المفوضية المصرية للحقوق والحريات

حق ومعرفة (15).. نرشح لك,, “صوت هند رجب”.. الطفلة التي هز صوتها العالم

تنويه:

يتضمن هذا الفيلم مشاهد وسردًا مؤلمًا للغاية إذ يتضمن توثيق لواقعة قتل طفلة في سياق عنيف وقاس، وهو ما قد لا يكون مناسبًا لمن لا يحتملون المحتوى الصادم أو المؤثر نفسيًا، لذا يُنصح بمراعاة ذلك قبل المشاهدة.

“إنهم يطلقون النار عليّ.. أرجوكم أنقذوني؛ أنا خائفة”.

كلمات قالتها الطفلة الفلسطينية هند رجب، البالغة من العمر 6 سنوات، لفريق الهلال الأحمر الفلسطيني، لإخراجها من سيارة العائلة النازحة التي تم قصفها – أثناء محاولة الفرار من شمال غزة – وقتل كل أفراد أسرتها ما عداها، في لحظات ثقيلة حاصرتها فيها قوات من الجيش الإسرائيلي، لتتحوّل لاحقًا إلى صرخة إنسانية هزّت العالم، وبقيت عالقة في الذاكرة بعد مقتلها وفشل محاولات إنقاذها، وهي اللحظات التي يوثّقها فيلم “صوت هند رجب”، مستعيدا تفاصيل الساعات الأخيرة بصوت لا يزال صداه حاضرا.

الفيلم يتتبع الساعات الأخيرة من حياة الطفلة الفلسطينية هند رجب، مقدمًا شهادة قاسية ومؤلمة على الواقع الإنساني في غزة خلال الحرب الأخيرة. وعبر 89 دقيقة، هي مدة الفيلم، تمزج المخرجة التونسية كوثر بن هنيّة ببراعة بين الوثائقي والدراما وهي تعيد بناء الساعات الأخيرة من حياة الطفلة الفلسطينية بالاعتماد على تسجيلات صوتية حقيقية لمكالماتها الأخيرة والمؤلمة مع الهلال الأحمر الفلسطيني في مركز الاتصال برام الله في الضفة الغربية المحتلة، إلى جانب مشاهد تمثيلية تجسد تحركات متطوّعي الهلال الأحمر، الّذين خاضوا متاهة من الموافقات العسكريّة والحكوميّة في محاولة يائسة للوصول إلى هند وإنقاذها.

بداية القصة.. 

تبدأ أحداث الفيلم داخل مركز الاتصال الخاص بطوارئ الهلال الأحمر الفلسطيني في رام الله بالضفة الغربية المحتلة، والذي باتت تتحول إليه اتصالات طلب المساعدة إليه بعدما تعطلت خطوط الاتصال في غزة.. اليوم هو الـ29 من يناير 2024، حيث يعمل فريق المتطوعين كخلية نحل. في حدود الساعة الثانية والنصف ظهرا يرن الهاتف، فيرد عُمر، أحد متطوعي الهلال الأحمر الفلسطيني على اتصال من ألمانيا يستنجد فيه شخص لإنقاذ عائلة أخيه التي كانت تحاول النزوح من تل الهوى بشمال غزة إلى جنوبها حينما جرى استهدافها من الجيش الإسرائيلي على بعد 400 متر من منزلهم وفي منطقة محاصرة من قوات إسرائيلية.

عبر أحد تطبيقات التواصل، يتلقى عُمر من الشخص الذي هاتفه من ألمانيا رقم شقيقه – رب الأسرة النازحة – فترد طفلة صغيرة.. هي ليان حمادة ابنة عم الطفلة هند رجب، والتي تقول  “عمو قاعدين يطخوا علينا.. ساعدونا.. الدبابة بجواري وإحنا في السيارة” قبل أن تلفظ أنفاسها الأخيرة برصاص جيش الاحتلال الإسرائيلي. 

 

تُكمل هند ذات الست سنوات والتي كانت في السيارة برفقة عمّها بشار وزوجته وأبناء عمّها (سارة، ليان، رغد، ومحمد) المكالمة. تطلب الطفلة ببراءة إنقاذها، وتؤكد “ما حد معي”. وإذ يحاول عُمر تهدئتها ويطلب منها البقاء في السيارة وعدم إظهار نفسها، نستمع لصوت إطلاق نار كثيف، وتقول الطفلة بصوت يكسوه الخوف “بيضربوا نار”.

