حق ومعرفة (14).. أدب السجون,, جحيم “تزممارت” وذاكرة التعذيب.. قراءة في عالم “تلك العتمة الباهرة”

تعد رواية “تلك العتمة الباهرة” للطاهر بن جلون أحد أشد تجليات العنف السياسي في منطقتنا العربية، حيث لا يعلو صوت على صوت الديكتاتورية والرأي الواحد. يدخل بنا الكاتب المغربي إلى عالم سجين في سجن تزممارت السري، القائم في منطقة صحراوية معزولة، حيث يعتقل البشر في زنازين فردية ضيقة أشبه بالحفر تحت الأرض، وفي ظلام تام يكاد يكون “مبهِرًا” في قسوته.
سجن تزممارت هو معتقل سياسي سري سابق، كان من بين السجون المغربية الأسوأ سمعة خلال ما سمي بسنوات الرصاص في المغرب، حيث يقع على أطراف الصحراء الشرقية المغربية، انشأ في عام 1973 وأغلق بتاريخ 15 سبتمبر 1991 بعد أن ذاع صيته السيء، سجن فيه 58 من العسكريين الذين شاركوا في المحاولتين الانقلابيتين المعروفتين باسم الصخيرات (1971) ومحاولة انقلاب أوفقير (1972)، ثم بعض معارضي نظام الملك الحسن من أصحاب الرأي من اليساريين والقوميين الصحراويين خصوصا.
أما سنوات الرصاص أو سنوات الجمر فهو مصطلح يشار به إلى فترة بين ستينات وثمانينات إلى بداية تسعينيات القرن العشرين، حيث شهدت تلك الحقبة التاريخية، انتهاكات دأب النظام المغربي وقتها على ممارستها ضد معارضيه من اختفاء قسري وتعذيب واعتقالات دون محاكمة، وذلك في عهد الملك الحسن.

