المفوضية المصرية للحقوق والحريات

حق ومعرفة (14).. شخصية العدد,, يوسف درويش… حين كانت السياسة فعلًا إنسانيًا

لم يكن الحديث عن العمال في مصر مجرد حديث عن فئة اجتماعية أو مطالب مهنية، بل كان دومًا حديثًا عن الحق في الحياة الكريمة، وعن إنسان وجد نفسه في مواجهة منظومة لا تضمن له أبسط حقوقه. وفي مثل هذه الظروف، لا يصبح الدفاع عن العمال فعلًا سياسيًا بقدر ما هو فعل حقوقي وإنساني، يستند إلى القانون ويستدعي الضمير، ويضع كرامة الإنسان في موقعها الطبيعي بوصفها أصل الحقوق جميعًا.

من هنا يبرز اسم يوسف درويش، لا بوصفه مناضلًا بالمعنى الخطابي أو صاحب شعارات، بل كمحامٍ آمن بأن العدالة لا تُقاس بما يُقال، وإنما بما يقدر القانون على تحقيقه للفئات الأضعف. تعامل درويش مع قضايا العمال باعتبارها قضايا حق لا مطالب فئوية، وربط بين الدفاع القانوني عنهم وبين منظومة أوسع تقوم على احترام الكرامة الإنسانية، وسيادة القانون، والمساءلة.

ولد يوسف درويش في مصر عام 1910، ونشأ في أسرة مصرية تنتمي إلى الطائفة اليهودية “القرائية”، وهي طائفة يهودية قديمة استقرت في مصر منذ قرون، وتقوم معتقداتها على الرجوع إلى النصوص الدينية الأساسية “التوراة” دون الأخذ بالتفسيرات الحاخامية و “التلمود”، وقد عُرف أتباعها تاريخيًا بالاندماج في المجتمع المصري والمشاركة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية. نشأ درويش في هذا المناخ المصري المتعدد دينيًا وثقافيًا، وهو ما أسهم في تكوين وعيه المبكر بقيم المواطنة والانتماء الوطني.

تلقى درويش تعليمه في مصر، ثم التحق بدراسة القانون في فرنسا، وعمل بعد تخرجه محاميًا، وارتبط اسمه بالقضايا العمالية والنقابية والدفاع عن حقوق العمال والفئات الأكثر هشاشة في المجتمع. وفي أواخر أربعينيات القرن العشرين، اعتنق يوسف درويش الإسلام، غير أن هذا التحول الديني لم يكن يومًا عاملًا فارقًا في مساره أو مواقفه، إذ ظل يرى نفسه، كما أحب دائمًا أن يصف ذاته، إنسانًا قبل كل شيء، ومصريًا قبل أي انتماء آخر.

وقد تعرض بسبب نشاطه الحقوقي والسياسي للملاحقة والاعتقال أكثر من مرة، لكنه ظل متمسكًا بدوره القانوني والإنساني حتى نهاية حياته، مؤمنًا بأن الحقوق لا تُجزّأ، وأن الدفاع عن الإنسان لا يتوقف عند حدود الدين أو الأصل أو الهوية.

يظهر هذا الوعي الإنساني والانتماء الوطني بوضوح في كلماته الشخصية التي عُثر عليها ضمن أوراقه الخاصة، والتي وصلت إلينا خلال البحث في سيرته، بعد أن أهداها للمفوضية المصرية المنسق العام لدار الخدمات النقابية كمال عباس، وهي الدار التي ساهم درويش نفسه في تأسيسها. ففي إحدى هذه الأوراق، يؤكد درويش على مصريته قائلًا:

“ترجع أصول عائلة درويش إلى وقت بعيد في مصر، والدليل موجود في وزارة الداخلية، قسم الجوازات والجنسية، في الملف الخاص بتلك العائلة، إذ يتضح في هذا الملف وجود عقد بيع عقار لفرد من عائلة درويش يعود إلى عام 1847. فقد كنت قدّمت هذا العقد أنا وإخوتي عام 1946 إلى قسم الجوازات، للتدليل على أصولنا المصرية، وبناءً عليه حصلنا على شهادة بإثبات جنسيتنا المصرية”

يوسف درويش..الشجاعة “الاستثناء”

لم تكن تجربة يوسف درويش استثنائية لأنها صاخبة، بل لأنها هادئة ومكلفة في آنٍ واحد؛ اختار طريقًا يعرف ثمنه، واستمر فيه دون ادّعاء بطولة، مؤمنًا بأن حماية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية هي جزء لا يتجزأ من منظومة حقوق الإنسان. ومن هذا المسار، تشكّلت ملامح فكر حقوقي سيجد لاحقًا امتداده في العمل الحقوقي المؤسسي في مصر.