سيارة إسعاف واحدة

ومن خلال المشاهد التمثيلية التي تجسد تحركات متطوّعي الهلال الأحمر التي مزجتها ببراعة كوثر بن هنيّة، مخرجة الفيلم مع التسجيلات الصوتية للأحداث الحقيقية التي يرتكز عليها الفيلم نعرف بأنه لا يوجد سوى سيارة إسعاف واحدة في شمال غزة، وهي تبعد ثماني دقائق فقط عن هند المُحاصرة في سيارة عمّها.

ورغم أن سيارة الإسعاف لا تبعد سوى بضعة دقائق عن “هند” إلا أن عملية إنقاذها ليست بالأمر السهل كما تكشف لنا عملية إعادة بناء الساعات الأخيرة من حياة الطفلة الفلسطينية، حيث يرصد لنا الفيلم ما يسمى بـ”التنسيق” وهي عملية الحصول على الموافقات العسكرية اللازمة لتوفير ممر آمن لطاقم سيارة الإسعاف حتى يتمكن من الوصول إلى سيارة عائلة هند الموجودة في منطقة محاصرة من قبل الجيش الإسرائيلي.

التنسيق العائق الأكبر!

وهنا، يرصد لنا الفيلم صراعًا دائر داخل مركز الاتصال الخاص بطوارئ الهلال الأحمر الفلسطيني في رام الله بالضفة الغربية المحتلة بين عُمر، الذي يدفع نحو إرسال طاقم سيارة الإسعاف الموجودة في المستشفى المعمداني على بعد 8 دقائق من “هند” لإنقاذها قبل فوات الآون، وبين مهدي، مدير المركز الذي يشاركه الرغبة ذاتها في إنقاذ الطفلة ولكنه يخشى في الوقت نفسه خسارة فريق الإنقاذ الوحيد المتبقي في شمال غزة، لذا يتمسك التنسيق بضرورة أولا والحصول على ضوء أخضر بمباشرة عملية الإنقاذ بعد توفير ممر آمن، ويبدأ بالفعل محاولات إتمام عملية التنسيق من خلال اللجنة الدولية للصليب الأحمر في فلسطين ووزارة الصحة الفلسطينية في الضفة الغربية حتى ينسقا بدورهما مع الجيش الإسرائيلي.

 

مشهد من الفيلم

وفي تلك الأثناء تتولى رنا، مسؤولة فريق المتطوعين الذي يضم عُمر، عملية التواصل مع الطفلة هند، بينما يواصل عُمر محاولات الضغط على مديره مهدي لإرسال طاقم الإنقاذ حتى ولو سيرا على الأقدام دون تنسيق، مشيرا إلى أنهم “أبطال”، لكن مهدي يريه على سبورة بيضاء في المركز صور لمسعفين لاقوا حتفهم خلال الحرب، ويشدد على أنه لا يريد خسارة جديدة وفقدان آخر طاقم في شمال غزة، ويقول “احنا مجبرين ننسق مع الجيش يوفر لهم مسار أمن”

وخلال مكالمة رنا مع هند تتكشف تدريجيا ملامح المأساة عبر أسئلة بسيطة وإجابات أكثر قسوة؛ تسأل رنا، هند عمّن كان معها، فترد الطفلة ذات الست سنوات: “كل أهلي”، قبل أن توضح أنها بقيت فقط مع سارة (ابنة عمها) داخل السيارة. وحين تستفسر رنا إن كانت سارة قادرة على الحديث، تجيب هند بنبرة بريئة: “آه”.. ثم تضيف، دون أن تدرك فداحة ما تقول: “عليها دم.. بس سارة نايمة”. في لحظة تختصر المأساة كاملة، حيث يغيب الوعي الطفولي بحقيقة الموت، بينما تنكشف أمام المستمع لهذا التسجيل الحقيقي للمكالمة واحدة من أكثر الصور قسوة ووحشية.

