حق ومعرفة (14).. مخرجات نافذة بحثية ,, التلوث الصناعي وانعكاسه على حقوق الإنسان.. دراسة حالة قرية منقباد – محافظة أسيوط
حين يصبح الماء عبئًا.. قراءة جندرية لأزمة تلوث المياه في دلتا النيل

تعلن المفوضية المصرية للحقوق والحريات عن إصدار المخرجات الكاملة لمبادرة نافذة بحثية، وهي مبادرة تهدف إلى إنتاج معرفة حقوقية رصينة تُسهم في فهم أعمق للتحديات التي تواجه الحقوق والحريات في مصر. خلال فترة عملها، قدّمت المبادرة مجموعة من الأوراق البحثية والتحليلات الميدانية التي تجمع بين الدقة والمنهجية، وتعتمد على رصد واقعي وتجارب مباشرة من المجتمعات الأكثر تأثرًا بالانتهاكات. تمثل هذه المخرجات خطوة مهمة نحو تعزيز النقاش العام المبني على الأدلة، ودعم الجهود الرامية إلى حماية الحقوق الأساسية.
وتأتي هذه المخرجات كجزء من التزام المفوضية بتوفير مساحة بحثية مفتوحة تُشجّع الباحثين الشباب والمهتمين بالشأن الحقوقي على إنتاج معرفة مستقلة وموضوعية. تتضمن الإصدارات النهائية للمبادرة دراسات معمّقة، وأدوات تحليل، وتوصيات عملية يمكن البناء عليها في تطوير السياسات والممارسات الداعمة لحقوق الإنسان. وتدعو المفوضية جميع المهتمين للاطلاع على هذه المساهمات والاستفادة منها في تعزيز الوعي، وتوسيع دائرة الفعل الحقوقي، ودعم الجهود المشتركة نحو مجتمع أكثر عدالة وكرامة.
وتم الإعلان عن المبادرة فى مايو من العام الماضي مع التركيز بشكل خاص عن تأثير التلوث على حقوق الإنسان وخصوصا الفئات المستضعفة، وتنافس مجموعة من الباحثين والباحثات في تقديم مقترحات أبحاث كانت جميعها محل اهتمام، وتم اختيار مقترحين للبدء فى العمل عليهم على مدار أكثر من ثلاث اشهر من دعم كامل وإشراف من فريق مبادرة مناخ ويسعدنا ان نستعرض معا ملخصات لمخرجات المبادرة.
البحث الاول
إعداد وكتابة/ عضو برنامج تعزيز ثقافة حقوق الإنسان
التلوث الصناعي وانعكاسه على حقوق الإنسان، دراسة حالة قرية منقباد – محافظة أسيوط

في القرى الريفية في صعيد مصر، لا تناقش البيئة بوصفها مفهومًا مجردًا أو قضية تقنية، بل بوصفها شرطًا أساسيًا للحياة اليومية. فالهواء الذي يُتنفس، والأرض التي تُزرع، والماء الذي يُستخدم في الشرب والري، تمثل عناصر مباشرة للبقاء. وحين تتعرض هذه العناصر للتلوث، لا يكون الضرر بيئيًا فحسب، بل يتحول إلى مساس مباشر بحقوق الإنسان الأساسية، وفي مقدمتها الحق في الصحة، والعيش في بيئة آمنة، والعمل، والغذاء، والسكن الملائم.
من هذا المنطلق، تكتسب دراسة أثر التلوث الصناعي على حقوق الإنسان أهمية خاصة، لا سيما في المناطق المهمشة التي تتقاطع فيها الهشاشة البيئية مع الفقر وضعف الخدمات وغياب المساءلة.
