المفوضية المصرية للحقوق والحريات

حق ومعرفة (14).. ماذا تعرف عن؟ ,, “كلنا خالد سعيد” أثر لن يمحيه زمن

بعد خمسة عشر شتاءا من أكبر حدث هز الوجدان المصري في تاريخه المعاصر، لم يبقَ من ذكرى الخامس والعشرين من يناير سوى ما يخيم على وسط البلد من حضور أمني كثيف، وصفارات تعبر الشوارع، وعربات الداخلية تحتل الميادين التي كانت يومًا منابر للحلم. تتناثر نقاط التفتيش في كل زاوية، وبدلًا من الاحتفال تسود أجواء الخوف والترهيب، كأن الذاكرة نفسها تتعرض للبحث والتمحيص.

وفي خضم هذا المسح المتعمّد للرمز، تحول اسم خالد سعيد، إلى رماد يتطاير مع النسيان؛ يتبدّد في الهواء حتى بات الخوف الحقيقي أن يأتي جيل كامل لا يعرف ملامحه، ولا يسمع صرخته، ولا يدرك أن هذا الاسم كان يومًا شرارة أشعلت ضوءًا حاولوا كثيرًا إطفاءه.

شهادة: 

نحن الذين شهدنا اللحظة، وسمعنا النداء الأول، ما زلنا شهودًا أحياء على ما جرى؛ نحمل الحقيقة في صدورنا كعهـدٍ ضد التلاشي، ونقاوم بها اتساع فجوة الصمت. وما دام هناك من يتذكّر، فلن يكون بإمكان أحد أن يكتب نهاية مختلفة لقصة لم تنته بعد.

صورة لخالد سعيد قبل وبعد التعذيب – المصدر: أرشيف إعلامي

فمن هو خالد سعيد..وذكر

خالد سعيد… فتى يافع من الطبقة المتوسطة يشبه كثيرين. وُلد عام 1982 في الإسكندرية، وعاش فيها وقتل فيها ضربًا على يد أفراد من وزارة الداخلية، التي كانت – وربما لا تزال – مطلقة اليد في التعامل مع عموم الناس، تفعل ما تشاء بلا رقيب. كان قانون الطوارئ آنذاك سكينًا على رقاب الجميع، وهو الوجه القديم لقوانين الإرهاب وبعض مواد قانون الإجراءات الجنائية الجديد.

تشير معظم القرائن إلى أن استهداف خالد لم يكن عشوائيًا، بل يرجح أنه جاء انتقامًا لتسريبه مقطع فيديو يظهر مخالفات داخل قسم الشرطة. وبدلًا من مواجهته بتهمة التسريب، جرى استخدام تهمة حيازة الحشيش كذريعة، في إطار عملية اختطاف محكمة تمت من داخل مقهى الإنترنت، قبل أن ينهوا حياته في مدخل عقار مجاور.

وتتسق هذه الرواية مع شهادات عديدة أكدت أن خالد، المهتم بالتكنولوجيا ومواقع التواصل، كان قد وصلته نسخة من فيديو يظهر فيه فردا الشرطة، وهما يقتسمان حشيشًا سبق ضبطه داخل القسم، وتم تداول المقطع على الإنترنت؛ ما دفعهما لاحقًا إلى محاولة محو الفيديو ومحو صاحبه، حتى لا تتكرر الفضيحة.

وتعزز الشهادات مشهد الهجوم العنيف الذي تعرّض له خالد، حيث قيدت حركته بقوة وسُحب إلى مدخل العقار المجاور للمقهى، وتعرض لضرب وحشي، دون محاولة اقتياده إلى القسم مباشرة، وهو ما يدعم فرضية أن الهدف لم يكن القبض عليه بل الانتقام منه.

صرخ خالد مستغيثًا: “أنا هاموت”، فجاءه الرد من أحدهما: “مش هسيبك غير لما تموت”. وعندما وصلت سيارة الإسعاف لاحقًا، كان وجهه قد تشوّه تمامًا؛ ملامح محطمة في جريمة لا تزال، رغم مرور السنين، تقاوم محاولات الطمس وتعدد الضحايا، وتصارع أن تُمحى من الذاكرة.

حينها اكتفت الداخلية بإصدار بيان متهافت أكدت فيه أن سبب الوفاة كان “اختناقه بلفافة بانجو البلاستيكي حاول ابتلاعها” للتهرب من تفتيشه كما نفت وجود أي أثر للتعذيب أو الإيذاء.

وفي مقابل إنكار الداخلية انتشرت على الإنترنت (وخاصة على فيسبوك) صورتان مروعتان لجثة خالد سعيد التقطتهما أسرته بالهاتف المحمول في المشفى، تظهر أحدهما وجهه مشوهاً ومحطماً، مع كسر في الفك وأسنان مكسورة، كما تظهر الثانية جسده مع آثار تعذيب واضحة.

نفت هذه الصور الرواية الرسمية بشكل قاطع وأشارت إلى أنه تعرض للضرب المبرح والتعذيب حتى الموت.

صفحة “كلنا خالد سعيد”

في الشهور التالية أنشأ الناشط وائل غنيم صفحة على فيسبوك بعنوان “كلنا خالد سعيد”. أصبحت هذه الصفحة منصة رئيسية لكشف تفاصيل القضية، ونشر الصور، وتجميع الغضب الشعبي ضد ممارسات الشرطة والتعذيب النظامي. 