سباق مع الوقت

وبين رنا وعمر تستمر محاولات فريق المتطوعين بمركز الهلال الأحمر في رام الله، تهدئة الصغيرة هند ناحية، فيما يواصل مهدي الاتصال بالجهات المسؤولة للحصول على تصريح لانتقال سيارة الإسعاف إلى مكان وجود هند.

وببراعة شديدة تواصل مخرجة الفيلم استخدام التسجيل الصوتي الحقيقي للمكالمة مع المشاهد التمثيلية لما جرى في مركز تلقى اتصالات الطوارئ بالهلال الأحمر، حيث اختارت بن هنية الابتعاد عن المشاهد الصادمة والاعتماد على الصوت والزمن في سرد القصة، فيما تدور أغلب الأحداث داخل غرفة الاتصالات، ويظل صوت الطفلة هو الصلة الوحيدة بما يحدث في الخارج؛ لنجد أنفسنا مندمجين مع التفاصيل لحظةً بلحظة، فنتعلق بالأمل ونتمنى إنقاذها الطفلة الصغيرة، رغم إدراكنا المسبق للنهاية وما آلت له كل تلك المحاولات.

“أنا بحالي”.. تقولها هند وهي تتوسل إلى رنا ألا تنهي المكالمة وأن تأتي لإنقاذها، وتضيف بنبرة يغلفها الخوف الشديد “خليكي معي (..) تعالو خدوني.. الدبابة جنبيه.. بتتحرك، بتتحرك من قدام السيارة .. قريبة كتير كتير”، ثم تبكي، ثم ينقطع الاتصال.

كيف تجري الأمور؟

وتواصل المخرجة كوثر بن هنيّة عبر المشاهد التمثيلية من خلال ممثلين لتمثيل المتطوعين توضيح ما كان يدور خلال تلك اللحظات الصعبة داخل مركز تلقى اتصالات الطوارئ بالهلال الأحمر في رام الله، حيث يجري مهدي، مدير المركز، مكاملة  جديدة مع “الصليب الأحمر” من أجل عملية التنسيق. ويتلقى فريق المتطوعين اتصالا جديدا من محمد حمادة “خال هند” الذي يطلب تسريع عملية الإنقاذ، ويواصل عُمر الضغط من أجل إرسال سيارة الإسعاف إلى هند. فيوضح مهدي لعُمر – ويوضح الفيلم للمشاهد بالتأكيد – إنهم يحتاجون ثماني دقائق للوصول إليها لكن الأمر ليس بأيديهم، لافتا إلى أنه كي يرسل فريق الإنقاذ هم بحاجة للاتصال بالصليب الأحمر في القدس، الذين يقوم فريقه بالتواصل بدوره مع الـ”COGAT” وهي وحدة عسكرية تابعة للجيش الإسرائيلي، التي تتواصل مع الوحدة العسكرية الموجودة في الموقع المحدد كي ترسل الممر الآمن. ويضيف إن هذه الوحدة الأخيرة، لا ترسل الطريق للهلال الأحمر مباشرة ولكنها ترسله لـ”COGAT”، الذي يرسله لـ”الصليب الأحمر”، والذي يمرره إلى فريق الهلال الأحمر الذي يرسله لطاقم الإنقاذ.

وفي ظل هذه المتاهة من الإجراءات، يُجري عُمر اتصالا بـ أحمد المدهون، أحد فردي طاقم الإسعاف الوحيد الموجود في شمال غزة للتحرك سيرا على الأقدام وعبر المنازل للوصول إلى هند وإنقاذها، لكن مهدي يستمع لهذه المكالمة، فيأمر المدهون بألا يتحرك من مكانه حتى تتم عملية التنسيق، مشددا على أن هذه “تعليمات” يجب الالتزام بها. بعد ذلك، يأتي الضوء الأخضر من “الصليب الأحمر” لبدء عملية الإنقاذ. لكن ذلك يأتي مع انقطاع التواصل مع “هند” وعدم ردها على رنا التي تعتقد بأن الطفلة الصغيرة قُتلت فتنهار وتبكي. 