إطار الدراسة ومصدرها
في هذا السياق، صدرت دراسة «التلوث الصناعي وانعكاسه على حقوق الإنسان – دراسة حالة قرية منقباد بمحافظة أسيوط» عام 2025 عن مناخ للدراسات البيئية، ضمن إطار نافذة بحثية. وتأتي هذه الدراسة ضمن مسابقة بحثية دورية تهدف إلى دعم الإنتاج المعرفي في مجال حقوق الإنسان، وإتاحة مساحة للباحثين والباحثات لتناول القضايا الحقوقية من زوايا متعددة، مع التركيز على الربط بين البحث العلمي والواقع الاجتماعي.
وتسعى النافذة البحثية، كما توضحه الدراسة، إلى تشجيع البحوث الأصيلة التي تتناول قضايا الحقوق والحريات، وإبراز دور المعرفة الأكاديمية في تفسير الانتهاكات وتحليلها، بما يتجاوز العرض النظري إلى مساءلة السياسات والواقع العملي.
لماذا منقباد؟ خلفية اختيار الحالة
اختارت الدراسة قرية منقباد بمحافظة أسيوط كنموذج تطبيقي، وهي قرية ريفية يعتمد سكانها في الأساس على النشاط الزراعي كمصدر رئيسي للعيش. غير أن هذا النمط المعيشي تأثر على مدار عقود بوجود مصنع الأسمدة الفوسفاتية التابع للشركة المالية والصناعية المصرية، والذي أُنشئ عام 1978 وتوسع إنتاجه تدريجيًا.
يقع المصنع في نطاق قريب من التجمعات السكنية والأراضي الزراعية، ما جعل القرية عرضة لانبعاثات صناعية مستمرة منذ سنوات طويلة. وتتعامل الدراسة مع منقباد بوصفها حالة كاشفة لتأثيرات التوسع الصناعي غير المنضبط في الريف المصري، حيث تتراكم الأضرار البيئية والصحية والاقتصادية دون حلول جذرية.
المنهجية: قراءة الواقع من زوايا متعددة
اعتمدت الدراسة على منهجية تجمع بين التحليل الكمي والنوعي. فمن ناحية، استندت إلى مراجعة دراسات بيئية وصحية سابقة، وبيانات رسمية صادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، إلى جانب تقارير دولية ذات صلة. ومن ناحية أخرى، اعتمدت على مقابلات مباشرة مع سكان محليين متضررين، إضافة إلى مقابلات أولية مع خبيرة بيئية ومحامٍ متخصص في القضايا البيئية.
وقد التزمت الدراسة بالمعايير الأخلاقية للبحث، من خلال حماية هويات المشاركين واستخدام إفاداتهم لأغراض البحث فقط، في ظل مخاوف واقعية من التعرض للمساءلة أو المضايقة.
النشاط الصناعي ومصادر التلوث
توضح الدراسة أن النشاط الصناعي لمصنع الأسمدة الفوسفاتية يرتبط بإنتاج الأسمدة وحمض الكبريتيك، وهو ما ينتج عنه انبعاثات تشمل ثاني أكسيد الكبريت، والأمونيا، والفلوريدات، والجسيمات الدقيقة المحملة بمعادن ثقيلة مثل الرصاص والكادميوم والزنك.
ومع اتجاهات الرياح السائدة، تنتقل هذه الانبعاثات إلى المناطق السكنية والزراعية المحيطة، لتصبح جزءًا من البيئة اليومية للقرية. وتشير الدراسات البيئية التي اعتمدت عليها الورقة إلى أن مستويات بعض هذه الملوثات تتجاوز الحدود القانونية المسموح بها، ما يعكس وضعًا بيئيًا غير آمن ومستمر.
الصحة كأول المتضررين
ترصد الدراسة انتشار أمراض الجهاز التنفسي المزمنة بين سكان محيط المصنع، مثل الربو الشعبي والتهاب الشعب الهوائية ونوبات ضيق التنفس، إلى جانب حالات تعتمد بشكل دائم على أجهزة الأكسجين. كما تعاني أعداد من الأطفال من حساسية صدرية مزمنة، وتسجل حالات اختناق متكررة تستدعي تدخلًا طبيًا عاجلًا.