لاحقا تحولت الصفحة إلى ظاهرة جماهيرية ضخمة، وجذبت ملايين المصريين، وكانت أحد الحوافز المهمة التي مهدت طريقًا لثورة 25 يناير 2011. شعار “كلنا خالد سعيد” أصبح رمزًا للوحدة ضد الظلم.

 

الاحتجاجات على مقتل خالد سعيد – المصدر : أرشيف صحفي

المحاكمة:

قامت ثورة يناير عام 2011 في ظل غليان شعبي وفي أعقاب ثورة تونس المجيدة التي كان البوعزيزي رمزا لها، كما كان خالد سعيد النسخة المصرية عنه كما أدت الضغوط الشعبية إلى محاكمة الرجلين المتهمين بقتله.

فى 26 أكتوبر عام 2011، أصدرت المحكمة حكما بالسجن 7 سنوات لكل من عوض سليمان ومحمود صلاح المخبرين بقسم شرطة سيدى جابر، بتهمة تعذيب الشهيد خالد سعيد واستعمال القسوة معه بدون وجه حق، مما أدى لوفاته، واستمرت الجلسات على مدار أكثر من سنة تم خلالها الاستماع إلى شهود الإثبات والنفى وشهادة كبير الأطباء الشرعيين، الذي أكد وفاة خالد بسبب الاختناق لابتلاعه لفافة البانجو.

كما استمعت المحكمة إلى مرافعات الادعاء بالحق المدنى التى طالبت بتغيير القيد والوصف للقضية من استعمال قسوة، وإلقاء القبض بدون وجه حق، وتعذيب وضرب إلى قتل عمد مع سبق الإصرار والترصد، كما تم الاستماع إلى هيئة الدفاع عن المتهمين محمد عوض إسماعيل ومحمود صلاح.

وعلى مدار جلسات المحاكمة شهدت الإسكندرية تظاهرات من جميع القوى السياسية ونشطاء الفيس بوك للتضامن مع خالد سعيد، وقابل هذه الاحتجاجات احتياطات أمنية مشددة من قبل رجال الشرطة قبل الثورة ورجال القوات المسلحة بعدها.

ثم في مارس 2014 أسدلت محكمة جنايات الإسكندرية الستار على قضية مفجر الثورة خالد سعيد، حيث قضت بالسجن لمدة 10 سنوات على المخبرين المتهمين بقتله، وبعد مرور ثلاثة أعوام على القضية.

وفي أواخر عام 2021 حكمت دائرة التعويضات بمحكمة القاهرة الجديدة، بتعويض مالي لصالح أسرة خالد سعيد بقيمة مليون جنيه، على أن تقوم بدفعه وزارة الداخلية، وأمين الشرطة ورقيب الشرطة اللي أدينوا بقتله، تعويضًا عن اﻷضرار اﻷدبية والمادية.

كانت أسرة خالد سعيد رفعت القضية عام  2018 على الطرفين إذ طالبت فيها بتعويض قدره 2 مليون جنيه لوالدة وأشقاء خالد.

لم تكن قضية خالد سعيد مجرد حادثة فردية، بل جسدت الغضب المتراكم لعشرات الآلاف من المصريين الذين عانوا من التعذيب وإساءة معاملة الشرطة وانعدام المحاسبة. كانت شرارة ساعدت في تعبئة الرأي العام وخلق حالة من الرفض الشعبي التي انفجرت بعد سبعة أشهر في ثورة 25 يناير.

1 في خضم هذا المسح المتعمد للرمز، تحول اسم خالد سعيد، إلى رماد يتطاير مع النسيان؛ يتبدّد في الهواء حتى بات الخوف الحقيقي أن يأتي جيل كامل لا يعرف ملامحه، ولا يسمع صرخته، ولا يدرك أن هذا الاسم كان يومًا شرارة أشعلت ضوءًا حاولوا كثيرًا إطفاءه.
2 تشير معظم القرائن إلى أن استهداف خالد لم يكن عشوائيًا، بل يرجح أنه جاء انتقامًا لتسريبه مقطع فيديو يظهر مخالفات داخل قسم الشرطة. وبدلًا من مواجهته بتهمة التسريب، جرى استخدام تهمة حيازة الحشيش كذريعة، في إطار عملية اختطاف محكمة تمت من داخل مقهى الإنترنت، قبل أن ينهوا حياته في مدخل عقار مجاور.
3 فى 26 أكتوبر عام 2011، أصدرت المحكمة حكما بالسجن 7 سنوات لكل من عوض سليمان ومحمود صلاح المخبرين بقسم شرطة سيدى جابر، بتهمة تعذيب الشهيد خالد سعيد واستعمال القسوة معه بدون وجه حق، مما أدى لوفاته، واستمرت الجلسات على مدار أكثر من سنة تم خلالها الاستماع إلى شهود الإثبات والنفى وشهادة كبير الأطباء الشرعيين، الذي أكد وفاة خالد بسبب الاختناق لابتلاعه لفافة البانجو.
4 في أواخر عام 2021 حكمت دائرة التعويضات بمحكمة القاهرة الجديدة، بتعويض مالي لصالح أسرة خالد سعيد بقيمة مليون جنيه، على أن تقوم بدفعه وزارة الداخلية، وأمين الشرطة ورقيب الشرطة اللي أدينوا بقتله، تعويضًا عن اﻷضرار اﻷدبية والمادية.

Exit mobile version