وبعدما نعتقد جميعا أن هذه هي النهاية المعروفة سلفا، يُجري عُمر اتصالا مع والدة هند نكتشف من خلاله أن الطفلة ما زالت على قيد الحياة لنتعلق من جديد بأمل نجاح محاولات إنقاذ هند! لكن تصطدم هذه الأماني بحاجة الهلال الأحمر لإعادة التنسيق من جديد. وتدفعنا كوثر بن هنية  في حالة الترقّب المشوب بالعجز مع بدء عملية التنسيق من الصفر. ونتعلق من جديد بآمال أن يتغير القدر ويتم إنقاذ الطفلة الصغير!

 

ويجري متطوعو الهلال الأحمر الفلسطيني اتصالا جديدا بـ”هند” التي تعيش مأساة أكبر من أن تتحملها طفلة بعمرها. ولا تعرف لماذا تتأخر عملية إنقاذها، فتتوسل إلى “رنا” بصوت مرتجف: “تعالى خديني.. بالله عليكي.. أنا لحالي؛ خلي جوزك يوصلني عندك”. كلمات بسيطة لكنها ثقيلة، تربك رنا وتكسر تماسكها للحظة قبل أن تحاول احتواء الموقف لتبقي الطفلة الصغير معها على الهاتف، فتقول لها “حبيبتي أنا جوزي بالشغل”، لترد عليها هند ببراءة طفلة “طيب رني”، فتعدها رنا بأن تفعل ذلك قائلة: “طيب هلا برن عليه واحكيله يجي ياخدني”. وتسأل رنا رفقائها في المكتب عما إن كانت عملية التنسيق من جديد قد تمت فتأتي الإجابة بلا، فتعود لـ”هند” وتقول لها:“حبيبتي انا جوزي كتير بعيد.. بدنا وقت لنوصلك.. احنا ساكنين كتير كتير بعيد”

الظلام يحل

وفي تلك اللحظات، يزداد الظلام خارج السيارة المحاصرة، وتزداد معه مخاوف الطفلة، فينعكس ذلك على على فريق الهلال الأحمر، فيضع عُمر صور هند أمام مهدي، مذكّرًا إياه بالساعات التي مرت من أجل التنسيق فيما تبعد سيارة الإسعاف ثماني دقائق فقط عن هند.أما مهدي، فيواصل اتصالاته بلا توقف محاولًا الوصول إلى أي شخص قد يملك تأثيرا على الجيش الإسرائيلي، حيث يقول لشخص يحدثه في الهاتف: “صرت حاكي مع أربعة خمسة.. صرت حتى حاكي مع سفير..بدي مساعدتك.. بدي رقم حد ليه تأثير عليهم”.

وتنقلنا مخرجة الفيلم إلى اتصال والدة هند التي تتحدث مع عمر لتعرف منه مستجدات عملية إنقاذ ابنتها لكن عُمر لا يستطيع الحديث معها فيعطي الهاتف لنسرين، وهي أخصائية نفسية بالهلال الأحمر الفلسطيني لتتولى طمأنة الأم، ثم تنقلنا إلى رنا التي تحاول هي من ناحيتها تهدئ من روع هند، وتخبرها بأسلوب بسيط أنهم بحاجة إلى التنسيق مع الإسرائيليين، حيث تقول لها “احنا عندنا في الهلال اخوات واخوان.. احنا عندنا أب.. والجيش ليه اب.. لازم ابونا يحكي لابوهم عشان اخونا يجي ينقذك بدون ما يضربوا على أخواتنا”.. فترد هند بأنهم يطلقون النار على السيارة الآن.

مع خطورة الوضع يقرر مهدي نشر تسجيلات مكالمات هند على مواقع التواصل الاجتماعي وعبر وسائل الصحافة والإعلام أملا في أن يسبب ذلك في حالة من التعاطف تسبب ضغطا عالميا على الجيش الإسرائيلي، فيوفر ممرا آمنا يسمح بإنقاذ الطفلة الصغيرة، التي تقول في تلك الأثناء أنها تعرضت للإصابة وتنزف، وتطلب طبيب يأتي لإنقاذها، ثم ينقطع الاتصال مجددا. هنا تنقل لنا مخرجة الفيلم مشهد عدم اقتناع عمر بجدوى هذه الخطوة التي يُقدم عليها مهدي، حيث يقول: “فكرك عن جد صوت طفلة صغيرة خايفة راح يأثر فيهم أو يفرق على أحد.. هي بحاجة لإسعاف”.