ولا تتوقف الآثار الصحية عند الجهاز التنفسي، إذ تشير الدراسة إلى تأثيرات على الجلد والصحة العامة، فضلًا عن آثار خطيرة على الصحة الإنجابية، خاصة بين النساء، تشمل اضطرابات هرمونية وارتفاع معدلات الإجهاض ومشكلات الحمل والخصوبة.
السكن في بيئة غير آمنة
تكشف الدراسة أن التلوث الصناعي انعكس بشكل مباشر على بيئة السكن في قرية منقباد. فالغبار يتراكم داخل المنازل، والتهوية تصبح محدودة بسبب الانبعاثات المستمرة، بينما ترتفع تركيزات الجسيمات الدقيقة داخل المساكن إلى مستويات تفوق المعايير التي حددتها منظمة الصحة العالمية.
وبذلك، يتحول السكن من مساحة يفترض أن توفر الأمان إلى مصدر خطر دائم، بما يشكل انتهاكًا للحق في سكن ملائم وصحي.
الزراعة والعمل: تآكل سبل العيش
اقتصاديًا، توضح الدراسة أن الزراعة، باعتبارها النشاط الأساسي لسكان منقباد، تعرضت لتدهور ملحوظ. فقد أدى تراكم المعادن الثقيلة في التربة إلى تراجع خصوبتها وانخفاض إنتاجية المحاصيل الأساسية، وهو ما انعكس في انخفاض الدخل الزراعي للأسر.
كما سجلت حالات نفوق للحيوانات وتراجع جودة المنتجات الحيوانية، ما دفع بعض المزارعين إلى هجر النشاط الزراعي أو البحث عن مصادر دخل بديلة، في ظل غياب سياسات دعم فعالة أو بدائل اقتصادية مستدامة.
الغذاء بين التلوث وارتفاع التكلفة
ترتبط أزمة الزراعة مباشرة بالحق في الغذاء، إذ يؤدي تلوث التربة إلى انتقال المعادن الثقيلة إلى المحاصيل الزراعية، ما يهدد سلامة الغذاء ويؤدي في بعض الحالات إلى رفض المنتجات في الأسواق. ومع تراجع الإنتاج المحلي، تضطر الأسر إلى الاعتماد المتزايد على الغذاء المستورد، بما يفاقم الأعباء الاقتصادية ويضعف الأمن الغذائي المحلي.
النساء: العبء الأكبر للتلوث
تولي الدراسة اهتمامًا خاصًا بالأثر غير المتكافئ للتلوث الصناعي على النساء الريفيات. فقد أدى تدهور البيئة إلى تراجع الأنشطة الزراعية المنزلية وتربية الطيور والماشية، وهي أنشطة كانت تمثل مصدر دخل واستقلال اقتصادي للنساء. ومع اختفاء هذه الأنشطة، زادت الأعباء المالية على الأسرة، وتراجعت مكانة النساء الاقتصادية.
كما أن النساء أكثر عرضة للآثار الصحية، لا سيما في ما يتعلق بالصحة الإنجابية، في ظل ضعف الوصول إلى الخدمات الصحية وغياب التمثيل في آليات صنع القرار البيئي. وتصف الدراسة هذا الوضع بوصفه تمييزًا تقاطعيًا ناتجًا عن تداخل النوع الاجتماعي مع الفقر والموقع الجغرافي والتعرض البيئي.
الإطار القانوني: نصوص قائمة وتطبيق محدود
تضع الدراسة هذه الوقائع في إطار قانوني وحقوقي، مشيرة إلى أن الدستور المصري وقانون البيئة والاتفاقيات الدولية التي التزمت بها الدولة تكفل الحق في الصحة والبيئة النظيفة والسكن الملائم. إلا أن الواقع يكشف عن فجوة واضحة بين هذه النصوص وبين التطبيق العملي، في ظل ضعف الرقابة البيئية، وصعوبة إثبات الضرر، وطول الإجراءات القضائية، ومحدودية آليات التعويض والإنصاف.
