعة الإخوان المسلمين، حيث يسأل الأول “جالكم أمر تنزلوا”، ليرد الشاب المراهق بالإيجاب وأنه نزل لمساندة الجماعة، فيسأله مجددا للتأكد “في الاتحادية نفسها عشان تشيلو الخيم؟”، فيرد عاصم بنعم، فيسأل خالد مجددا: “كنت بترمي طوب عليه يا عاصم”، فيضحك عاصم ضحكة بريئة وخجل ويرد “يلا بقى”.

صورة لأحد مشاهد الفيلم

ومع خالد، يشاهد مجدي ونجله عاصم سويا فيديوهات الاعتداء على المتظاهرين أمام قصر الاتحادية. ويؤكد الأب أنه غضب بشدة من نزول ابنه إلى هناك؛ ثم يخاطب نجله مستنكرا “واقف قدام خالد.. واقف قدام بيير”، ليرد الأبن “همه دول اللي وقفت قدامهم”، فيقول الأب: “آه.. أمال إيه.. بتليفون واحد بيجمع الناس في دقيقة.. صح ولا مش صح.. انزلوا الميدان.. ينزلوا الميدان”.

وتبرز لنا نجيم هنا التغيير الذي أحدثته الثورة في نفوس كثير ممن شاركوا فيها، حينما تلتقط حديث مجدي لنجله، فرغم انتماء الأب إلى جماعة الإخوان المسلمين إلا أن الثورة جعلته يتمرد على قرارات الجماعة التي يرى أنها خاطئة، حيث يقول لابنه عاصم: “أنا ما يزيدنيش شرف إني اكون وقفت في صف الناس بتاعت الإخوان عشان اضرب في الناس التانية.. أنا أما قمت بالثورة أنا قولت لك انا قمت بالثورة عشانك انت وعشان اختك جهاد ومصعب، فـ ليك وقفة مع نفسك وأنت ليك عقل. ومع احترامك للإخوان أو السلفيين أو لأي طفل.. ليك عقل، فكر وقول”.

مجددا.. الشعب يريد إسقاط النظام

ويستمر الفيلم في رصد ما حدث تحت حكم مرسي، موضحا الاتهامات التي توجه لأول رئيس بعد الثورة من جانب القوى المعارضة من جهة، والتهديدات التي يوجهها المؤيدون للرئيس إلى المعارضة من جهة أخرى. 

ويصل “الميدان” إلى فصله الأخير؛ 30 يونيو، حيث يثور المصريون مجددا ويخرجون للميادين لإسقاط مرسي.. وهنا أحمد الذي توقع مبكرا الوصول إلى هذه النقطة حينما قال لأنصار الإخوان حينما تحالفت الجماعة مع المجلس العسكري لإجراء انتخابات البرلمان أولا قبل وضع الدستور: “خدوا الميدان واعملوا اللي انتوا عايزينه، والثورة جايه.. جايه، غصب عن أي حد”. يقول أحمد هذه المرة: “أصل الثورة إيه.. الثورة مش مجرد إني اسقط نظام واجيب نظام.. الثورة دي ثقافة شعب.. انت بـ تثقفي الشعب، بتملكيه حريته.. ده اللي احنا كسبناه؛ إن احنا قدرنا نوصل للمواطن المصري ثقافة التظاهر.. إن هو يقدر يعترض على الحكام أي كان هو مين”.

وتلتقط “نجيم” هنا أيضا كلمات لأحمد تعبر بشدة عن أن القادم معلوم ومجهول في الوقت ذاته! حيث قال “الجيش جاي مش هنضحك على بعض، بس تفتكري الجيش هيجي بنفس اللي جيه بيه قبل كده تفتكري؟”.

وكما قال أحمد جاءت الثورة بعدما نزل الملايين إلى الشارع، لكن بعض رفقاء الميدان الذي أسقط مبارك يعتصمون في ميدان آخر اعتراضا على الإطاحة بمرسي. ترصد “نجيم” هذا، فتلتقي بمجدي في ميدان رابعة العدوية، حيث يقول:”اللي في ميدان رابعة مش معرضين يتحط عليهم..معرضين للخطر يعني.. هنفضل نجري، نجري.. الناس دخلت بسلاح.. وناس فكرهم كده.. فكرهم مثلا من قاطعكم فاقتلوه.. فربنا يعدي الأيام دي على خير”.

