يعتقد كثيرون أن حقوق الناخب تقتصر على التصويت في الانتخابات سواء كانت رئاسية أم برلمانية، لكنها في الحقيقة أوسع وأعمق من مجرد الإدلاء بالصوت؛ فهي تبدأ من الحق في المشاركة، وتمر بضمانات الحرية والسرية، ولا تنتهي إلا باحترام إرادة الشعب واختياره في العملية الانتخابية التي يجب أن تتم بنزاهة وشفافية، وفق ما يكفله الدستور والمواثيق الدولية.
ويقر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان – في المادة 21 منه – حق كل فرد في المشاركة في إدارة الشأن العام لبلده مباشرة أو عن طريق ممثلين منتخبين بحرية. كما أن العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية – المادة 25 – يضمن حق كل مواطن في أن يشارك في الشؤون العامة، وأن ينتخب ويُنتخب في انتخابات نزيهة تُجرى دوريًا بالاقتراع السري، بما يكفل التعبير الحر عن إرادة الناخبين.
وتضمن المعايير الدولية للنزاهة تكافؤ الفرص بين المرشحين، الشفافية في إدارة العملية الانتخابية، وعدم التلاعب بإرادة الناخب.
وفيما يلي أبرز ما تضمنه المواثيق الدولية بشأن حقوق الناخب، وينص عليها الدستور والقانون المصري:
الحق في المشاركة السياسية
أولى حقوق الناخب هو الحق في المشاركة السياسية دون أي ممارسات تحول دون تمتعه بهذا الحق، إذ ينص الدستور المصري في المادة 87 على أن “مشاركة المواطن في الحياة العامة واجب وطني، ولكل مواطن حق الانتخاب والترشح وإبداء الرأي في الاستفتاء، وينظم القانون مباشرة هذه الحقوق”.
وبموجب هذه المادة “تلتزم الدولة بإدراج اسم كل مواطن بقاعدة بيانات الناخبين دون طلب منه، متى توافرت فيه شروط الناخب، كما تلتزم بتنقية هذه القاعدة بصورة دورية وفقًا للقانون”. كما “تضمن الدولة سلامة إجراءات الاستفتاءات والانتخابات وحيدتها ونزاهتها، ويحظر استخدام المال العام والمصالح الحكومية والمرافق العامة ودور العبادة ومؤسسات قطاع الأعمال والجمعيات والمؤسسات الأهلية في الأغراض السياسية أو الدعاية الانتخابية”.
ومن أبرز الممارسات التي تُعيق حق الناخب في المشاركة السياسية؛ استبعاد مرشحين معارضين للسلطة بقرارات إدارية أو قضائية مسيَّسة، وتخويف الناخبين من المشاركة عبر الاعتقالات أو الملاحقات الأمنية أو تصوير المعارضين كخطر على “أمن الدولة”، بالإضافة إلى نقل لجان انتخابية بعيدا عن مناطق الناخبين لعرقلة مشاركتهم، والتضييق على المراقبين المحليين والدوليين، وتوزيع رشاوى انتخابية مقابل التصويت أو الامتناع عن التصويت؛ فكل هذه الممارسات تدفع الناس للعزوف عن التصويت ما يحرم الناخب عمليا من المشاركة السياسية ويحرمه من الاختيار الحر رغم أن صناديق الاقتراع موجودة.
الاقتراع السري المباشر
ومن بين حقوق الناخب التي تضمنها المادة 87 من الدستور – سالف الإشارة إليها – وقانون رقم ٤٥ لسنة ٢٠١٤ بتنظيم مباشرة الحقوق السياسية أن يتم التصويت في سرية تامة، دون رقابة أو تدخل.
وهذا يعني أنه إذا طُلب من الناخب أن يُظهر ورقته بعد التصويت أو يُوجّه بشكل مباشر من أحد الموظفين أو الأمن لانتخاب مرشح بعينه انتهاك لحق الناخب في الاقتراع السري المباشر.
ومن بين الانتهاكات الأخرى لهذا الحق التأثير المباشر داخل اللجان، والتصويت الجماعي أو الموجه، وغياب الستائر أو عدم الالتزام بها كأن يتم فتحها عمدا، ما يجعل عملية التصويت مكشوفة، بالإضافة إلى توزيع بطاقات انتخابية مملوءة مسبقا أو إجبار الناخبين (خصوصا من الفئات الفقيرة مقابل رشاوى) على تصوير بطاقة الاقتراع بالموبايل كإثبات لتصويتهم لمرشح بعينه.
ضمان حرية الاختيار والحق في المعرفة
ورغم أن الدستور والقانون المصري لا ينصان صراحة على “حرية الاختيار” أو “الحق في المعرفة”، إلا أنهما يضمنان هذين الحقين ضمنًا من خلال النصوص التي تكفل نزاهة الانتخابات، المنافسة العادلة، وشفافية الإجراءات. وتشكل هذه الضمانات قاعدة أساسية لتمكين الناخب من ممارسة حقه في المعرفة والاختيار الحر.
وفي هذا السياق، تضع الهيئة الوطنية للانتخابات – التي جرى تدشينها إعمالا لنصوص دستور 2014 – القواعد المنظمة لسير الاستفتاءات والانتخابات وإجراءاتها، بما يضمن سلامتها وحيدتها ونزاهتها وشفافيتها. كما تصدر الهيئة القرارات اللازمة لحفظ النظام والأمن داخل اللجان وخارجها أثناء العملية الانتخابية، وفقًا وفقًا لقانون الهيئة الوطنية للانتخابات رقم 198 لسنة 2017.
أخيرا، من خلال استعراض النصوص الدستورية والقانونية والمواثيق الدولية، يتضح أن حقوق الناخب ليست محصورة في التصويت فقط بل تشمل:
- الحق في التسجيل والاختيار الحر.
- الحق في سرية التصويت.
- الحق في المعرفة والاطلاع على برامج المرشحين.
- الحق في أن تُحترم صوته وإرادته.
- الحق في المشاركة الفاعلة دون خوف أو تمييز.
- الحق فى رقابة العملية الانتخابية والطعن على نتائجها.
بهذا المعنى، يصبح الدفاع عن حقوق الناخب دفاعا عن جوهر الديمقراطية نفسها، وعن حق المواطن في أن يكون صوته مسموعا ومؤثرا.