خلاصة العرض
يخلص هذا العرض البحثي إلى أن حالة قرية منقباد تمثل نموذجًا دالًا لانتهاك الحقوق البيئية والإنسانية في الريف المصري، وتوضح كيف يمكن للتلوث الصناعي غير المنضبط أن يتحول إلى عامل يومي يقوض الحقوق الأساسية لسكان يعيشون على هامش التنمية. كما تؤكد الدراسة أن معالجة هذه القضية تتطلب مقاربة حقوقية شاملة، لا تقتصر على الحلول الفنية، بل تمتد إلى المساءلة والإنصاف، خاصة للفئات الأكثر تضررًا، وفي مقدمتها النساء الريفيات.
للاطلاع على الدراسة: tinyurl.com/54txvh7n
| 1 | ترصد الدراسة انتشار أمراض الجهاز التنفسي المزمنة بين سكان محيط المصنع، مثل الربو الشعبي والتهاب الشعب الهوائية ونوبات ضيق التنفس، إلى جانب حالات تعتمد بشكل دائم على أجهزة الأكسجين. كما تعاني أعداد من الأطفال من حساسية صدرية مزمنة، وتسجل حالات اختناق متكررة تستدعي تدخلًا طبيًا عاجلًا. |
| 2 | في القرى الريفية في صعيد مصر، لا تناقش البيئة بوصفها مفهومًا مجردًا أو قضية تقنية، بل بوصفها شرطًا أساسيًا للحياة اليومية. فالهواء الذي يُتنفس، والأرض التي تُزرع، والماء الذي يُستخدم في الشرب والري، تمثل عناصر مباشرة للبقاء |
| 3 | سجلت حالات نفوق للحيوانات وتراجع جودة المنتجات الحيوانية، ما دفع بعض المزارعين إلى هجر النشاط الزراعي أو البحث عن مصادر دخل بديلة، في ظل غياب سياسات دعم فعالة أو بدائل اقتصادية مستدامة. |
| 4 | تضع الدراسة هذه الوقائع في إطار قانوني وحقوقي، مشيرة إلى أن الدستور المصري وقانون البيئة والاتفاقيات الدولية التي التزمت بها الدولة تكفل الحق في الصحة والبيئة النظيفة والسكن الملائم. إلا أن الواقع يكشف عن فجوة واضحة بين هذه النصوص وبين التطبيق العملي، في ظل ضعف الرقابة البيئية، وصعوبة إثبات الضرر، وطول الإجراءات القضائية |
البحث الثاني
إعداد وكتابة/ سمية سليم
عضوة برنامج تعزيز ثقافة حقوق الإنسان
مدافعة عن حقوق الإنسان، ومحامية، وباحثة مصرية مستقلة
حين يصبح الماء عبئًا: قراءة جندرية لأزمة تلوث المياه في دلتا النيل

لا تُطرح أزمة تلوث المياه في دلتا النيل عادةً إلا بوصفها مشكلة بنية تحتية، أو خللًا في شبكات الصرف والمعالجة، أو نتيجة مباشرة للزيادة السكانية والتغير المناخي. غير أن هذا الطرح، على أهميته، يغفل بعدًا أساسيًا من أبعاد الأزمة، يتمثل في الكيفية غير العادلة التي تتوزع بها آثار التلوث داخل المجتمع.
يأتي هذا التقرير بوصفه أحد المخرجات البحثية للنافذة البحثية، للباحثة سمية سليم مستندًا إلى دراسة تحليلية ميدانية سعت إلى الإجابة عن سؤال مركزي:
كيف يؤثر تلوث المياه في دلتا النيل على النساء تحديدًا، ولماذا يتحول هذا الأثر إلى نمط متكرر من الظلم الجندري؟
من التلوث إلى العدالة البيئية
ينطلق البحث من مقاربة العدالة البيئية، التي لا تكتفي بقياس نسب التلوث أو جودة المياه، بل تطرح سؤال “من يتضرر؟ ومن يملك القدرة على الحماية أو الهروب؟”. ووفقًا لهذه المقاربة، لا يُعد التلوث حدثًا محايدًا، بل ظاهرة اجتماعية تتقاطع مع الفقر، والنوع الاجتماعي، والمكان، وتعيد إنتاج عدم المساواة القائمة.
