في إطار سعيها المستمر لرفع المظالم عن الناس من أجل وطن يحترم كرامة مواطنيه، خاضت المفوضية المصرية للحقوق والحريات – على مدار سنوات – جهدا قانونيا وحقوقيا متواصلا من أجل تمكين الناشط المحبوس عقبة حشاد من حقه في الحصول على طرف صناعي ملائم لإعاقته المستدامة، وذلك بعد حرمانه منه لفترة طويلة داخل محبسه رغم معاناته الصحية الواضحة.
واستندت هذه الجهود إلى ما يكفله العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية – الموقعة عليها مصر – في المادة (12) من “حق كل إنسان في التمتع بأعلى مستوى ممكن من الصحة البدنية والعقلية يمكن بلوغه”. وتلزم ذات المادة الدولى بـ”تهيئة ظروف من شأنها تأمين الخدمات الطبية والعناية الطبية للجميع في حالة المرض”.
كما تؤكد القواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء (قواعد نيلسون مانديلا) على حق السجناء في الحصول على الرعاية الصحية اللازمة دون تمييز، حيث تنص المادة 23 منها على ضرورة “اتخاذ جميع التدابير الضرورية لعلاجه”. وتشدد المادة 62 من قواعد نيلسون مانديلا على الخدمات الطبية في مؤسسة السجن أن تحاول رصد أي علل أو أمراض جسدية أو عقلية لدى السجين، وأن تعالجها حتى لا تكون عقبة دون إعادة تأهيله. ويجب، على هذا الهدف، أن توفر للسجين جميع الخدمات الطبية والجراحية والنفسانية الضرورية.
كذلك استندت تلك الجهود إلى التزامات قانونية ودستورية واضحة، إذ تنص المادة (18) من الدستور المصري على أن “لكل مواطن الحق في الصحة وفي الرعاية الصحية المتكاملة وفقًا لمعايير الجودة”. وتُلزم – المادة ذاتها – الدولة بتوفير خدمات الصحة لكل مواطن دون تمييز، وتجرم الامتناع عن تقديم العلاج بأشكاله المختلفة لكل إنسان في حالات الطوارئ أو الخطر على الحياة. كما تنص المادة (56) من الدستور على أن “السجن دار إصلاح وتأهيل”. وبموجب تلك المادة “تخضع السجون وأماكن الاحتجاز للإشراف القضائي، ويحظر فيها كل ما ينافي كرامة الإنسان، أو يعرض صحته للخطر”.
من هذا المنطلق، جاء تحرك “المفوضية المصرية” في قضية عقبة حشاد باعتباره دفاعا عن حق قانوني أصيل، لا مِنّة فيه ولا استثناء، وتأكيدا بأننا نستطيع بالنضال القانوني السلمي قادر – مهما طال الطريق – على انتزاع الحقوق وحماية الكرامة الإنسانية حتى في أكثر السياقات قسوة.

ويقبع الناشط عقبة حشاد في السجن منذ أكثر من 6 سنوات، حيث جرى القبض علي في 20 مايو 2019 من مقر إقامته بالسكن الطلابي بالمنطقة الثامنة – مدينة السادات – المنوفية، وظل مختفي قسريا بجهاز الأمن الوطني، منذ القبض عليه وحتى 4 أغسطس 2019، حيث ظهر متهما على ذمة القضية رقم 7769 لسنة 2019 إداري أشمون، والمعروفة إعلاميا بـ “قضية أشمون”.
وفي 20 فبراير 2024، حصل عقبة على إخلاء سبيل، لكن النيابة استأنفت على القرار، ورفضت المحكمة الاستئناف وأيدت إخلاء سبيله، ليظل بعدها مختفيًا. وفي 2 مارس 2024، ظهر في نيابة أمن الدولة، وتم التحقيق معه وتدويره على ذمة قضية ثانية حملت رقم 3391 لسنة 2023 بتهمة الانضمام لجماعة إرهابية وتمويلها، وتلك هي التي تم إحالته فيها للمحاكمة.
ويعاني عقبة من إعاقة مستدامة منذ طفولته، بسبب بتر في إحدى ساقيه، ما يجعله غير قادر على الحركة بشكل طبيعي دون طرف صناعي مناسب، لذا يرتدي طرفا صناعيا، لكنه كان بحاجة إلى تركيب طرفا صناعيا جديدا عند القبض عليه، فتقدمت أسرته بعدة طلبات للنيابة العامة، من أجل توفير طرف صناعي جديد يناسب حالته الصحية، لكن إدارة السجن كانت ترفض تمكينه من ذلك، فتقدمت الأسرة بدعوى قضائية أمام مجلس الدولة، احتجاجا على التعنت المستمر من قبل إدارة السجن والنيابة العامة في توفير الطرف الصناعي المناسب.
