يواجه المدافعون عن حقوق الإنسان في مصر مخاطر متعددة نتيجة دفاعهم عن الحريات الأساسية وحق المواطنين في التعبير عن آرائهم، ولعل أبرز هذه المخاطر هو التعرض للاعتقال التعسفي والحبس لفترات طويلة بسبب ممارسة حقهم المشروع في الرأي والتعبير.
نسلط الضوء هنا على الكاتب الصحفي سيد صابر، الذي يقبع خلف القضبان منذ نوفمبر 2024 بسبب منشور على موقع التواصل الاجتماعي، وهو مثال واضح على التضييق الذي تتعرض له حرية الصحافة والتعبير في مصر، في انتهاك صريح للمادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، التي تنص على أن “لكلِّ شخص حقُّ التمتُّع بحرِّية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحقُّ حرِّيته في اعتناق الآراء دون مضايقة، وفي التماس الأنباء والأفكار وتلقِّيها ونقلها إلى الآخرين، بأيَّة وسيلة ودونما اعتبار للحدود”. وكذلك المواد 19 و20 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، التي تكفل لكل شخص حق التعبير عن رأيه ونشر المعلومات دون تدخل أو تهديد من الدولة.
اعتقال بسبب منشور!
سيد صابر كاتب صحفي ساخر، حاصل على بكالوريوس العلوم الاجتماعية وبكالوريوس الصحافة والإعلام من جامعة القاهرة، وكتب في عدد من المواقع والإصدارات الصحفية المصرية والعربية، وكان “صابر” أحد الأعضاء البارزين بحملة المرشح الرئاسي أحمد الطنطاوي. وصدرت له عدة مجموعات قصصية منها “غالية”، “بوء بوء”، “مزرعة المكرونة”، و”سوتي والجنرال”، وذلك بالإضافة إلى كتاب “بلاش كلام فارغ” الذي يتناول فيه الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية.

ولم يكن “صابر” يتردد في انتقاد السياسات الاقتصادية التي تمس حياة المواطنين اليومية، فنجده في سبتمبر 2023 عقب إعلان رفع الحد الأدنى للأجور إلى أربعة آلاف جنيه يكتب ساخرًا ومتهكما على غياب الالتزام الفعلي بتطبيق مثل هذا القرار: “رفع الحد الأدنى للأجور لـ4 آلاف جنيه.. ويا ترى ده يلتزم به القطاع الخاص بشكل ملزم؟ كفاية نصب وكذب على الناس بقى. لسه ملايين من المصريين مرتباتهم ما تزيدش عن 2500″، مضيفا: “موسم انتخابات بقى والكلام مافيش عليه جمرك… وبصراحة، أنت بالانتخابات ولا من غير انتخابات عمرك ما صدقت في وعد، على كل المستويات: السياسية والاقتصادية والاجتماعية”.
كذلك لم يتردد في الدفاع عن المعتقلين والمطالبة بوقف الملاحقات التي تطال أصحاب الرأي، فنجده – على الدوام – يستخدم كتاباته الساخرة والجادة لتسليط الضوء على انتهاكات الحريات الأساسي والدعوة لفتح المجال العام واحترام الحق في التعبير، فعند القبض على المرشح الرئاسي أحمد الطنطاوي، كان من أوائل من انتقدوا ذلك فكتب عبر فيسبوك إن “إحالة أحمد طنطاوي للمحاكمة الجنائية في تهم كيدية كاذبة ليست هدفها معاقبة طنطاوي على تجرؤه وترشحه للرئاسة فقط، وإنما منعه من الترشح مستقبلاً بعد إدانته”، مضيفا: “خايفين من الستارة والصندوق”.
وجرى اعتقال “صابر” مساء يوم 27 نوفمبر 2024، حيث ألقت قوات الأمن القبض عليه من منزله وجرى اقتياده إلى جهة غير معلومة قبل عرضه على النيابة، على خلفية منشور كتبه عبر “فيسبوك” ينتقد فيه سياسات أوضاع معينة وهو ما اعتبرته السلطات ذريعة لتوجيه اتهامات تشمل الانضمام لجماعة إرهابية ونشر أخبار كاذبة وإساءة استخدام مواقع التواصل الاجتماعي.