ويبلغ الغضب ذروته داخل مركز طوارئ الهلال الأحمر في رام الله، كما تصور لنا بن هنية، حيث يخطف عمر الهاتف من مهدي أثناء حديثه مع مسؤول بوزارة الصحة الفلسطينية من أجل عملية التنسيق، ويقول له: “كلم الجيش احكي لهم إن فيه بنت بحاجة للمساعدة ويروحو ينقذوها ويعملوا كام صورة”. فيصرخ مهدي في عمر وباقي الفريق الذين يرونه مقصرا: “مش عارف وين انتو مفكرين احنا عايشين؟.. فكركم إن همه مبيعرفوش إن هي بالسيارة..ما انتو بتعرفوا إن دباباتهم فيها حساسات انفرا.. ضوء احمر للحرارة.. الأجساد الميتة ما بتبينش.. بس هي مبينة جسد أحمر ضاوي عندهم..هذا لو مش سامعين صوتها كمان”.

في انتظار الضوء الأخضر

ويزداد التوتر بغرفة الطوارئ، وتختلط مشاعر الغضب بالعجز، حينما لا تجد رنا أي صوت من هند، لكن عُمر يقول إنها يسمع صوت تنفسها. في تلك اللحظات تأتي الموافقة، لكن مهدي يعتبر صمت الطفلة يعني أنها ماتت. وهنا تتدخل نسرين وتبرر عدم رد هند عليهم بأن البنت لم تعد تصدقهم لأنهم وعدوها أكثر من مرة بإنقاذها دون وفاء بأي وعد. وفيما يتوسل عمر إلى مهدي أن يعطي أوامره لسيارة الإسعاف بأن تتحرك لإنقاذ هند، ويؤكد له بأن “البنت عم تتنفس وعايشة.. وحياة ربك احكي معهم”، يشدد مهدي على أنه لا يستطيع أن يعطيهم هذا الأمر حتى يتأكد أن الطفلة زالت على قيد الحياة ويحصل على الجرين لايت (الضوء الأخضر).

في محاولة أخيرة للحصول على أي إشارة تؤكد أن الطفلة ما زالت على قيد الحياة، تتدخل نسرين وتأخذ الهاتف من “رنا” وتحاول إبقاء هند متيقظة بالكلام. تبدأ في الحديث معها عن بحر غزة وشاطئه، علّها تستدعي صوتها من جديد. وبعد لحظات ثقيلة، يأتي الصوت المنتظر… تنادي هند بصوتٍ خافت: “رنا”. ترد نسرين بسرعة وحنان: “آه يا حبيبتي.. آه يا هنود أنا سامعيتك حبيبتي”. تسألها هند عمّن تتحدث، فتخبرها: “أنا نسرين حبيبتي.. أنا اختها لرنا”، فتعود الطفلة لتطلب النجاة ببساطة موجعة: “أنقذوني”. تحاول نسرين طمأنتها: “إحنا معك.. راح ننقذك يا قلبي”، بينما يسارع مهدي بإبلاغ الجهات المعنية بأن الطفلة ما زالت على الخط وتستغيث، في محاولة لتسريع الحصول على الضوء الأخضر.

داخل غرفة العمليات، يتصاعد التوتر من جديد. الفريق يسأل، والرد لا يتغير: “لسه بنستنى”. تصل مكالمة من والدة هند تصرخ فيها طلبًا للمساعدة، بينما يزداد ضغط الوقت وثقله على الجميع. يحاول عُمر الدفع نحو اتخاذ قرار فوري، مؤكدًا أن المسافة لا تتجاوز ثماني دقائق، لكن مهدي يظل متمسكًا بالإجراءات. ومع اشتداد الضغط، ينسحب مهدي للحظات إلى دورة المياه، كأنه يحاول الاحتماء من هذا الثقل كله، مؤكدًا أنه لن يخرج قبل وصول الإشارة المطلوبة. في الخارج، يبلغ التوتر حدًا غير مألوف، فتتحول اللحظة إلى مزيج غريب من الانهيار والعجز.