في سياق دلتا النيل، تكشف الدراسة أن النساء يقعن في قلب هذه المعادلة، ليس لأنهن أكثر عرضة بيولوجيًا للتلوث، بل لأن الأدوار الاجتماعية المنوطة بهن – إدارة المياه المنزلية، إعداد الغذاء، رعاية المرضى – تجعلهن خط التماس الأول مع الماء الملوث ونتائجه.
“تأنيث التلوث” وهندسة الإغفال
تقدم الدراسة مفهوم «تأنيث التلوث» لوصف الكيفية التي تتحمل بها النساء العبء الأكبر لأزمة المياه، سواء من حيث الصحة أو الوقت أو الكلفة أو الإقصاء من صنع القرار. ويُفهم هذا التأنيث بوصفه نتاجًا لبنية سياساتية لا ترى النساء كفئة متأثرة بشكل خاص.
وتستخدم الباحثة مفهوم «هندسة الإغفال» للإشارة إلى الفجوة المنظمة بين القوانين والسياسات من جهة، والواقع المعيشي من جهة أخرى. فرغم وجود أطر قانونية متعددة لحماية الموارد المائية والبيئة، إلا أن هذه الأطر نادرًا ما تدمج التحليل الجندري، أو تنتج بيانات تُظهر الأثر المختلف للتلوث على النساء والرجال.
كيف أُنجز هذا البحث؟
اعتمدت الدراسة على منهجية مختلطة جمعت بين تحليل تشريعي وسياساتي للقوانين المنظمة للمياه والبيئة، ومراجعة التزامات مصر الدولية ذات الصلة، خاصة أهداف التنمية المستدامة إلى جانب عمل ميداني نوعي في عدد من محافظات دلتا النيل، شمل مقابلات معمقة مع نساء وأسر متضررة، إلى جانب استبيان إلكتروني.
تُظهر النتائج الميدانية أن النساء هن الأكثر احتكاكًا المباشر بالمياه الملوثة، سواء في الاستخدام اليومي أو في رعاية أفراد الأسرة المرضى. وقد وثّق البحث انتشار أمراض الكلى والكبد والمشكلات الجلدية، إضافة إلى تأثيرات غير مباشرة على الصحة الإنجابية والنفسية.
ولا يقتصر الأثر الصحي على الإصابة بالمرض، بل يمتد إلى عبء الرعاية، حيث تتحمل النساء مسؤولية متابعة العلاج، والتنقل بين المرافق الصحية، والتعامل مع نقص الخدمات، في ظل غياب دعم مؤسسي كافٍ.
فقر الوقت والكلفة الاقتصادية
من النتائج اللافتة في الدراسة ما يمكن وصفه بـ فقر الوقت فمع غياب المياه الآمنة، تضطر النساء إلى قضاء ساعات إضافية يوميًا في جلب المياه، أو البحث عن بدائل، أو إعادة استخدام المياه بطرق مرهقة. ويؤدي هذا الاستنزاف الزمني إلى تقليص فرص العمل، والتعليم، والمشاركة المجتمعية.
كما كشف البحث أن فشل الدولة في توفير مياه آمنة يؤدي عمليًا إلى خصخصة عبء التلوث. فالأسر، وبخاصة النساء، يتحملن تكلفة شراء المياه، أو فلاتر التنقية، أو العلاج الطبي. ومع محدودية الدخل في كثير من قرى الدلتا، تتحول المياه من حق أساسي إلى عبء مالي دائم.