وقبل ساعات من الإطاحة بمرسي، توجه المخرجة جيهان نجيم سؤالا لمجدي “مش عايز تشوف صحابك خالد وأحمد”، فيجيب: “عايز اشوفهم بس انا جيت هنا اتثبت هنا.. قالولي انت مروح ولا مش مروح.. قولتلهم لا مش مروح.. يعني عشان مقفش قصاد ده وقصاد ده.. وده داخل هنا وده داخل هنا”. 

“انا هقف مين.. هضرب خالد عبدالله.. ولا بيير اللي كنت قاعد عنده في الشقة”.. هكذا يؤكد مجدي الذي يقف ممزقا بين رفقاء الأمس وواقع اليوم مشدد على أنه لا يريد أن يقف ضد خالد وبيير.

يأتي بعد ذلك أحد أكثر مشاهد الفيلم جمالا وعمقا، فبعد رحيل مرسي وفض اعتصام ميدان رابعة العدوية بالقوة، يجري أحمد اتصالا مجدي للاطمئنان عليه رغم أن كل منهما يقف على ضفة مختلفة، فيقول أحمد بنبرة صادقة: “ياعم مجدي يعني على قد ما انا ممكن اكون كنت منفعل وبقول الإخوان دول لازم يموتوا ممن يكون ده بس غضب مني.. بس انا عايز اجي اقف معاك.. بصراحة كده.. عشان احنا مهما كان الثورة دي قامت عشان مبدأ مش عشان دم”.

ويضيف أحمد مخاطبا مجدي موضحا حقيقة شعوره في تلك اللحظة الفارقة: “مش هفرح لما انت تاخد رصاصة في دماغك وتموت يعني.. أنا ممكن أنا ياعم مجدي لما كنت بتضايق عليك فكنت بتضايق عليك من غضبي.. بس أنا وأنت متفقين على حاجة واحدة ان بلدنا توصل للخير”. لكن مجدي الذي يدرك خطورة المشهد يرفض حضور أحمد خوفا عليه قائلا “لا لا متجيش”.

في نهاية الفيلم يقول مجدي بضعة كلمات تكاد تكون نبوءة أو خبرة اكتسبها من تجربة عشاها سابقا خلال حكم مبارك أو قراءة لما سيحدث لاحقا.. كلمات تصف بشدة ما سيعيشه المصريون لاحقا بعد سنوات من عرض الفيلم! يقول مجدي: “أصعب وقت الإنسان كان يعيشه لما ينام. ينام في وسط بيته واهله وعياله، ويفتح عينه يلاقي بتوع أمن الدولة حوليه. في اوضة النوم.. دي حياة… شايفين دي حياة؟ هتيجي تتصلي يوم بعاصم ، يمكن عاصم مايردش عليكي كمان.. تتصلي بوالدته، تقوله أه ده مجدي مات.. أو عاصم مات.. أو اتسجن.. وفي الحالتين انا بفضل الموت على السجن.. السجن صعب.. صعب صعب صعب صعب”

هكذا رصد “الميدان” ثورة المصريين التي ضلت طريقها رغم أن أبنائها – رغم اختلافاتهم الفكرية والاجتماعية – ناضلوا بإصرار من أجل استكمالها وتحقيق أهدافها من عيش، وحرية، وعدالة الاجتماعية.

في تصريحات سابقة لها قالت المخرجة جيهان نجيم: “عندما وصلت إلى الميدان كان هناك أشخاص من جميع الخلفيات؛ رجال، نساء، طبقات مختلفة.. كانوا جميعا هناك ليشاركوا لأول مرة في صنع مستقبل حياتهم وبلدهم.. يعبرون عن مشاعرهم تجاه سياسة البلد ويناقشون مستقبله؛ كان الجو ساحرا وأردت أن أتصور كيف اصنع فيلما عن ذلك.. ما كنا نراه كان بداية للديمقراطية. هذا النوع من الحوارات لم يكن يجري علنا على مدار 30 عاما في ذلك العهد الاستبدادي”.

