المفوضية المصرية للحقوق والحريات

حق ومعرفة (14).. مخرجات نافذة بحثية ,,ما الذي يتغيّر فينا حين نعيش بين عالمين؟

في تلك الجلسة المسائية، جلستُ أراقب نساءً لا يشبهنني… لكنّ كلّ واحدةٍ تحمل مدينةً كاملة في صدرها. كنّا مجموعة صغيرة، لكنها تحمل تنوعًا يكفي ليعكس خارطة كاملة من المنافي: دينًا وثقافةً ولغةً وذاكرة. تبادلنا الحكايات، وحاولنا أن نتجاوز ذلك الصمت العالق بين لغتين… لغة البلد الذي احتوانا، ولغتنا الأولى التي تتهجّاها بعضنا كأنها ذكرى بعيدة

لم يكن المشهد استثنائيًا حين نظرتُ حول الطاولة الصغيرة التي جمعت هؤلاء النساء من مدنٍ لا تتقاطع على الخريطة. المشهد—على بساطته—كان عاديًا جدًا في حياة المهاجرات، لكنه عميق بما يكفي ليعيد ترتيب أسئلة الهوية كلها في ذاكرتي. كنّا نجلس في غرفة دافئة، بينما الهواء بالخارج يذكّرنا بأننا في بلدٍ يتحدّث لغة لا تشبه أصواتنا الأولى. لكنّ شيئًا ما في تلك الجلسة جعلني أشعر وكأننا نحاول إعادة تركيب ذواتٍ مبعثرة مثل قطع فسيفساء فقدت بريقها الأول.

جلسة نسائية صامتة، تتشارك فيها النساء ما لا يُقال – صورة بالذكاء الاصطناعي 

لهجات متداخلة، ضحكات متعبة، قصص تبدأ من حاراتٍ بعيدة وتستقر—على استحياء—في شققٍ باردة فوق أطراف مدن لا تحفظ أسماءنا. نساء جئن من أماكن كثيرة، بعضهن يحمل الوطن في حقيبة يدوية، وبعضهن يحملنه كظلّ قديم لا يعرفن كيف يتخلصن من ثقله ولا كيف يعودن إليه.

المثير للدهشة أن هذه الطاولة كانت تمثّل:
الحديثة التي وصلت منذ أسابيع وما زالت تخطو خطوات مرتعشة بين لغتين؛ تحمل وطنها في حقيبة صغيرة وصوتًا مُرتبكًا.
والتي وُلدت هنا وتنتمي إلى هذا المكان بقدر ما ينكر عليها نصفها الآخر، وتتعثر بجذورها كمن يحمل ذكريات ليست له؛
وتلك التي عاشت اكثر من نصف عمرها تجرّ معها ذاكرة ثقيلة تحاول ألا تفقدها.

لغة تتلعثم… وهوية ترتجف

تلك اللغة الأولى—أياً كانت لكلٍ منا—كانت تتلعثم في أفواه بعضنا. الكلمات تنكسر مثل أوانٍ قديمة نجتهد في لصقها، فتنكشف الشروخ، لكننا نتمسّك بها رغم ذلك، لأنها لم تعد مجرد وسيلة تواصل، بل صارت ذاكرة. لغتنا صارت غريبة في أفواهنا، لكنها ما زالت بيتًا نحمله أينما ذهبنا، وصارت علامة وجود، وصار ضياعها يشبه ضياع قطعة من الجسد.

تحدّثت الأمهات عن أبنائهن الصغار الذين يتوقّفون طويلًا قبل أن يشرحوا لجَدّاتهم عبر الهاتف ماذا فعلوا في يومهم —إن استطاعوا فعل ذلك أصلا دون الحاجه الى مساعده في الشرح والترجمة—عن الجدّ الذي لا يفهم حفيده، وعن الطفل الذي لا يجد الكلمات ليقول لجدته إنه يحبها..استمعتُ لهن وقلبي يضيق عن اللغة التي كانت جسراً بين القلوب يوما ما تحوّلت مع الغربة إلى جدار… إلى مسافة.

لقد رأيت أطفال يحملون وطنين على أكتافهم الصغيرة، ولا يجدون لغة واحدة تكفي. أطفال ينتمون لجزئين مختلفين، ولا يكتمل  لهم الانتماء لأيٍّ منهما.  فهناك طفل لا يعرف كيف يترجم شعوره، وطفلة تفهم لغة والديها لكنها لا تستطيع أن تردّ بها، وفتى يُسقط نصف هويته كلما حاول أن يشرح لجده لماذا يعجز عن محادثته.

أم تحاول أن تردم المسافة بين جيلين في لحظة تواصل مع الذاكرة عبر المسافة – صورة بالذكاء الاصطناعي 

كان بإمكاني أن أرى تلك الهوة الصغيرة التي تتسع بين جيلين؛ حيث تصبح  الأم هنا جسرًا وحيدًا بين قلبين لا يلتقيان… تحاول أن تُنقذ الكلمات الضائعة، وأن تُرمّم إحساس أبناءها بأن لهم جذورًا، حتى لو لم يعرفوا كيف ينطقون أسماءها، وأن تجمع فتات الهوية  قبل أن تذروه رياح الاغتراب ، وقبل أن يفقد أطفالها هوياتهم بالاندماج الكامل في المجتمعات التي وجدوا أنفسهم بها.

وما شدني أكثر هو حرص هؤلاء الأمهات على تعليم أبنائهن لغتهن الأولي… لا كواجبٍ دراسي، بل كوصية. كأن كل أم تقول لابنها: “هذه لغتك… لا تتركها تذبل، فهي الشجرة الوحيدة التي تربطك بظلٍّ لم تعد تعرفه”، ” تمسك بما يشبهك … حتى لو لم يفهم العالم صوتك” . وجدت بعضهن يلتحقن بدروس لتعلم وممارسة لغتهن الأولى  كأنهن يحاولن إنقاذ جزء من أنفسهن قبل أن يفقدنه تمامًا.