“كان يحكي أكثر مواقفه شجاعة كما لو كانت أمرًا عاديًا، دون أن يمنح البطولة لنفسه، أو كمن لا يرى في الشجاعة استثناء”

أحد اوراق يوسف درويش وبداية ظهور اهتماماته بالعدالة الاجتماعية – المصدر أوراق يوسف درويش

بهذه العبارة يضعنا منسق دار الخدمات النقابية كمال عباس مباشرة أمام جوهر يوسف درويش. لم تكن تلك البساطة افتعالًا ولا تواضعًا مقصودًا، بل كانت طريقة نظره إلى الحياة نفسها. كان يرى أن ما فعله لم يكن بطولة، لأن البطولة عنده كانت لحظة عابرة، بينما ما يستحق العناء حقًا هو أن تتحول التجربة إلى معنى، والمعنى إلى فعلٍ مستمر لا يتوقف برحيل صاحبه.

كان درويش يتحدث عن أقسى اللحظات، عن السجن والمنفى والمواجهة، بنبرة هادئة خالية من المرارة، كأن الألم لم يكن ملكًا له وحده، وكأن ما مر به جزء من حكاية أكبر لا يجوز اختزالها في فرد، ناكرا لذاته هكذا رآه عباس، ومن هنا جاء إيمانه العميق بالتنظيم؛ كان يعرف أن الشجاعة الفردية تبهت، وأن الذاكرة تخون، وأن ما يبقى فعلًا هو البناء الجماعي القادر على حماية الفكرة حين يغيب أصحابها.

يحكي كمال عباس أن هذه الروح انعكست في كل تفصيلة من حياة درويش اليومية، في بساطته، في حضوره غير المتكلف، وفي ذلك الاتساق النادر بين ما يقوله وما يفعله. لم يكن يبحث عن أتباع، ولا عن اعتراف، بل عن بشر قادرين على حمل الفكرة، والعمل بصمت، والاستمرار دون انتظار مقابل.

صورة يوسف درويش في شبابه – المصدر : أرشيف صحفي

وحين عاد درويش من المنفى عام 1987 بعد ان ترك البلاد نتيجة اضطهاده خلال عصر السادات، والتقى عباس في إحدى الفعاليات، لم يكن اللقاء لحظة استعراض لماضٍ طويل، بل بداية علاقة إنسانية دافئة. جلس إلى جواره وسأل عنه بالاسم، وحين قال له عباس: “أنا يا أستاذ”، رحّب به وعرف نفسه، وطلب لقاءً خاصًا، لا ليمنح وصايا، بل ليفتح مساحة معرفة وثقة. ومنذ ذلك اليوم، ظل درويش حاضرًا كأستاذ ومرشد وحاضن لتجربة آمن بها بعمق.

ينظر كمال عباس إلى يوسف درويش كنموذج سابقا على عصره وحتى جيله يله بسنوات طويلة، لا على مستوى الموقف السياسي فقط، بل في طريقة التفكير في أدوات النضال نفسها. ففي الوقت الذي كان فيه قطاع واسع من اليسار، خصوصًا في الثمانينيات والتسعينيات، ينظر بريبة شديدة إلى مؤسسات المجتمع المدني، ويشكك في دورها ويعتبرها التفافًا على التنظيم السياسي، كان يوسف درويش يشجع هذه المؤسسات، ويرى فيها بابًا حقيقيًا من أبواب الحل، وأداة يمكن توظيفها لصالح العمال والفئات الأكثر تهميشًا.

ويضيف عباس أن يوسف درويش لم يصل إلى هذا الموقف من موقع تنظير مجرد، بل من خبرة مباشرة. فقد كان معجبًا بتجربة منظمة أوكسفام العريقة، التي رآها نموذجًا لكيف يمكن للعمل المؤسسي أن يساهم بجدية في تحسين الأوضاع الإنسانية والدفاع عن حقوق الإنسان. ومن خلال إحدى العائلات الصديقة التي تبرعت ببيتها لصالح أوكسفام، أتيحت له فرصة الاطلاع عن قرب على هذه التجربة في أوروبا، وشاهد بنفسه كيف تعمل هذه المؤسسات، وكيف يمكن أن تكون جزءًا من معركة العدالة الاجتماعية لا بديلًا عنها.