غياب الحوكمة والتغير المناخي كمضاعف للأزمة
رغم أن النساء هن الأكثر تضررًا، إلا أنهن الأقل تمثيلًا في آليات إدارة الموارد المائية. وتُظهر الدراسة أن معظم المشاركات لا يعرفن كيفية تقديم شكاوى رسمية، أو يعتبرنها غير مجدية. كما تغيب الشفافية والمساءلة، ما يعزز الشعور بالعجز وفقدان الثقة في المؤسسات.
لا يمكن فصل تلوث المياه عن التغير المناخي. فزيادة الملوحة، وتراجع جودة المياه، والفيضانات التي شهدتها الدلتا في السنوات الأخيرة، كشفت هشاشة البنية التحتية، وعمّقت الأثر الجندري للأزمة. وفي هذه اللحظات، تتحمل النساء مسؤولية التكيف اليومي، في ظل غياب سياسات حماية اجتماعية فعالة.
من التشخيص إلى السياسات
يؤكد التقرير أن الحلول التقنية وحدها غير كافية، ويدعو إلى تبني مقاربة شاملة للعدالة البيئية الجندرية، تشمل إنتاج بيانات مصنفة حسب النوع الاجتماعي فضلا عن إدماج التحليل الجندري في تقييمات الأثر البيئي.
كذلك ضمان تمثيل النساء في حوكمة المياه وتفعيل آليات التقاضي البيئي وجبر الضرر إلى جانب الاعتراف بالخبرة النسائية المحلية كمصدر معرفة.
ختاما يقدم هذا التقرير، بوصفه مخرجًا بحثيًا، قراءة مختلفة لأزمة المياه في دلتا النيل، قراءة ترى في الماء قضية كرامة وحقوق، لا مجرد مورد طبيعي. ويؤكد أن تحقيق العدالة البيئية يبدأ بالاعتراف بمن يتحملون العبء الأكبر، ووضعهم في قلب السياسات والحلول.
للاطلاع على التقرير: tinyurl.com/4aez7m2y
| 1 | يأتي هذا التقرير بوصفه أحد المخرجات البحثية للنافذة البحثية، للباحثة سمية سليم مستندًا إلى دراسة تحليلية ميدانية سعت إلى الإجابة عن سؤال مركزي:
كيف يؤثر تلوث المياه في دلتا النيل على النساء تحديدًا، ولماذا يتحول هذا الأثر إلى نمط متكرر من الظلم الجندري؟ |
| 2 | تستخدم الباحثة مفهوم «هندسة الإغفال» للإشارة إلى الفجوة المنظمة بين القوانين والسياسات من جهة، والواقع المعيشي من جهة أخرى. فرغم وجود أطر قانونية متعددة لحماية الموارد المائية والبيئة، إلا أن هذه الأطر نادرًا ما تدمج التحليل الجندري، أو تنتج بيانات تُظهر الأثر المختلف للتلوث على النساء والرجال. |
| 3 | ينطلق البحث من مقاربة العدالة البيئية، التي لا تكتفي بقياس نسب التلوث أو جودة المياه، بل تطرح سؤال “من يتضرر؟ ومن يملك القدرة على الحماية أو الهروب؟”. ووفقًا لهذه المقاربة، لا يُعد التلوث حدثًا محايدًا، بل ظاهرة اجتماعية تتقاطع مع الفقر، والنوع الاجتماعي، والمكان، وتعيد إنتاج عدم المساواة القائمة. |
| 4 | رغم أن النساء هن الأكثر تضررًا، إلا أنهن الأقل تمثيلًا في آليات إدارة الموارد المائية. وتُظهر الدراسة أن معظم المشاركات لا يعرفن كيفية تقديم شكاوى رسمية، أو يعتبرنها غير مجدية. كما تغيب الشفافية والمساءلة، ما يعزز الشعور بالعجز وفقدان الثقة في المؤسسات. |