تقول إيمان عوف، عضوة مجلس نقابة الصحفيين مقررة لجنة الحريات بالنقابة، إن الكاتب سيد صابر كان يعمل صحفيا في السابق لكنه توقف عن الكتابة الصحفية واتجه لكتابة الكتب والإصدارات الأدبية بشكل كبير.
لكن رغم ذلك تؤكد عوف أن نقابة الصحفيين تقف دائما في خط الدفاع عن مواجهة وقمع الإبداع أي ما كان نوعه، وهي مع حرية الرأي والتعبير لجميع المواطنين، وبخاصة عندما يكون لهؤلاء المواطنين صلة ما بالصحافة ومهنة الصحافة مثل الكتاب والأدباء وما إلى ذلك.
ايمان عوف، مقررة لجنة الحريات بنقابة الصحفيين – مصدر الصور: صفحتها على “فيسبوك”
مجرد “كلام”
وتضيف مقررة لجنة الحريات بنقابة الصحفيين، أن فكرة الملاحقة للمبدعين نتيجة لكتاباتهم على مواقع التواصل الاجتماعي هو في الحقيقة أمر يؤكد أن هناك أزمة كبيرة جدا في تقبل الرأي الآخر، وإن أي حديث يُقال حول أن سيكون هناك إعادة صياغة للعلاقة ما بين النظام والكتابة وحرية الرأي وإن المجال مفتوحا مرة أخرى لتقبل وجهات النظر الأخرى هو مجرد “كلام” مثل الحبر على الورق، لا قيمة له لأنه في الحقيقة ينعكس على أرض الواقع بصيغة عكسية.
سيد صابر – مصدر الصورة: صفحته على فيسبوك
لذا – وفق عوف – نجد الكاتب سيد صابر تتم ملاحقته بسبب آراءه ودفاعه عن حقوق الإنسان، ونجد أيضا ملاحقات لصحفيين آخرين لم يرتكبوا أي شيء سوى أنهم كشفوا عن قضايا فساد أو لمجرد أنهم عبروا عن آرائهم، التي هي بالأساس سلمية لا تحمل أي دعوة لعنف ولم يقتربوا من العنف؛ فقط يقولون وجهة نظر أو سياسات بديلة أو ينتقدون سياسات قائمة. وهذا يؤكد عكس ما يُقال، ويؤكد افتقار النظام لفكرة الاستماع لوجهة النظر الأخرى أو الرأي الآخر.
نقده كان بناءً
وترى إيمان عوف إن هذا النظام لا يطيق وجهة النظر الأخرى ولا يطيق أن يقول له أحد أنه أخطأ هنا، أو أن السياسات المطبقة غير جيدة.
وتشير إلى أنها تتابع أعمال سيد صابر منذ سنوات عديدة فهو “صديق عزيز جدا”، وترى أن 90% من كتاباته هي كتابات ساخرة؛ يسخر فيها من السياسات المتبعة ومن التشريعات والممارسات المتعلقة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والمدنية، لذا ترى أنها كانت مجرد آراء لشخص يرى بأننا نسير في طريق آخر غير الطريق الذي ينبغي أن نسير فيه، وإن نتائج هذا الطريق هي نتائج سلبية أو انعكاسها على المواطنين اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا انعكاس سلبي وبالتالي نقده كان نقد بناء يطرح خلاله رؤى ووجهات نظر مختلفة لما يتم على أرض الواقع.
نظام غير قادر على تقبل السخرية
سيد صابر – مصدر الصورة: المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية
وتؤكد: “لم أر أبدا أنه دعا للعنف أو حرض عليه، ولم أر في كتاباته الساخرة وحتى كتاباته الجادة أي دعوة للعنف”، لافتة إلى أن “النظام غير قادر حتى على تقبل الكتابة الساخرة”. وتشدد عوف على أن تغييب شخص مثل سيد صابر هو تغييب لصوت مخالف للنظام، وهذا يدل على أن هذا النظام نظام ضعيف وغير قادر على مواجهة الرأي الآخر، وغير قابل إنه يستمع له حتى، وهذا يؤدي إلى سلبيات كثيرة جدا كالوقوع في الأخطاء ولدينا نموذج الانتخابات البرلمانية الأخيرة.