كمال عباس – المصدر: أرشيف صحفي

ويرى عباس أن يوسف درويش، وعبر دار الخدمات، أعاد إنتاج تجربته المبكرة مع مشروع يوسف المدرج، الذي كانت مهمته الأساسية توعية العمال وتعريفهم بحقوقهم، ولكن في صيغة أكثر نضجًا واتساعًا. وبهذا المعنى، يقول عباس، كان يوسف درويش يؤكد بالفعل لا بالخطاب أن النضال لا ينتهي عند جيل بعينه، بل يتراكم، وينتقل، ويحتاج دائمًا إلى أدوات جديدة.

لم يكن احتضان يوسف درويش لتجربة دار الخدمات النقابية دعمًا عابرًا، بل إيمان بأن الدفاع عن العمال لا يكتمل بالشجاعة وحدها، ولا بالصمود الفردي، بل ببناء تنظيم يحمي الناس، ويمنحهم أدوات الاستمرار. هكذا أعاد درويش، إنتاج تجربته المبكرة مع مشروع يوسف المدرج، التي كانت مهمتها أيضا توعية العمال وتعريفهم بحقوقهم، ليقول بالفعل لا بالكلام إن النضال الحقيقي لا يُقاس بما نتحمله وحدنا، بل بما نتركه للآخرين كي يواصلوا الطريق، وبحسب شهادة عباس فقد قام وبالتعاون مع نبيل الهلالي بالتبرع بمقر الدار الكائن في حلوان، وقد كان الهلالي الأستاذ العظيم بدوره أحد المهتمين ببناء مؤسسة تدافع عن العمال، على شرط أن تكون للجميع أيا كان الأصل أو الاتجاه، كما هو الحال مع درويش.

في منتصف الحديث مع كمال عباس، وقد بدا متحمسًا وهو يستعيد سيرة أستاذه، ذلك الرجل الذي لم يذكره يومًا إلا بكل خير واحترام، توقفت عند أوراق يوسف درويش -غير المكتملة – التي أهدانا إياها، كما سبق وذكرنا. رأينا فيها شيء مختلف؛ أناقة الكلمات، والانتباه الشديد للحرف، وحرص واضح على اللغة والتوثيق بدقة.

وحين أشرت إلى ذلك، ابتسم عباس وكأنه كان ينتظر السؤال، وقال بهدوء واعتزاز إن يوسف درويش كان رجلًا منظمًا إلى أقصى حد، شديد الدقة، يهتم بكل شيء، بما في ذلك اللغة. ثم استعاد من ذاكرته ملف دار الخدمات النقابية الذي قُدِّم إلى فرنسا في أواخر التسعينيات قبيل حصول الدار على جائزة الجمهورية الفرنسية، وكان مكتوبًا بخط يوسف درويش نفسه. لم يكن الملف مجرد أوراق رسمية، بل شهادة على شخصيته الدقيقة و المنضبطة.

في هذا الشأن يتذكر عباس أن المسؤولين عن الجائزة توقّفوا طويلًا أمام لغة الملف الفرنسية، وأشادوا برقيّها ومستواها، حتى إن أحدهم علّق بدهشة صادقة بأن مثل هذا المستوى من اللغة لم يعد موجودًا. ولم يكن هذا الإعجاب مفاجئًا لمن عرف يوسف درويش عن قرب فاللغة عنده لم تكن أداة تواصل فحسب، بل جزءًا أصيلًا من التنظيم، ومن احترام الفكرة، ومن احترام من سيقرأ بعده.

في تلك اللحظة، بدا واضحًا أن دقة يوسف درويش لم تكن تفصيلًا جانبيًا في شخصيته، بل امتدادًا طبيعيًا لإيمانه العميق بأن العمل العام لا يحتمل الفوضى، وأن التنظيم يبدأ من أبسط التفاصيل من الكلمة، هكذا كان يوسف درويش، منضبطًا حتى في لغته، مؤمنًا بأن احترام الحقوق يمر أولًا عبر احترام العقل، وأن ما يُكتب اليوم قد يصبح غدًا جزءًا من ذاكرة لا يجوز الاستهانة بها.