في المقابل، تستمر المكالمة مع هند. صوتها يضعف، لكنها تكرر: “يلا طلعوني بسرعة.. أنقذيني”. ترد نسرين محاولة التماسك: “راح نجيكي بسرعة يا قلبي”. تقاطعها هند بصوت يكاد ينطفئ: “أنا بموت”. تحاول نسرين أن تتمسك بالأمل: “حبيبتي أنت كويسه وأنت عايشه وأنت عم تتنفسي وتحكي معي”. لكن الكلمات تبدو أثقل من أن تُقنع طفلة تواجه مصيرها وحدها. في تلك اللحظة، تعجز رنا عن الاحتمال فتفقد الوعي، بينما يستمر الآخرون في محاولة إبقاء الخيط الرفيع قائما.

ثم، فجأة، يرن الهاتف من جديد ترد نسرين، لتأتي الكلمات التي انتظرها الجميع طويلًا: “إجا الجرين لايت”. . أخيرًا، تتحرك سيارة الإسعاف. يحاول عمر طمأنة والدة هند بأن الفريق في الطريق،  ويخبرها أن هند تسمعها، فتقول الأم التي تتشبث بالأمل: “هند.. أنا بحبك.. كلنا بنحبك.. متخافيش.. إحنا قربنا نوصل”

طريق مسدود

مشهد من الفيلم

ويتصاعد التوتر حينما تتوقف سيارة الإسعاف فجأة كما تظهر الشاشة في مركز طوارئ الهلال الأحمر. فيحاول الفريق بقيادة مهدي الاتصال بطاقم السيارة بلا رد. ثم يأتي صوت يوسف زينهو، أحد فردي الطاقم ليخبرهم بأن هناك عمارة مقصوفة والطريق المحدد كمسار آمن لهم مسدود ولا بد أن يٌغيروا المسار. وبعد تغيير المسار تتحرك سيارة الإسعاف من جديد وتقترب من الموقع الذي تتواجد فيه السيارة المحاصرة، يسأل مهدي بقلق: “شايفين السيارة؟”، فيأتي الرد: “لا”.. ثم تمضي ثوانٍ قليلة ويُسمع دوي قصف وإطلاق نار… وينقطع الخط.

يحاول مهدي الاتصال مجددًا، لكن الصوت الآلي يجيبه: “عفوا، لا يمكن الاتصال بالرقم المطلوب حاليًا”. يدرك ما حدث، ويقول بصوت مكسور: “راحوا الشباب خلاص”. يصرخ عمر رافضًا التصديق “لا، لا.. أرجه لهم بس الخط فصل”، بينما يعود الجميع للتمسك بخيط آخر صوت هند. يسألونها إن كانت سمعت إطلاق النار. تتردد، ثم تقول: “آه”. تحاول الأم طمأنتها، بينما تستمر نسرين في تهدئة الموقف. وهنا تمزج لنا مخرجة الفيلم مشاهد حقيقية لهذه اللحظات مأخوذة بكاميرا هاتف تصور محادثة نسرين مع والدة هند  مع المشاهد التمثيلية.  تطلب نسرين من الأم التأكد إن كان أحد وصل إليها لكن الإجابة تأتي بسيطة وقاسية: “لا”. ورغم ذلك  تحاول نسرين أن تُبقي الأمل قائمًا، ولو بالكلمات وتطمئن الأم: “إحنا مبين السيارة كتير قريبة منها.. بس شكلهم بيستنوا إذن أنهم يكملوا الطريق.. بس همه عندها .. شايفينهم على الجهاز (..)  إن شاء الله ما فيش بين دقيقة والتانية تكون بتشوفهم“. وتوصل نسرين طمأنة والدة هند: “تقلقيش تقلقيش.. هينة.. بس هي تضل زي ما حكالها عم عمر مخبيه بين الكراسي.. هي شطورة وعارفه هالحكي”.

جريمة لن تنسى

اختفى صوت هند رجب الساعة السابعة والنصف من مساء يوم التاسع والعشرين من يناير 2024. وظل مصير الطفلة الصغيرة وطاقم سيارة الإسعاف يوسف زينهو، وأحمد المدهون مجهولاً لمدة 12 يوماً تحت الحصار، حتى انسحب الجيش الإسرائيلي.

أصابت 355 رصاصة سيارة عائلة حمادة.