تستطرد موضحة: في الانتخابات “بُح صوت الناس” وهي تتحدث عن قانون تنظيم الانتخابات وإنه من البداية سيؤدي إلى هذا المشهد العبثي الذي خرج رئيس الجمهورية بنفسه وانتقده. فشخص مثل سيد صابر أكيد كان سيتحدث عن النظام الانتخابي إذا كان حرا وسيتحدث عن حالة الفساد الموجودة فيها والمال السياسي وغيره، بحسب عضوة مجلس نقابة الصحفيين.
وتختم عوف حديثها قائلة إن هذا النظام لو لديه قدرة أن يستمع فمن الضروري جدا أن يسمع للأصوات المعارضة والمختلفة ولا يغيبها ولا يعاقبها ولا يقهرها بالشكل الذي تم مع الكاتب سيد صابر.
تدهور الحالة الصحية
ويعاني الكاتب سيد صابر من تدهور شديد في صحته، فقد أجرى عمليتين جراحيتين في القلب ويعاني من أمراض مزمنة، وهو ما يجعل استمرار حبسه في ظروف غير مناسبة انتهاكا واضحا لحقه في الرعاية الصحية وفق ما تٌقر المواثيق الدولية والدستور المصري، وقد نُقل “صابر” في أكثر من مناسبة إلى المركز الطبي بسجن مجمع السجون لإجراء الفحوصات والعلاج.
ووفق المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، أجرى صابر بتاريخ 25 أبريل 2025 عملية جراحية في القلب نقل على إثرها إلى المركز الطبي بمجمع سجون قبل أن يعود إلى محبسه فى سجن العاشر من رمضان.
وعند القبض عليه، أصدرت المفوضية المصرية للحقوق والحريات، بيانا طالبت فيه بالإفراج الفوري عن صابر والتوقف عن ملاحقة الصحفيين والكتاب بسبب التعبير عن آرائهم، مؤكدة أن استمرار حبسهم يمثل انتهاكا واضحا للحقوق الأساسية. وأكدت حملة “أنقذوا حرية الرأي” ضرورة الإفراج عن “صابر” فورا، مشددة على أن أي قيود على حرية الرأي والتعبير يجب أن تكون استثنائية ومبررة قانونيا وليس عقابا على نشر المعلومات أو ممارسة الصحافة.
انتظار مرير
ووفق تقارير صحفية، تحولت حياة أسرة صابر إلى انتظار مرير، يترقبون كل جلسة أملين في الإفراج عنه، لكن الأيام تمضي ثقيلة والأعياد والمناسبات تمر دون وجوده، فيما تظل أمانيه وذكرياته الصغيرة محور حديث الأسرة، وهو خلف القضبان لمجرد ممارسة حقه المشروع في الرأي
أخيرا، يظل سيد صابر مثالًا على الكاتب الذي أمتع قراءه بمقالاته وقصصه الساخرة، والمدافع الصلد عن حقوق الإنسان، لكنه وجد نفسه ضحية لممارسة حقه في التعبير عن الرأي، بينما تستمر المطالبات الحقوقية بالإفراج عنه، لتكون قصته شاهدة على التحديات التي يواجهها المدافعون عن حرية الرأي في مصر.
| 1 | يقبع صابر خلف القضبان منذ نوفمبر 2024 بسبب منشور على موقع التواصل الاجتماعي |
| 2 | كان “صابر” أحد الأعضاء البارزين بحملة المرشح الرئاسي أحمد الطنطاوي |
| 3 | إيمان عوف: سيد صابر تتم ملاحقته بسبب آراءه ودفاعه عن حقوق الإنسان |
| 4 | النظام غير قادر حتى على تقبل الكتابة الساخرة |
| 5 | تغييب شخص مثل سيد صابر يدل على أن هذا النظام نظام ضعيف وغير قادر على مواجهة الرأي الآخر |