غلاف كتاب “تلك العتمة الباهرة” – المصدر: أرشيف إعلامي
كيف تكون العتمة “باهرة”؟
يبدو عنوان الرواية شديد التناقض إذ غالبا ما يلازم وصف “الباهرة” النور لا العتمة والظلام، فكيف لها
أن تكون “مبهِرة” في حين يستخدم الكاتب هذا التناقض ليعبر عن أن الظلام في تزممارت ليس فقط غيابًا للضوء، بل هو حالة قصوى من القمع التي تنتهك كل شيء بما فيها الجسد، والروح، وحتى معاني مثل العدالة، في المقابل وفي ظل هذه العتمة الكاملة، تعد كل التفاصيل البسيطة مثل لقمة الطعام وشربة الماء أو ذكرى بعيدة قبسا من نور، تجربة للوعي في قلب الظلام حيث تأمل المعنى دون أي محاولة لاكساب هذا الوضع الشديد القسوة أي مسحة رومانسية.
إن الرواية التي اعتمدت على رواية الضابط السابق “عزيز بينبين” وأحد الناجين الثلاثين من تزممارت؛ التقى ببن جلون وأجرى معه حوارًا مطوّلًا، واعتمد على حكايته كنواة للرواية، مع قدر من التخييل الأدبي.
ينتمي الطاهر بن جلون إلى جيل من الكتاب الفرنكوفونيين المغاربة الذين كتبوا بالفرنسية عن واقعهم السياسي والاجتماعي، مع إصرار على تحويل التجربة المحلية إلى سؤال إنساني أوسع، وفي كتابه هذا لا يقدم سيرة ذاتية وثائقية، بل رواية تعيد صياغة التجربة في لغة أدبية مشحونة بالدلالات. بهذه الصياغة، لا يبقى السجين مجرد شاهد على ما وقع له، بل يصبح صوتًا أدبيًا يحمل عن الآخرين أيضًا، عن رفاق الزنزانة وعن الذين لم تتح لهم فرصة الكلام.
” إني أعرف مقدار ما يستطيعه البشر إذا قرروا أن يؤذوا بشرًا آخرين”
تدور الرواية بالكامل تقريبًا داخل قبر ضيق نصفه على الأقل تحت الأرض يسمى الزنزانة في سجن “تزممارت”. عبارة عن غرف إسمنتية خانقة، بلا ضوء تقريبًا، وبقليل من الطعام والهواء، وهناك لا يوجد أثر لمحاكمات ولا تفاصيل الحياة السياسية خارج الجدران؛ كل ما نراه هو اليوميات البطيئة لأجساد تتحلل ببطء، وعقول تحاول ألا تفقد توازنها في ظلام طويل.
الموت هنا ليس حدثًا استثنائيًا، بل احتمال ثابت يقترب مع كل مرض جديد ومع كل شتاء قارس داخل الزنزانة. يسقط بعض السجناء واحدًا تلو الآخر، في حين يواصل السارد مقاومته الداخلية، متشبثًا بما تبقّى له من إيمان وذكريات وقدرة على الكلام.
رغم ضيق المكان، تتسع الرواية من الداخل حيث السجين لا يكتفي بوصف معاناته الجسدية؛ بل يعيد استحضار طفولته، عائلته، أحلامه القديمة، تفاصيل حياته قبل الاعتقال. هذه الارتدادات إلى الماضي ليست مجرد فواصل سردية، بل وسيلة دفاعية: ما دام قادرًا على تذكّر عالم خارج الزنزانة، فإن حياته لم تختزل بالكامل في هذا القبر الإسمنتي. هكذا تصبح الذاكرة شكلًا من أشكال المقاومة، ومحاولة لصون هوية مهددة بالمحو.
المقبورون في أجسادهم والزمن “الباهر”
في قلب النص، يتكرر الصراع بين الجسد والروح. الجسد في هذه الرواية ساحة تعذيب مستمرة: الجوع ينخر العظام، الأمراض الجلدية والتنفسية تتكاثر، أوجاع الظهر والمفاصل تزداد مع ضيق المكان وقلة الحركة، الأسنان تسقط، العيون تموت ببطء في غياب الضوء، وبالتوازي تحاول الأرواح الهائمة أن تظل متماسكة. عبر طرق متعددة منها التمسك بالإيمان فيستعين السجين بما يحفظه من القرآن، أو يشد عضده ولو قليلا بقصص الأنبياء، يحاول قراءة ما يحدث له في ضوء فكرة الابتلاء، أو كنوع من التكفير، أو كاختبار لقدرة الإنسان على الاحتمال. هذا التأويل لا يلغي بشاعة ما يجري، لكنه يمنح صاحبه خيطًا رفيعًا للتماسك.
كالعادة يلعب الزمن دورا مهما في حياة السجن حيث يصبح مأزق غير محدد المعالم فراغ “باهر” بدوره حيث يتوقف خارجيا تقريبًا. لا مواسم حقيقية، لا شروق ولا غروب لا تقويم واضح. الأيام متشابهة إلى حد التلاشي، حتى تصبح الحدود بين الأمس واليوم وغدًا ضبابية. يقيس السجين الزمن بطريقة مختلفة: بعدد الرفاق الذين ماتوا، بعدد المرات التي فُتِح فيها الباب، بعدد الأمراض التي مرّت بالجسد.
فالزمن بالسجن لا يتعدى كونه مقاطع طويلة من التكرار اليومي، من الحركات نفسها، والممارسات نفسها، لتشعر تماما أنك أمام قبر يضم مجموعة من الأحياء المقبورون في أجسادهم بدورهم والمنقطعين عن الحياة في الخارج.
تتميز الرواية بالواقعية رغم العناية الظاهرة بالسرد حيث أنها في جوهرها نص سياسي وحقوقي أيضًا. سجن تزممارت في الكتاب ليس مجرد مكان متخيل، بل رمز لمرحلة كاملة في المغرب تُعرف بـ«سنوات الرصاص»، حيث تعرض المعارضون، أو من اشتُبه في ارتباطهم بمحاولات انقلابية، إلى اعتقالات واختفاءات قسرية وتعذيب طويل.
في سياق أدب السجون العربي، تلتقي «تلك العتمة الباهرة» مع تجارب أخرى تناولت الاعتقال السياسي والتعذيب، لكنها تتميز بالعديد من الأمور منها أن السجن هنا ليس مكانًا لعبور مؤقت، بل إقامة طويلة قد تمتد لسنوات دون أفق. وثانيها أن النص لا يركز على البُعد التنظيمي أو الحزبي للنضال السياسي، بل على النتيجة الجسدية والنفسية المباشرة للعنف من أجساد محطَّمة، أرواح تصارع، ذاكرات تحاول النجاة. وثالثها هذا المزج بين الشهادة والرواية، بحيث لا تضيع الحقيقة الوقائعية، ولا يختنق النص في حدود الوثيقة القانونية.

جانب من سجن “تزممارت” – المصدر : أرشيف إعلامي
الموت البطئ والتكريم بالوصف
ما يبدو تكريما لهؤلاء الضحايا لا يتجاوز الكاتب حيواتهم سريعا بل يسردها كسلسلة من الفواجع الفردية المتراكمة، حيث يروي كيف سقط أحدهم تلو الآخر في هذا القبر المخيف، فمنهم من انهار جسده تحت وطأة الجوع والمرض والبرد والعتمة، حتى مايبدو عارضا عاديا ففي تلك الظروف قد يكون سببا للموت مثل الإمساك الحاد أو الإسهال المتواصل، الالتهابات التي لا تجد دواء، الحمى التي لا تجد بطانية، كلها تتحوّل في فضاء مهمل ومنعزل إلى أحكام إعدام بطيئة. هشاشة الجسد مع سوء التغذية المستمر تجعل أي مرض صغير قادرًا على الانقضاض على السجين وإسقاطه نهائيًا.
أما الأثر الأعمق لكل هذه الوفيات لا يقتصر على من ماتوا فقط، بل يطبع أيضًا حياة من بقوا أحياء. فعزيز السارد لا يمر على موت رفاقه مرورًا عابرًا؛ كل فقدان هو صدمة جديدة، خليط من الحزن والرعب والإحساس الثقيل بالنجاة. مع كل جثة تُسحب من الزنزانة، يتقدم الباقون خطوة أخرى في طابور غير معلن نحو العدم، ويزداد في الوقت نفسه إصرارهم على حفظ ذكرى من رحلوا، كأن حفظ الأسماء والوجوه هو الطريقة الأخيرة لمقاومة محوهم الكامل.
وصف المكان بذاته – السجن – ليس خلفية محايدة، بل شريك كامل في جريمة القتل البطيء؛ الزنازين الفردية أشبه بحفر ضيقة تحت الأرض لا تسمح حتى بالوقوف منتصب الظهر، ما يخلّف آلامًا مزمنة في الظهر والمفاصل ويُضعف الجسد يومًا بعد يوم، والعتمة شبه التامة تدمّر العينين والنفسية معًا، والرطوبة والعفن والهواء الفاسد تصنع بيئة مثالية للأمراض التنفسية والجلدية.

