Site icon المفوضية المصرية للحقوق والحريات

حق ومعرفة (15).. حكايات من المهجر,, الاغتراب المزدوج: حين تتحول الهوية إلى عبء 

في عالم العمل في عالم يزداد ترابطاً، تبرز قضايا التمييز والاغتراب كظلال قاتمة تلقي بظلالها على حياة العمال الأجانب، خاصة في المجتمعات التي تشهد تحولات ديموغرافية واقتصادية سريعة. تتجاوز هذه الظاهرة مجرد الحوادث الفردية لتكشف عن أنماط سلوكية ومؤسسية أعمق، حيث تتحول الهوية الثقافية أو العرقية إلى عبء يثقل كاهل الفرد في سعيه لكسب العيش بكرامة. حوادث فردية تكشف عن نمط مقلق تتوالى القصص التي تروي تجارب مريرة لعمال أجانب، لا سيما في قطاع الخدمات والتوصيل، حيث يواجهون مضايقات عنصرية تتراوح بين الإهانات اللفظية والتدخل في حياتهم الشخصية. 

ففي إحدى الوقائع التي حدثت لي واركز انها احدي الوقائع فالوقائع للاسف كثيره، كعامل توصيل أجنبي في كوريا الجنوبية كيف تعرضت لموقف استفزازي من زميل كوري، تطور إلى استدعاء الشرطة، حيث تم الكشف عن تفاصيل إقامتي الشخصية أمام المعتدي، مما يثير تساؤلات جدية حول حماية البيانات وخصوصية الأجانب في ظل أجواء مشحونة. هذه الحادثة، وغيرها من المواقف المشابهة التي تعرض لها أصدقاء ومعارف، تشير إلى أن ما يحدث ليس مجرد خلافات عابرة، بل هو مؤشر على تصاعد في المضايقات الموجهة ضد الأجانب العاملين في مهن بسيطة. 

جذور التمييز: من الرفض الاجتماعي إلى التهميش القانوني لا يمكن فصل هذه الحوادث عن سياق اجتماعي أوسع يعكس مواقف عنصرية متجذرة. فوفقاً لمسح القيم العالمية 2010-2014، أعرب 44.2% من الكوريين الجنوبيين عن عدم رغبتهم في أن يكون لديهم جار أجنبي. يزداد هذا التمييز حدة تجاه المهاجرين من الدول الآسيوية والأفريقية، بينما يقل تجاه القادمين من أوروبا وأمريكا الشمالية. هذا التفضيل يكشف عن نظرة طبقية وعرقية تؤثر على كيفية تعامل المجتمع مع الأجانب. 

تتفاقم هذه المشكلة بسبب غياب الأطر القانونية الشاملة لمكافحة التمييز. فمنظمات مثل فريدم هاوس تشير إلى أن كوريا الجنوبية تفتقر إلى قانون شامل لمكافحة التمييز، مما يترك الأقليات الإثنية والمهاجرين عرضة للتمييز القانوني والاجتماعي. يعاني الأطفال ذوو العرق المختلط والمهاجرون من صعوبات بالغة في الحصول على الجنسية، ويواجهون استبعاداً منهجياً من التعليم والأنظمة الطبية. هذه الثغرات القانونية تساهم في ترسيخ التهميش وتجعل العمال الأجانب أكثر عرضة للاستغلال، مثل الحصول على رواتب أقل من الحد الأدنى، أو حجب الأجور، أو ظروف العمل غير الآمنة، وصولاً إلى الإيذاء البدني. الاغتراب النفسي: صدمة الهوية في مواجهة الكراهية تتجاوز تداعيات العنصرية الجوانب المادية والقانونية لتطال العمق النفسي للأفراد. 

فالشعور بالاغتراب، والخوف، والخجل، والعجز، هي مشاعر تتغلغل في وجدان من يتعرض للتمييز. أن تُقابل بنظرات الإدانة، وأن تسمع عبارات مثل “أنت لست منا”، هو أمر يهز الكيان ويدفع الفرد إلى التساؤل عن مكانته وقيمته الإنسانية. هذه التجربة ليست مجرد لحظة عابرة، بل هي صدى لواقع عالمي أوسع، حيث يُضطهد الناس لمجرد اختلافهم، وحيث يُزرع الانقسام بين الطبقات العاملة للحفاظ على هيمنة الأغنياء. الألم الأعمق قد يأتي من رؤية من يشبهك يتراجع خوفاً، أو يصمت أمام الظلم، أو حتى يمارس شكلاً من أشكال العنصرية الداخلية. هذه الظاهرة، التي قد تظهر حتى داخل المجتمعات المهاجرة نفسها، تكشف عن مدى تغلغل خطاب الكراهية وقدرته على تقسيم الأفراد وتحويلهم إلى أدوات قمع لبعضهم البعض. نحو الكرامة والوحدة: بصيص أمل في مواجهة الظلم في مواجهة هذا الواقع المرير، يبرز بصيص أمل في القدرة على المقاومة والتعبير. فالكتابة، والصراخ، وكشف الحقيقة، هي أسلحة يمكن أن يستخدمها الأفراد لإثبات أن الوحدة ممكنة، وأن الكرامة لا تباع، وأن الحب والتآخي أقوى من أي آلة قمع. إن السعي لحماية الذات، حتى من خلال وسائل مثل توثيق الحوادث بالكاميرات، ليس بدافع التصعيد، بل بدافع توفير دليل واضح في حال الاضطرار لتحرير محضر رسمي ضد أي اعتداء. 

هذا يعكس رغبة عميقة في تطبيق القانون بعدالة للجميع، دون تمييز. إن الأجانب العاملين في مهن بسيطة ليسوا خصوماً لأحد، بل هم أفراد يسعون لكسب رزقهم بكرامة. حماية كرامتهم الإنسانية وتطبيق القانون بعدالة يجب أن يكونا مبدأين أساسيين في أي مجتمع يدعي التحضر. ففي نهاية المطاف، كل كلمة كراهية، وكل موقف عنصري، وكل قلب يكره، هو جزء من نفس المعركة ضد الإنسانية، والتي لا يمكن الانتصار عليها إلا بالوحدة والتضامن والعدل.

Exit mobile version