Site icon المفوضية المصرية للحقوق والحريات

حق ومعرفة (14).. مقال رأي ,, الضمير الذي لا يُطفأ بقلم رشا قنديل

لم تعد قضية سجناء الرأي في مصر شأناً حقوقياً يُناقش فيهوامش التقارير أو يُستخدم كورقة في لحظات المساومة السياسية، بل أصبحت مرآة صادقة تكشف طبيعة الحكم وحدودالشرعية التي يستند إليها، وصارت المفتاح الحقيقي لفهم كيفيُدار المجال العام في دولة تُشيِّد السجون أسرع مما تُشيِّدالمؤسسات، وتتعامل مع الكلمة باعتبارها تهديداً، ومع المواطن بوصفه مشروع اتهام قبل أن يكون صاحب حق. وأكتب هنا،بصفتي صحفية مصرية وأستاذة في دراسات الحرب والإعلام،وبصفتي عضواً مؤسساً في لجنة الدفاع عن سجناء الرأي، لأن اللحظة تجاوزت حدود التحليل إلى واجب الشهادة، ولأن السكوت لم يعد ضمانة حياد ،بل مشاركة في إدامة الظلم.

فالحبس الاحتياطي في صورته الراهنة ليس مجرد انحراف في تطبيق القانون، بل هو تحوّل بنيوي في وظيفة الدولة نفسها، من دولة يفترض أن تحمي الحقوق إلى دولة تستخدم القانون كستارلإخفاء القمع. لم يعد هذا الحبس إجراءً احترازياً كما تصفه النصوص، بل صار عقوبة مستقلة بذاتها تُطبّق قبل أي اتهام حقيقي، وتمتد لشهور وربما سنوات دون محاكمة. إن عشرات الآلاف من المصريين مرّوا أو يمرون بهذه التجربة القاسية: تجديدات آلية لا تناقش الدليل ولا تمتحن مبررات الضرورة،وقرارات تُصدر وكأن الإنسان مجرد رقم في ملف، وتُهم محفوظةتُنسخ حرفياً من قضية إلى أخرى، إلى حدّ يبدو معه أن النيابةأصبحت تُدين قبل أن تتحقق، وأن العدالة أصبحت استكمالاًلإجراءات شكلية لا تمسّ جوهر المسألة. لا يمكن لدولة تحترم نفسها أن تسمح بأن يصبح الحبس الاحتياطي—وهو استثناء في كل نظم القانون—بديلاً عن الحكم، وبديلاً عن التحقيق،وبديلاً عن العدالة.

ويزداد المشهد قتامة حين نصل إلى الإخفاء القسري، ذلك الفعلالذي لا يمكن وصفه إلا بأنه انتزاع قسري لإنسان من الوجود. أسرٌ تبحث عن أبنائها في المستشفيات وأقسام الشرطة، وتسألفي النيابات فلا تجد جواباً، ثم تسمع العبارة التي تكرر نفسهابلا توقف: «لا نعلم عنه شيئاً». أي دولة يمكن أن تتذرع بعدمالمعرفة وهي التي لا تتحرك فيها ورقة إلا بإذنها؟ أي نظاميستطيع أن يبرر غياب مواطن لأيام أو أسابيع دون أثر؟ ثم كيفيمكن تفسير ظهور المختفي فجأة في نيابة أمن الدولة متعباً،مُنهكاً، محاطاً باتهامات لم يعرف عنها شيئاً قبل لحظة مثوله؟هذا النمط أصبح مألوفاً بين الأسر التي تواصلت مع اللجنةالشعبية للدفاع عن سجناء الرأي خلال الأشهر الماضية. أمهاتتنتظرن خبراً، آباء يطوفون المدن بحثاً عن أثر، وزوجات يقتسمنالليل بين الخوف والأمل. إن الدولة التي تسمح لنفسها بإخفاءمواطنيها تُعلن عملياً أنها فوق القانون وفوق المساءلة، وأنالضمانات الدستورية لا قيمة لها حين تقف في وجه الأجهزةالأمنية.

أما تجريم الرأي والنشر، فهو الوجه المكشوف للسياسة نفسها. ففي بلد يُفترض أنه يحمي حرية الفكر وفقاً للدستور، تُفتحعشرات القضايا شهرياً ضد مواطنين بسبب منشور أو تعليق أوجملة قيلت في لحظة غضب. الصحفي يُستدعى لأنه نشرمعلومة تُزعج جهة ما، الباحث يُتهم بالإرهاب لأنه كتب دراسة،الشاب يُسجن لأنه كتب جملة ساخرة، الفنان تُصادر أعماله لأنهالا تلائم الذائقة الرسمية. وحين تصبح الكلمة جريمة محتملة،يتحول المجال العام إلى مساحة خانقة لا تتسع لنقاش جاد ولالحوار صادق. ما يجري اليوم ليس نزاعاً بين دولة وصحافة، بلنزاع بين سلطة تحاول احتكار الحقيقة، ومجتمع ما زال فيه منيصر على قولها. إن تجريم التعبير يعني عملياً تجريم التفكير،وتجريم التفكير يعني تجريم الوجود ذاته.