من هذه النقطة تحديدًا، انفتح حديث عباس على ما هو أبعد من التفاصيل الشكلية، وتوقّف عند وضوح مواقف يوسف درويش بوصفه سمة لا تنفصل عن هذه الدقة إذ لم يكن يعرف الالتباس، لا في اللغة ولا في السياسة، وإن مواقفه كانت محسومة، لا يتركها معلّقة ولا قابلة للتأويل، وهو ما جعله محل احترام حتى من المختلفين معه.

ومن هذا الوضوح، استعاد عباس موقف يوسف درويش المناهض للحركة الصهيونية، باعتباره موقفًا مبدئيًا لا لبس فيه. لم يرها يومًا إلا كحركة استعمارية وعنصرية، تتناقض جوهريًا مع كل ما آمن به من قيم العدالة والمساواة وحق الشعوب في تقرير مصيرها. ولم يكن هذا الموقف، كما قال، مجرد خطاب سياسي، بل التزامًا عمليًا امتد إلى حياته الخاصة؛ إذ لم يزر “إسرائيل” أي فرد من أفراد عائلته، وكان ذلك تعبيرًا واعيًا عن رفض قاطع للتطبيع، وعن اتساق نادر بين ما يقال وما يمارس.

شهادة كمال عباس تؤكدها نجلته نولة درويش المؤسسة الرئيسية لمؤسسة المراة الجديدة ، والتي رزق بها من زوجته الثانية إقبال المغربية الأصول والتي كان يوسف بالنسبة لها مثلا أعلى أثر في مشوارها

البيوت التي تفتح للناس، لا تُغلق ذاكرتها أبدًا. وما يُزرع في الطفولة من عدل وكرامة، يظل حيًا مهما طال الزمن.

بهذه الروح يمكن قراءة شهادة نولة درويش عن والدها يوسف درويش؛ شهادة لا تُقدَّم بوصفها سيرة عائلية، بل بوصفها نافذة إنسانية على رجل عاش كما آمن، وترك أثره في بيته كما تركه في المجال العام.

تقول نولة إن علاقتها هي وشقيقها مجاهد بوالدهما كانت علاقة دافئة ومستقرة، يسودها الاحترام والحرص على التواصل الإنساني. لم يكن يوسف درويش يقبل أن ينام أحد في البيت وهو غاضب أو متخاصم، وكان يصر على حل الخلافات قبل النوم. 

غير أن أكثر ما ظل عالقًا في ذاكرتها يعود إلى ما بعد خروجه من السجن عام 1964، عقب قرار حل التنظيمات الشيوعية الذي كان يرفضه، حين رأته، كما رأت كثيرين من رفاقه، منهارًا أحيانًا، يضرب رأسه في الحائط من وطأة القهر والإحباط.

ورقة من أوراق يوسف درويش وأصوله المصرية – المصدر: أوراق يوسف درويش

البيت امتدادًا للنضال

منذ وقت مبكر أدركت نولة أن والدها لم يكن مجرد محامٍ أو مثقف كان البيت مفتوحًا دائمًا للعمال، رجالًا بسطاء صاروا جزءًا من العائلة، وكانت تراهم أقرب إلى أعمام لها. هذا الاحتكاك اليومي أسهم في تشكيل احترامها العميق للحركة العمالية وقدرتها على الفعل والتغيير. وقد تعزز هذا الإيمان لديها لاحقًا مع الدور الذي لعبه العمال المصريون في إسقاط نظام مبارك عبر أشكال من العصيان المدني، رغم ما تلا ذلك من انتكاسات.

نولة درويش، المصدر: الموقع الالكتروني لمؤسسة المرأة الجديدة

وتتذكر نولة أن السنوات الممتدة من عودة يوسف درويش من الغربة عام 1986 وحتى وفاته عام 2006، كانت سنوات انفتاح حقيقي على الأجيال الجديدة. كان يحرص على الالتفاف حول نماذج شابة، يستمع إليهم بإنصات واحترام، ويهتم بآرائهم، مرددًا لها دائمًا أنه سيظل يتعلم حتى آخر يوم في حياته.

هذا الانحياز الصادق للفئات الأضعف انعكس بوضوح على وعي نولة ومواقفها. فعندما حوصرت دار الخدمات النقابية بعد وفاته، ورفعت الدار دعوى قضائية ضد قرار الإغلاق، ذهبت إلى المحكمة فورًا للتضامن، إيمانًا منها بأن التضامن ليس موقفًا رمزيًا، بل فعل ضروري يمنح الناس الشجاعة للاستمرار.

