حق ومعرفة (14).. مقال رأي,, أصوات لا تلتقي “الثورة التي لم نحسن الاستماع لها”
أحمد عبدالفتاح/ مدافع عن حقوق الإنسان

مع كل ذكرى للثورة، يعود السؤال القديم بطريقة جديدة: لماذا يبدو اننا لا نزال نقف عند النقطة نفسها، رغم مرور الزمن، ورغم تغير الظروف؟ كأن الحدث الكبير الذي فتح باب المستقبل ظل معلقا في منتصف الطريق، لا هو استقر في الذاكرة، ولا هو تحول الي درس نتعلمه لنمضي به الى الامام. ومع الوقت، صار من الضروري أن نعيد النظر في التجربة، لا بهدف تكرار سردها، بل بهدف فهم ما الذي أعاق قدرتنا على تحويل اللحظة الي مسار.
كلام كثير، واستماع أقل
من بين كل الأسباب التي قيلت وتحليلات قدمت، يبقى هناك خيط دقيق يتكرر في كل مرة نعيد فيها فتح الملف:
لم نكن قادرين على الاستماع لبعضنا البعض. قد تبدو الجملة بسيطة، لكنها في الحقيقة مفتاح كبير لفهم ما حدث. فعندما نتأمل الثورة من بعيد، نلاحظ أن الازدحام الهائل في الميدان كان يخفي عزلة داخلية. كل مجموعة كانت تحضر بجسدها، لكن بعقل متمركز حول رؤيته وحدها، لا حول المساحة المشتركة. كأننا كنا نقف في المكان ذاته، لكننا نعيش قصصا مختلفة لا تسمع بعضها.

صورة عبر الذكاء الاصطناعي
ميدان واحد وأحلام متباعدة
وتظهر هذه الفكرة بوضوح في تفاصيل كثيرة من تلك الأيام. مجموعات تهتف حلمها الخاص، وأخرى تهتف لنقيضه في اللحظة نفسها. خطب تقطع قبل أن تفهم، نقاشات تنتهي قبل أن تبدأ لأن كل طرف دخل الحوار وهو مقتنع بان الاخر غير مدرك للمشهد. حتى الخوف الذي جمع الناس كان يعاش بطريقة مختلفة. كل مجموعة تخشي ما تخشاه وحدها، وتثق في من تثق فيه وحدها، و ترى المستقبل من زاوية واحدة، كأنها الزاوية الوحيدة الممكنة.

صورة ل ميدان التحرير أثناء ثورة يناير 2011 – المصدر: أرشيف الكتروني عبر الانترنت
منذ لحظة الثورة إلى أن أصبح نمط دائم
مع مرور السنوات، بدا واضحا ان هذه المشكلة ليست حادثا عابرا، بل جزء من طريقة تشكيل علاقتنا ببعض. فاليوم، رغم الضغوط الكبيرة التي يمر بها المجتمع، مازال المشهد يتكرر بصورة اخرى. كل فريق يتحرك في مساحته الضيقة، يشتبك مع قضاياه فقط، ويعلن موقفه داخل دائرة يسمع فيها صدي صوته أكثر مما يسمع أصوات الآخرين. وحتى الانتقادات التي توجه للنظام الحالي غالبا ما تقال من مواقع متباعدة. بلا تواصل، بلا جهد مشترك، وبلا محاولة لبناء ارضية تضم المختلفين.
حتي الظلم لم يجمعنا
وتبدو هذه المفارقة مؤلمة: الظلم الذي كان مفترض ان يدفع الناس للتقارب، جعل كل مجموعة اكثر انغلاقا على نفسها. منصات التواصل بدت بديلا حديثا للميدان، لكنها كررت المشكلة ذاتها بطريقة اعلى صوتا. اختلافات بسيطة تتحول إلى عداوات، محادثات تتفكك عند أول جملة حادة، وكل قارئ يتعامل كأن رأية مركز الثقل. اصبحنا اسرع في الرد، وابطأ في الفهم. اسرع في الدفاع، وأقل استعدادا لان نستمع لحظة واحدة قبل ان نحكم.
غياب المعنى المشترك
وعلى مستوى أعمق، يشير هذا الواقع إلى مشكلة أكبر من السياسة: مشكلة في كيفية إنتاج معنى مشترك داخل المجتمع. فالاستماع ليست مهارة اجتماعية فقط بل شرط أساسي لبناء رؤية جماعية. من دون الإصغاء يصبح المستقبل موزعا بين مجموعات صغيرة لا ترى بعضها، وكل مجموعة تتخيل وطنا يخصها وحدها. وهكذا يتغير معنى الانتماء نفسه، من انتماء إلى بلد واسع، إلي انتماء إلى زاوية من زوايا البلد.
السؤال الذي لم نجب عنه بعد
وفي ذكرى الثورة، ربما يكون هذا السؤال الذي يستحق أن نتوقف عنده: هل تعلمنا أن نصغي؟ هل أصبحنا قادرين على ان نسمع المختلف قبل ان نصدر حكما؟ هل يمكن أن نجد في أصوات الآخرين ما قد يساعدنا على رؤية ما فاتنا؟ الجواب ربما ليس سهلا، وربما لا يزال بعيدا، لكنه سؤال ضروري اذا اردنا ان نخرج من الدائرة التي دارت حول نفسها سنوات طويلة.
الطريق الذي لم نجربه
في نهاية الأمر، قد يكون أهم ما تكشفه الثورة بما تحملة من امل وبما انتهت إليه من انقسام أن الصوت وحده لا يصنع مستقبلا. وان الهتاف، مهما كان مخلصا، يحتاج إلى اذن مستعدة لأن تصغي. وربما يكون الطريق الذي لم نجربه بعد، هو الطريق الذي نحتاجه الآن: ان نعيد بناء القدرة علي الاستماع، لأن بلدا لا يسمع بعضه سيظل منشغلا بصوته لا بمستقبله. أما بلد يتعلم الإصغاء، فربما يجد الطريق الذي تعثر فيه من قبل.