وماتت هند، بالإضافة إلى مسعفين اثنين أُرسلا لإنقاذها.

ماتت هند.. لكن بقي صوتها رمزًا للبراءة في مواجهة العنف وشاهدا على جريمة إنسانية لن تنُسى تفضح جريمة من جرائم الحرب الأخيرة على قطاع غزة والتي راح ضحيتها أكثر من 70 ألفا معظمهم من الأطفال والنساء.

يذكر أن فيلم “صوت هند رجب” تونسي فرنسي، مدته 89 دقيقة، وجرى عرضه لأول مرة في 17 ديسمبر 2025، وهو من بطولة معتز ملحيس، سجى الكيلاني،  كلارا خوري، وعامر حليحل. والفيلم من ﺇﺧﺮاﺝ وتأليف المخرجة التونسية كوثر بن هنية. وشارك الفيلم في العديد من المهرجانات الدولية، وحصد جائزة الأسد الفضى، فى الدورة 82 من مهرجان فينيسيا السينمائى الدولى،  وهو الفيلم العربي الوحيد الذي نجح في التأهل للقائمة النهائية في المنافسات لجائزة الأوسكار في الدورة الـ98. كما حاز الفيلم العديد من الجوائز والإشادات النقدية، بل رفضت مخرجته كوثر بن هنية جائزة “السينما من أجل السلام” في مهرجان برلين احتجاجاً على تكريم جنرال إسرائيلي سابق صوّر الحرب على غزة باعتبارها دفاعاً عن النفس.

وكان الفيلم قد ترشح أيضاً لجوائز الجولدن غلوب والبافتا، وتوج بجائزتي أفضل ممثلة لسجا كيلاني، ولجنة التحكيم التقديرية في مهرجان أيام قرطاج السينمائية، وذلك عقب عرضه العالمي الأول في مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي، حيث حظي باستقبال لافت وتصفيق مطول، وحقق إنجازاً تاريخياً بفوزه بسبع جوائز، أبرزها جائزة الأسد الفضي للجنة التحكيم الكبرى، إلى جانب عدة جوائز دولية أخرى. وعرض الفيلم لاحقا في أكثر من 15 مهرجاناً دولياً، من بينها افتتاح مهرجان الدوحة السينمائي وختام مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، وحصد عددا من الجوائز، أبرزها جوائز الجمهور في مهرجانات سينمائية دولية عدة، إضافة إلى الجائزة الكبرى لأفضل فيلم لعام 2025 في مهرجان غنت السينمائي ببلجيكا.

يُمكنك مشاهدة الفيلم عبر منصة “شاهد” بالضغط هنا.

1 الفيلم يتتبع الساعات الأخيرة من حياة الطفلة الفلسطينية هند رجب مقدمًا شهادة قاسية ومؤلمة على الواقع الإنساني في غزة خلال الحرب
2 سيارة الإسعاف لا تبعد سوى بضعة دقائق عن “هند” إلا أن عملية إنقاذها ليست بالأمر السهل كما تكشف لنا عملية إعادة بناء الساعات الأخيرة من حياة الطفلة الفلسطينية
3 اختارت “بن هنية” الابتعاد عن المشاهد الصادمة والاعتماد على الصوت والزمن في سرد القصة
4 تدور أغلب الأحداث داخل غرفة الاتصالات ويظل صوت الطفلة هو الصلة الوحيدة بما يحدث في الخارج
5 تستمر المكالمة مع “هند”.. صوتها يضعف لكنها تكرر: “يلا طلعوني بسرعة.. أنقذيني”
6 اختفى صوت هند رجب الساعة السابعة والنصف من مساء يوم التاسع والعشرين من يناير 2024
7 ظل مصير الطفلة الصغيرة وطاقم سيارة الإسعاف يوسف زينهو وأحمد المدهون مجهولاً لمدة 12 يوما تحت الحصار
8 أصابت 355 رصاصة سيارة عائلة حمادة
9 حصد الفيلم جائزة الأسد الفضى فى الدورة 82 من مهرجان فينيسيا السينمائى
10 “صوت هند رجب” هو الفيلم العربي الوحيد الذي نجح في التأهل للقائمة النهائية في المنافسات لجائزة الأوسكار في الدورة الـ98

Exit mobile version