تؤكد نولة أن يوسف درويش كان يمتلك ثقة راسخة في قدرة الطبقة العاملة على إحداث تغيير جذري، عاجلًا أو آجلًا، تغيير يختلف في عمقه وطبيعته عن ذلك الذي يمكن أن تُحدثه طبقات اجتماعية أخرى.

تقف نولة طويلًا عند تجربة الاعتقال والتجريم السياسي، مؤكدة أنها شكّلت وعيها بمعنى الكرامة الذي عاشت متأثرة بها عظيم الأثر. فقد شاهدت والدها أثناء محاكمات عام 1959 وهو ينهي دفاعه عن نفسه بعبارة لي شرف الانتماء للحزب الشيوعي، وهي الكلمات التي قادته إلى حكم بالسجن عشر سنوات أشغال شاقة. كما روت لها والدتها أنه أثناء طفولتها المبكرة، وخلال وجوده في السجن، جرى نقله إلى المحكمة مكبل اليدين باعتباره متهمًا خطيرًا. تجمع الناس حوله متسائلين عن هذا الخطر، فكان يردد بهدوء أنا مناضل مصري، أنا شيوعي. وعندما وقف أمام القاضي مكبلًا، أمر الأخير بفك قيوده فورًا.

ورغم قسوة تلك التجارب، تؤكد نولة أنها لم تشعر يومًا إلا بالفخر لكونها ابنة يوسف درويش. كانت هناك لحظات صعبة، لكنها لم تنل من إيمانها بأن الأفضل سيأتي يومًا ما، إن لم يكن لهذا الجيل، فللأجيال القادمة، في حقها في الأمان والكرامة الإنسانية.

وفي رؤيتها للتغيير، ترى نولة أن الأمر يتطلب نضالًا طويل النفس لتغيير القوانين المجحفة، بالتوازي مع العمل على تطوير الثقافة المجتمعية باتجاه الاعتراف بحق الجميع في حياة كريمة وآمنة. فنتائج النضال لا تأتي سريعًا، بل تحتاج إلى سنوات من العمل المتواصل وتكوين أجيال جديدة تحمل الفكرة وتكمل الطريق.

وتشير نولة إلى أن يوسف درويش لم ينشغل بتوثيق تجربة اليهود المصريين بوصفها قضية منفصلة، لكنه كان مؤمنًا بأهمية تعريف الأجيال بتاريخهم. وفي هذا السياق كتب مقدمة بصفته مترجمًا لكتاب تاريخ يهود النيل، الذي يبرز التنوع داخل الجماعات البشرية، ويفكك فكرة الكتلة الواحدة المتجانسة.

وتختم نولة حديثها بالتأكيد على أن والدها كان مشغولًا قبل كل شيء بالطبقة العاملة وحقوقها، دون تمييز بين يهودي أو مسيحي أو مسلم، وأنه علّمها، كما علّمتها والدتها، مبادئ لا تزال تحملها حتى اليوم مقاومة الظلم، النزاهة، رفض الفساد، عدم التمييز بين البشر، ورفض كل أشكال الاستغلال.

عائلة يوسف درويش الجد و الجدة والابنة والحفيدة – المصدر: أرشيف صحفي 

يوسف درويش كما عرفته

“كان ديمقراطيًا بالفطرة لا يرفع صوته، ولا يفرض رأيًا، لكنه كان يجعل من الاختلاف مساحة للفهم، لا للصدام. لم يكن يؤمن بالديمقراطية كشعار، بل كطريقة حياة”

ترى د. عايدة سيف الدولة أن هذه العبارة لا تلخص فقط ملامح شخصية يوسف درويش، بل تكشف عن جوهر تجربته السياسية والإنسانية معًا فالديمقراطية، كما فهمتها من خلاله، لم تكن مجموعة من الإجراءات أو المواقف النظرية، بل ممارسة يومية تتجسد في طريقة الاستماع، وفي احترام العقول المختلفة، وفي القدرة على إدارة الخلاف دون تحويله إلى معركة كسر إرادات.