امرأة على حافة عالمين

في تلك الجلسة رأيت كل واحدة منا تقف بين عالمين:
مدينة تحاول ابتلاعها باسم الاندماج، ووطن فقدته دون وداع.
امرأة تخشى أن تذوب حتى لا يبقى منها سوى ظلّ، بينما تخاف في الوقت نفسه أن تتجمّد في ذاكرة وطن قد لا يعود.

المنفى لا يسرقك دفعة واحدة، بل يفعل ذلك ببطء شديد:
في كلمةٍ تبحثين عنها ولا تجدينها،
في جملةٍ تقولينها بلغة ليست لك،
في لحظة صمت بينك وبين طفلك تشعرين فيها أنكِ لا تنتمين بالكامل لأي مكان.

كنا جميعًا نخطو فوق خيط رفيع: كيف نحافظ على ما كنّا دون أن نُعطّل ما يمكن أن نصبح عليه؟ كيف نكون هنا…. دون أن نمحو هناك؟

المنفي: حين يصبح الكلام ساحة صراع

المنفي يفعل شيئًا غريبًا في الروح، يجعل اللغة أكثر من كلمات.
يجعلها تصبح جلدًا ثانيًا نحاول أن نلبسه دون أن نمزّق جلدنا الأول.
ويجعل فقدان اللغة فقدانًا للذاكرة، واكتساب لغة أخرى يشبه طلاءً جديدًا على جدارٍ يتشقّق من الداخل.

لقد وجدت أن المرأة في المنفى تعرف هذا الشعور جيدًا. تعرف كيف يصبح الكلام نفسه اختبارًا يوميًا:
هل أنا قادرة على التعبير عن نفسي؟
هل أستطيع أن أشرح حزني أو خوفي أو حتي ألمي بلغتين… ولا تنكسر روحي بينهما؟
هل يمكن لامرأة أن تبني حياة كاملة فوق أرض لا تعرف صوتها الداخلي بعد؟

القلق الذي يجمعنا

في تلك الليلة أدركتُ أن ما جمعنا لم يكن اللغة وحدها.
ولا الغربة وحدها.
ولا الأمومة وحدها.

ما جمعنا كان ذلك القلق العميق المشترك الذي تسكنه كل امرأة تعيش بين وطنين:
الخوف من أن نفقد أنفسنا في الطريق بين عالمين،
والخوف الأكبر من أن يفقد أبناؤنا القدرة على معرفة من هم و تسمية ما يشعرون به… لأن الكلمات التي تشبههم ضاعت منا قبل أن نُسلمها لهم.

حفظ ما لا يجب أن يضيع

رأيت في هذه الجلسة كل امرأة حول تلك الطاولة كانت تحاول إنقاذ شيءٍ ما:
جذورًا، ذكرى، رائحة بيتٍ قديم، معنى لكلمة “بيت”، أو حتى كلمة واحدة لا تريد لها أن تختفي.

وأنا مثلهن تمامًا… أقف في لغتي كما أقف في حياتي:
قديمة بما يكفي لأعرف من كنت،
وغريبة بما يكفي لأتساءل من سأكون.

في تلك الجلسة، أيقنت اننا لسنا فقط نساء نكافح للحفاظ على لغاتٍ تتآكل، أو ذكرياتٍ نخشي اندثارها. نحن نساء نحمل على أكتافنا مهمّة غير معلَنة: حماية ما تبقّى من جذور لا نريد لها أن تنقطع، وترميم المساحات الصغيرة التي تمنح أبناءنا شعورًا بأن لهم تاريخًا لم يبدأ هنا.

نحن نبني بصمتٍ وصبر، جسورًا لا تراها المدن التي نعيش فيها.
نصلح الشقوق التي تتركها الحياة بين عالمين،
ونعلّم أبناءنا—بطريقتنا الخفية—كيف يقفون على هذه الأرض بثبات دون أن يخونوا الأرض التي أتوا منها.

واكتشفت في تلك الجلسة ، أن ما نحاول إنقاذه ليس الكلمات فقط، بل أنفسنا ذاتها.
نحن لا نسعى إلى حفظ الذاكرة فقط، بل القدرة على الشعور بأن لنا مكانًا وتاريخا، مهما ابتعدت الجغرافيا، ومهما تغيّرت الأصوات حولنا.


نساء وأطفال يقفون في مساحة معلّقة، حيث يتقاطع الانتظار مع الخوف – صورة بالذكاء الاصطناعي 

وأدركت  في تلك اللحظة شيئًا آخر: اللغة هنا ليست مجرد أصوات. اللغة ذاكرة، ومقاومة، وإصرار على ألّا نُدفن ونحن أحياء. اللغة دليل أننا مررنا من هنا، وأن هناك وطنًا يقف خلفنا مهما ابتعد.

في تلك الليلة، شعرت أنّ كل امرأة حولي كانت تحاول إنقاذ ما تبقّى منها… لا بالحنين فقط، بل بالبذل. بالجهد. بالإصرار على أن تبقى لغتها الأم في بيوتٍ تطفئها الثلوج، وفي قلوبٍ تربّت على لغات لا تشبهنا.

نحن نساء نُعيد تعريف الانتماء… خطوةً خطوة،
ونُمسك، بكل ما أوتينا من قوة وحنان، بما لا يجب أن يضيع منّا، ولا من الذين يأتون بعدنا.

Exit mobile version