كل هذا يحدث بينما تتحدث الدولة عن “الحوار الوطني” و“لجانالعفو”. لكن الحوارات التي لا تُخرج مظلوماً من سجنه تصبحواجهة علاقات عامة، واللجان التي تُنشأ ثم تُعطل، ثم تُفعّلإعلامياً، ثم تتوقف عملياً، لا يمكن أن تُبنى عليها ثقة. الإفراجاتالمحدودة التي حدثت كانت في جوهرها مبادرات شكلية، والدليلهو استمرار القبض بوتيرة أسرع، واستمرار تدوير المحتجزينعلى قضايا جديدة بعد إخلاء سبيلهم. كيف يمكن أن يُصدَّق أيحديث عن نية إنهاء هذا الملف بينما أعداد المحبوسين تتسعوالمجال العام يضيق؟ وكيف يمكن لمواطن أن يثق في مسار رسميلا يحمي من التدوير، ولا يوقف التعسف، ولا يعالج جذور الأزمة؟

ومن هذا الفراغ فإن لجنة الدفاع عن سجناء الرأي أُسست لا لتكون بديلاًعن الدولة، ولا لتكون طرفاً سياسياً في معركة، بل لتكون ضميراً واضحاً حين التبست الأصوات، ولتقول للمجتمع ما يجب أن يقالللدولة ولا يُقال: إن الحرية حق، وإن السجن بسبب رأي جريمة،وإن حماية المواطنين واجب لا فضل. اجتمعنا—أحزاباً ونقابيينوصحفيين وشخصيات عامة وحقوقيين وأهالي سجناء—علىقاعدة قانونية صلبة: أن الدستور نفسه يضمن حرية التعبير، وأنما يجري ليس ممارسة قانونية بل خروجاً على الدستور. البيانالتأسيسي للجنة كان، في جوهره، وثيقة تحذير: تحذير مناستمرار الحبس الاحتياطي باعتباره عقوبة لا يحدّها قانون،وتحذير من استخدام تهم الإرهاب كغطاء لتجريم المشاركةالسياسية، وتحذير من أن استمرار هذا النهج سيقود إلى مزيدمن الاحتقان، وأن السلم الأهلي لا يمكن أن يُبنى وهناك آلافالأسر تعيش على أمل زيارة أو اتصال أو خبر عن غائب.

تتلقى اللجنة البلاغات، ترصد الانتهاكات، تقدّم دعماً قانونياً لمنيُحرمون من الدفاع، توثق ظروف الاحتجاز، تُصدر تقارير دورية،وتضع الحقيقة أمام المجتمع دون تزويق أو مساومة. وهي تعملبجهود تطوعية لأن الاستقلال ليس خياراً بل شرطاً: الضمير لايعمل بأجر، والعدالة لا تُهندس من فوق، والحقوق لا تُستعاد إلامن خلال عمل حر غير تابع.

ولطالما قلت، من موقعي في اللجنة، إن الدفاع عن سجناء الرأيليس دفاعاً عن أفراد بل عن المبدأ الذي يقوم عليه الوطن. فحينيسجن صحفي لأنه كتب، يسجن معه حق المجتمع في المعرفة. حين يختفي باحث، يختفي معه العقل الذي يحتاجه الوطن لفهمنفسه. حين يحبس طالب بسبب رأي، تُحبس معه طاقة المستقبلالتي كان يمكن أن تكون قوة لا عبئاً. إن الدولة التي تخاف منالكلمة دولة تخاف من نفسها، والدولة التي تُسكت الأصواتتُسكت قدرتها على الإصلاح. لقد علمتنا تجارب التاريخ أنالسجون لا تطفئ الأفكار، بل تقويها، وأن الظلم لا يخلقالاستقرار، بل يصنع هشاشة تتشقق عند أول تحدٍ.

ولذلك، فإن المعركة اليوم ليست معركة سجناء الرأي وحدهم، بلمعركة مصر كلها. هل تريد مصر دولة يحكمها القانون أم دولةيحكمها الخوف؟ هل تريد مجتمعاً يشارك في صنع مصيره أممجتمعاً يُحاصر في صمته؟ هل تريد نظاماً قوياً بثقة مواطنيه أمنظاماً ضعيفاً يحتاج إلى السجن ليُسمع صوته؟ هذه الأسئلةليست سياسية بل وجودية. إن مستقبل هذا البلد لن يُبنى بينماأبناؤه خلف الأسوار، ولن ينهض بينما الكلمة تُحاكم، ولن يستقربينما الرأي يُجرّم.

ومن هنا أكتب شهادتي: الضمير لا يُسجن، والكلمة لا تُطفأ،والإنسان لا يُختزل إلى ملف. وإن بقي في هذا البلد صوت واحديرفض الظلم، فلن يبقى المصريون سجناء في وطنهم. لأن الحريةلا تُستجدى بل تُمارس، ولا تُمنح بل تُنتزع، ولا تُطفأ بل تُكتب… كما تُكتب هذه المرافعة الآن.

Exit mobile version