وتقول د. عايدة إنها تعرفت إلى يوسف درويش في أواخر الثمانينيات، في لحظة كان فيها اليسار المصري يعيد طرح أسئلته الكبرى حول التنظيم، والجدوى، والعلاقة بالشارع. وكانت قد سمعت عنه كثيرًا قبل لقائها به، في سياق شبه إجماعي يضعه في موقع المناضل النزيه والمثقف العضوي. لكن اللقاء الشخصي، كما تصفه، أزاح الصورة الرمزية، وفتح لها بابًا لفهم أعمق للانسان الذي يصنع السياسة بهدوء، دون ضجيج أو ادعاء بطولات.

وتتوقف د. عايدة طويلًا عند انطباعها الأول عنه، معتبرة أن رقيه الإنساني كان المدخل الحقيقي لفهم مشروعه كله. كان يصغي بتركيز كامل، لا يقاطع، ولا يسعى لإثبات تفوقه المعرفي أو السياسي. هذا الحضور غير المتعالي، في رأيها، لم يكن سلوكًا شخصيًا فقط، بل تعبيرًا عن قناعة عميقة بأن المعرفة تُبنى جماعيًا، وأن السياسة لا تنفصل عن الأخلاق.

وترى د. عايدة أن تعامل يوسف درويش مع الشباب وتلامذته كشف، بوضوح، عن هذا الفهم. لم يكن يرى في الأجيال الجديدة مجرد امتداد تنظيمي، بل شريكًا كامل الأهلية في التفكير والنقد والمراجعة. كل رأي كان يستحق النقاش، وكل اختلاف كان مدخلًا للتعلم المتبادل، مؤكدة أنها لم تشهده يومًا ينزلق إلى شخصنة الخلاف، حتى في أكثر اللحظات السياسية احتدامًا؛ فالخلاف عنده ظل فكريًا، وهو ما منح ممارسته الديمقراطية مصداقيتها الحقيقية.

انحياز يوسف درويش للطبقة العاملة لم يكن موقفًا عاطفيًا أو أخلاقيًا مجردًا، بل نتاج تجربة طويلة داخل الحركة العمالية والنقابية، تشهد بدورها سيف الدولة على ذلك بالقول “كان همه الأساسي تنظيم الناس، واليسار على وجه الخصوص، على أساس الوعي والمشاركة لا الوصاية” وتضيف أن “الاستماع إليه كان، بالنسبة لها، أشبه بقراءة تاريخ حي، يروى من موقع المناضل الذي عاش التجربة، لا من موقع المؤرخ البعيد عنها. ومن هنا، تفهم لماذا كان العمال جمهوره الأوسع، ولماذا ظل الوعي السياسي، في نظره، حجر الزاوية في أي مشروع تحرري”.

وتصف عايدة يوسف درويش بالقائد الذي يمتلك حسًا سياسيًا عاليًا، وقدرة دقيقة على قراءة اللحظة، من دون أن يتحول ذلك إلى سلطة معنوية خانقة. وبعد الحادثة التي أثّرت كثيرًا على حركته، تلاحظ كيف أعاد تعريف الفعل السياسي نفسه؛ فتحوّل بيته إلى مساحة آمنة، ومجال عام مصغّر، يلجأ إليه من يحتاج إلى أن يفكر بصوت عالٍ، أو يبحث عن رأي غير منحاز إلا للحقيقة. وتؤكد أن هذا الدور لم يكن بديلًا عن التنظيم، بل مكملًا له، ومساحة لإعادة إنتاج السياسة بوصفها فعلًا إنسانيًا.

يوسف درويش في مناسبة عمالية – المصدر: أرشيف صحفي

وكان الراحل يوسف درويش تعرض لحادث مروري اختلف الشهود على تأويله فالصحفي وائل عبدالفتاح في مجموعة مقالاته عنه يلمح إلى احتمالية كونها حادث مدبر بينما رواه كمال عباس كحادث مروري عادي، وفي كل الأحوال فقد أثر الحادث على حركته رغم محاولاته للعلاج والانتظام في المشي رغم تقدم عمره آنذاك.

نعود إلى عايدة التي تقف عند علاقته الطويلة بأحمد نبيل الهلالي، معتبرة إياها تجربة رفاقية نادرة، لكنها ترى، من موقعها الشخصي، أن يوسف درويش تميّز بقدر أكبر من الانفتاح والاستعداد الدائم لمراجعة المسلمات. هذا الاستعداد، في تقديرها، هو ما جعله قادرًا على الاستمرار كمرجعية أخلاقية حتى في لحظات انكسار اليسار وتراجعه.