وأوضحت نجيم أنها شاركت فى الثورة منذ بدايتها، ولم تستطع مشاهدة بلدها تكافح من أجل الحرية والكرامة الإنسانية، وتقف مكتوفة الأيدى، لافتة إلى أن جميع شخصيات الفيلم هى شخصيات قابلتها فى الميدان، وقررت توثيق تجربتهم بكل ما فيها من أمل وإصرار وتحدٍّ. 

صورة لمخرجة الفيلم بعد تكريمها في أحد المهرجانات – المصدر: شبكة الانترنت

يذكر أن فيلم الميدان هو أول فيلم مصري يصل إلى مسابقة “أوسكار”، وهو من ﺇﺧﺮاﺝ: جيهان نجيم (مخرج) وبطولة خالد عبدالله، أحمد حسن الزعبي، مجدى عاشور، رامي عصام، عايدة الكاشف، وبيير سيوفي، وقد عُرض لأول مرة في أكتوبر 2013 في الولايات المتحدة الأمريكية، ولم يعرض إلى الآن في مصر، وقد حصل الفيلم على على جائزة أفضل فيلم وثائقي في مهرجان تورونتو السينمائي، كما حصل على جائزة أفضل فيلم من الرابطة الدولية للأفلام الوثائقية، وتعد هذه هي المرة الأولى التي يصل فيها فيلم وثائقي مصري للمرحلة النهائية في ترشيحات جوائز الأكاديمية الأميركية للفنون والعلوم السينمائية الأوسكار.

كما حصد الفيلم 3 جوائز إيمي، حيث أعلنت هيئة جوائز إيمي في 2014 فوز مخرجة الفيلم جيهان نجيم، بجائزة أفضل إخراج، كما حصل على جائزتي أفضل مونتاج وأفضل تصوير سينمائي.

بطاقة الفيلم:

الاسم: الميدان – The Square

تصنيف العمل: فيلم وثائقي

مدة العرض: 95 دقيقة

تاريخ العرض: 25 أكتوبر 2013

الأبطال: خالد عبدالله، أحمد حسن الزعبي، مجدي عاشور، رامي عصام، عايدة الكاشف، بيير سيوفي

إﻧﺘﺎﺝ: ماسيني فرانكلين (منتج منفذ)، كريم عامر (منتج)، فرجينيا سروماي (منتج)، ياسمين كمال، (منتج) وجيهان نجيم (منتج)

ﺗﺼﻮﻳﺮ: محمد حمدي، كريسيدا تريو، وجيهان نجيم

إخراج: جيهان نجيم

أخيرا، تتيح مجلة حق ومعرفة نسخة من الفيلم للمشاهدة، نظرا لعدم توفره على منصات العرض أو على موقع “يوتيوب”.. ونود الإشارة إلى أن النسخة المتاحة متوسطة الجودة، لكنها تظل أفضل خيار متاح للوصول إلى العمل الممنوع من العرض في مصر.

للمشاهدة اضغط هنا: فيلم الميدان

1 فيلم “الميدان” يرصد ببراعة شديدة المسارات السياسية والمجتمعية التي اتخذتها الثورة المصرية من وجهة نظر المشاركين بها منذ يناير 2011 وحتي نهاية 2013.
2 لا تغفل “نجيم” الربط بين دعوة النزول للتظاهر ضد نظام مبارك في 25 يناير بحادثة مقتل الشاب خالد سعيد على يد الشرطة 
3 بعد التعهد بأن “مفيش رصاصة هتطلع مننا ضدكم” يرصد لنا الفيلم التحول الجذري في موقف المؤسسة العسكرية من الثوار 
4 “خدوا الميدان واعملوا اللي انتوا عايزينه والثورة جايه جايه.. غصب عن أي حد”
5 حصد الفيلم 3 جوائز إيمي منها بجائزة أفضل إخراج وأفضل تصوير سينمائي
6 رغم انتماء مجدي للإخوان إلا أن الثورة جعلته يتمرد على قرارات الجماعة التي يرى أنها خاطئة
7 “أصعب وقت الإنسان كان يعيشه لما ينام. ينام في وسط بيته واهله وعياله ويفتح عينه يلاقي بتوع أمن الدولة حوليه.. في اوضة النوم”

Exit mobile version