جزء من رواية “تلك العتمة الباهرة” – المصدر: أرشيف إعلامي
بهذه الطريقة، تتحول الهندسة المعمارية للسجن إلى جهاز للقتل الصامت لا يحتاج إلى التعذيب المباشر كي ينجز مهمته، بل يترك الزمن يقوم بالباقي، فكل تفصيل من تفاصيل العفن والظلام ليس مجرد وصف روائي، بل دليل على نظام عقاب يعامل الجسد كشيء يمكن تحطيمه بالكامل من أجل إسكات صوت مخالف أو محو أثر جريمة سياسية لا تريد الدولة الاعتراف بها.

الروائي الطاهر بن جلون – المصدر : أرشيف صحفي
رواية تلك العتمة الباهرة صدرت في أصلها الفرنسي بعنوان Cette aveuglante absence de lumière عن دار Éditions du Seuil في باريس سنة 2001، بعد ذلك تُرجمت الرواية سريعًا إلى عدد من اللغات، من بينها الإنجليزية تحت عنوان This Blinding Absence of Light عام 2002، وهي النسخة التي حصدت «جائزة دبلن العالمية للأدب عام 2004
أما النسخة العربية «تلك العتمة الباهرة» فصدرت عن دار الساقي في بيروت عام 2002 بترجمة الشاعر والناقد اللبناني بسام حجار، ثم أُعيد طبعها مرات لاحقة لدى دار الساقي والمركز الثقافي العربي.

| 1 | سجن تزممارت هو معتقل سياسي سري سابق، كان من بين السجون المغربية الأسوأ سمعة خلال ما سمي بسنوات الرصاص في المغرب، حيث يقع على أطراف الصحراء الشرقية المغربية، انشأ في عام 1973 وأغلق بتاريخ 15 سبتمبر 1991 بعد أن ذاع صيته السيء، سجن فيه 58 من العسكريين الذين شاركوا في المحاولتين الانقلابيتين المعروفتين باسم الصخيرات (1971) ومحاولة انقلاب أوفقير (1972)، ثم بعض معارضي نظام الملك الحسن من أصحاب الرأي من اليساريين والقوميين الصحراويين خصوصا. |
| 2 | ينتمي الطاهر بن جلون إلى جيل من الكتّاب الفرانكفونيين المغاربة الذين كتبوا بالفرنسية عن واقعهم السياسي والاجتماعي، مع إصرار على تحويل التجربة المحلية إلى سؤال إنساني أوسع، وفي كتابه هذا لا يقدم سيرة ذاتية وثائقية، بل رواية تعيد صياغة التجربة في لغة أدبية مشحونة بالدلالات. بهذه الصياغة، لا يبقى السجين مجرد شاهد على ما وقع له، بل يصبح صوتًا أدبيًا يحمل عن الآخرين أيضًا، عن رفاق الزنزانة وعن الذين لم تتح لهم فرصة الكلام. |
| 3 | أما الأثر الأعمق لكل هذه الوفيات لا يقتصر على من ماتوا فقط، بل يطبع أيضًا حياة من بقوا أحياء. فعزيز السارد لا يمر على موت رفاقه مرورًا عابرًا؛ كل فقدان هو صدمة جديدة، خليط من الحزن والرعب والإحساس الثقيل بالنجاة. مع كل جثة تُسحب من الزنزانة، يتقدم الباقون خطوة أخرى في طابور غير معلن نحو العدم، ويزداد في الوقت نفسه إصرارهم على حفظ ذكرى من رحلوا، كأن حفظ الأسماء والوجوه هو الطريقة الأخيرة لمقاومة محوهم الكامل. |
| 4 | وصف المكان بذاته – السجن – ليس خلفية محايدة، بل شريك كامل في جريمة القتل البطيء؛ الزنازين الفردية أشبه بحفر ضيقة تحت الأرض لا تسمح حتى بالوقوف منتصب الظهر، ما يخلّف آلامًا مزمنة في الظهر والمفاصل ويُضعف الجسد يومًا بعد يوم، والعتمة شبه التامة تدمّر العينين والنفسية معًا، والرطوبة والعفن والهواء الفاسد تصنع بيئة مثالية للأمراض التنفسية والجلدية. |