وترى عايدة أن وعي يوسف درويش بأزمة اليسار كان وعيًا جذريًا، لا يكتفي بتشخيص السطح. كان يرى أن انفصال اليسار عن الشارع ليس عرضًا، بل جوهر الأزمة، وأن استعادة الصلة بالناس تمر عبر إعادة الاعتبار لقضاياهم المعيشية، وللغة السياسة نفسها، بعيدًا عن التجريد والانغلاق النخبوي.

تعتقد عايدة أن يوسف درويش كان من القلائل، وربما الوحيد من جيله، الذي حظي باحترام طيف واسع من التيارات اليسارية، وتحول إلى مرجعية أخلاقية وسياسية في آن واحد. وكان موقفه من الصهيونية وقضية فلسطين واضحًا وحازمًا، نابعًا من فهم تحرري شامل، لا من اعتبارات هوية أو خلفية دينية. وتؤكد أنها لم تشعر يومًا بأي التباس في هذا الموقف، بل على العكس، كان مثالًا على وضوح الانحياز.

تختتم عايدة سيف الدولة شهادتها بالقول إنها كثيرًا ما تتمنى لو كان يوسف درويش حاضرًا بيننا اليوم، ليس فقط لما كان يمكن أن يقوله، بل للطريقة التي كان سيفكّر بها معنا. لكنها تعترف، في الوقت نفسه، بأنها تشفق عليه من قسوة اللحظة الراهنة.

 

دكتورة عايدة سيف الدولة – المصدر: أرشيف صحفي

أما أكثر ما تفتقده فيه، كما تقول، هو قدرته النادرة على ألا تنتهي أي مناقشة دون اقتراح، أو دون فتح أفق لاحتمال الفعل، مهما بدا الواقع مغلقًا، وترى أن رحيله ترك فراغًا أخلاقيًا وسياسيًا لم يُملأ حتى الآن، وتلخّص صورته بوصفه الإنسان الشيوعي كما ينبغي أن يكون إنسانًا أولًا، ديمقراطيًا بلا ادّعاء، ومناضلًا بلا ضجيج.

1 ولد يوسف درويش في مصر عام 1910، ونشأ في أسرة مصرية تنتمي إلى الطائفة اليهودية “القرائية”، وهي طائفة يهودية قديمة استقرت في مصر منذ قرون، وتقوم معتقداتها على الرجوع إلى النصوص الدينية الأساسية “التوراة” دون الأخذ بالتفسيرات الحاخامية و “التلمود”
2 ترجع أصول عائلة درويش إلى وقت بعيد في مصر، والدليل موجود في وزارة الداخلية، قسم الجوازات والجنسية، في الملف الخاص بتلك العائلة، إذ يتضح في هذا الملف وجود عقد بيع عقار لفرد من عائلة درويش يعود إلى عام 1847. فقد كنت قدّمت هذا العقد أنا وإخوتي عام 1946 إلى قسم الجوازات، للتدليل على أصولنا المصرية، وبناءً عليه حصلنا على شهادة بإثبات جنسيتنا المصرية
3 منذ وقت مبكر أدركت نولة أن والدها لم يكن مجرد محامٍ أو مثقف كان البيت مفتوحًا دائمًا للعمال، رجالًا بسطاء صاروا جزءًا من العائلة، وكانت تراهم أقرب إلى أعمام لها. هذا الاحتكاك اليومي أسهم في تشكيل احترامها العميق للحركة العمالية وقدرتها على الفعل والتغيير. وقد تعزز هذا الإيمان لديها لاحقًا مع الدور الذي لعبه العمال المصريون في إسقاط نظام مبارك عبر أشكال من العصيان المدني، رغم ما تلا ذلك من انتكاسات.
4 تعتقد عايدة أن يوسف درويش كان من القلائل، وربما الوحيد من جيله، الذي حظي باحترام طيف واسع من التيارات اليسارية، وتحول إلى مرجعية أخلاقية وسياسية في آن واحد. وكان موقفه من الصهيونية وقضية فلسطين واضحًا وحازمًا، نابعًا من فهم تحرري شامل، لا من اعتبارات هوية أو خلفية دينية. وتؤكد أنها لم تشعر يومًا بأي التباس في هذا الموقف، بل على العكس، كان مثالًا على وضوح الانحياز.

Exit mobile version