وفي ظل تجاهل السلطات لشكاوى عقبة من وضعه الصحي داخل السجن نتيجة عدم توافر الطرف الصناعي الذي يحتاجه، خاضت المفوضية نضالا قانونيا على مدار السنوات الماضية من أجل إدخال طرف صناعي له وجرى تقديم العديد من الطلبات المتعلقة بذلك وهو ما قرره الدفاع أمام هيئة المحكمة في وقت سابق، فيما واصلت إدارة السجن السماح بإدخال طرف صناعي لعقبة في انتهاك واضح للحقوق الأساسية للمحبوسين في الحصول على الرعاية الصحية اللازمة.
وبجانب الدعم القانوني، أصدرت المفوضية المصرية للحقوق والحريات العديد من البيانات التي تطالب السلطات المصرية، إدخال طرف صناعي لعقبة، وتستنكر استمرار التعنت في الاستجابة لهذا الطلب، فضلا عن دعوتها للإفراج الفوري عنه، وتوفير الرعاية الصحية العاجلة التي يحتاجها إلى حين إطلاق سراحه، بما في ذلك تركيب طرف صناعي يتناسب مع احتياجاته الطبية.
وشددت المفوضية مرارا وتكرارا على أن عدم توافر الطرف الصناعي الذي يحتاجه يشكل انتهاكا واضحا للحقوق الأساسية للمحبوسين في الحصول على الرعاية الصحية اللازمة، وأكدت تضامنها الكامل مع حشاد، طالبت بفتح تحقيق مستقل وشفاف في التعنت الذي تعرضت له أسرته من قبل إدارة السجن، والالتزام بالمعايير الدولية المتعلقة بحقوق المحتجزين، وضمان حصولهم على الرعاية الصحية المناسبة، ﻻفتة إلى أن استمرار حبسه في ظل هذه الظروف الصحية القاسية يشكل انتهاكا صارخا للحقوق الأساسية، ويضع حياة المحبوسين في خطر. ودعت المفوضية المصرية للحقوق والحريات، السلطات المصرية إلى احترام التزاماتها الدولية في مجال حقوق الإنسان، والتوقف عن استخدام الحبس الاحتياطي كأداة للعقاب.
وتمكن عقبة حشاد في نوفمبر 2025، من الحصول على الطرف الصناعي، بعد معاناة استمرت نحو 5 سنوات حيث سمحت إدارة السجن، بدخول الطرف الصناعي وفقا لمقاسه، بحسب ما أعلنت أسرته؛ ليتوج ذلك مسارًا طويلا من الجهود القانونية والحقوقية التي خاضتها المفوضية المصرية للحقوق والحريات، إلى جانب أسرة عقبة وشركائنا من منظمات المجتمع المدني، دفاعا عن حق أصيل في العلاج والرعاية الصحية. ولا تعكس هذه النتيجة استجابة إنسانية متأخرة فحسب، بل تؤكد أن النضال القانوني المنهجي قادر، مهما طال الوقت على انتزاع الحقوق وحماية الكرامة الإنسانية، حتى داخل داخل السجون وخلف القضبان وتجدد التأكيد أن الحقوق لا تُمنح بل تُنتزع بالإصرار والعمل القانوني السلمي.
وعن هذا الانتصار، قالت ماري لولور، المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالمدافعين عن حقوق الإنسان: سُررتُ بسماع أن الطالب المصري من ذوي الإعاقة، عقبة حشاد، حصل على طرفه الصناعي داخل السجن بعد انتظار دام خمس سنوات. واستطردت: ومع ذلك، فهو يواجه الآن محاكمة على خلفية اتهامات مُعاد تدويرها لا أساس لها من الانضمام إلى جماعة إرهابية؛ ولفتت إلى أنه “لا يزال محتجزًا منذ عام 2019″، وشددت على أنه “يجب الإفراج عنه”.
ويُجدد تصريح المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالمدافعين عن حقوق الإنسان التأكيد على أن ما تحقق من تمكين عقبة من الحصول على الطرف الصناعي في إطار حقه في العلاج والرعاية الصحية لا يكتمل إلا بإنهاء احتجازه التعسفي، وأن احترام الكرامة الإنسانية يظل مرهونًا بالإفراج عنه ووقف الملاحقات القائمة على اتهامات تفتقر إلى الأساس القانوني.