المفوضية المصرية للحقوق والحريات

حق ومعرفة (15).. هل تعلم ,, حقوق اللاجئين في مصر مكفولة بالمواثيق الدولية والدستور المصري.. 

“114 مليون شخص حول العالم أُجبروا على الفرار من ديارهم، رقم قياسي غير مسبوق في التاريخ الحديث”.

بهذا الرقم، توثق “المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين – UNHCR” حجم أزمة النزوح القسري، ورغم التطور الإنساني في صياغة مواثيق حقوق الإنسان، لا يزال اللجوء ومحاولة النجاة، أزمة يقابلها تضييق متزايد في سياسات منح الحقوق الأساسية عالمياً، كما أن كلمات مثل الترحيل، والاحتجاز، أو حتى حملات التفتيش للاجئين أصبحت أمرا شائعا.

في ظل أزمة اقتصادية طاحنة، يوجه البعض غضبهم تجاه اللاجئين والمقيمين عمومًا، معتبرينهم أحد أسباب الضغوط الاقتصادية، خصوصًا في ظل سياسات وقوانين تلتف على حقوقهم وتغذي الخطاب العدائي ضدهم، بدلًا من معالجة الأسباب الهيكلية للأزمة، وهو ما يفتح الباب أمام تصاعد حملات التحريض والتمييز، ويحول الفئات الأضعف إلى شماعة تعلق عليها إخفاقات السياسات الاقتصادية والاجتماعية.

وفي عالم يعج بالنزاعات والحروب حددت الأمم المتحدة يوم 20 يونيو من كل عام ليكون “يوم اللاجئ العالمي”، لتسليط الضوء على معاناة الفارين من الحروب، والتأكيد على حقهم الأصيل في الأمان والكرامة. وللمفارقة، فإن الانتهاك الأكبر لا يأتي دائماً من النزاعات المسلحة التي فروا منها، بل من الإجراءات الإدارية، والاستغلال الاقتصادي، والملاحقات الأمنية في دول الملاذ التي تتحول أحياناً إلى سجون مفتوحة.

صورة تعبيرية – المصدر : أرشيف اعلامي

العهود الدولية: من أنقاض الحرب إلى مبدأ “عدم الإعادة القسرية”

تعود الجذور القانونية لحقوق اللاجئين إلى أعقاب الحرب العالمية الثانية، حين أدرك المجتمع الدولي ضرورة وضع إطار ملزم لحمايتهم، إذ أسفر ذلك عن ولادة “اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1951 الخاصة بوضع اللاجئين” وبروتوكولها لعام 1967.

أرست هذه المواثيق، إلى جانب اتفاقية منظمة الوحدة الأفريقية لعام 1969، مبدأً ذهبياً يمثل عصب القانون الدولي الإنساني: مبدأ “عدم الإعادة القسرية”، والذي يحظر بشكل قاطع طرد اللاجئ أو إعادته إلى حدود أقاليم تتهدد فيها حياته أو حريته.

 كما ألزمت الاتفاقية الدول بتوفير حزمة من الحقوق المدنية والاقتصادية كـ (التعليم، العمل، التقاضي، وحرية التنقل) لضمان اندماج اللاجئ وعدم تحوله إلى عبء أو ضحية للاستغلال.

اللاجئين في الدستور المصري والاتفاقيات

محلياً، لطالما كانت مصر تتوسط مجموعة من الدول التي مرت بأزمات ضخمة ونزاعات نتج عنها ملايين اللاجئين، كالسودان وسوريا واليمن وغيرهم، وهو ما قابله الدستور المصري باهتمام في المادة 91، والتي نصت على أن: “تمنح الدولة حق اللجوء السياسي لكل أجنبي اضطهد بسبب دفاعه عن مصالح الشعوب أو حقوق الإنسان أو السلام أو العدالة”، مع حظر تسليم اللاجئين السياسيين.

كما صدقت مصر على اتفاقية 1951 وبروتوكولها، لتصبح هذه العهود الدولية جزءاً من التشريع الوطني بموجب المادة 93 من الدستور. لكن الأزمة تكمن في التطبيق؛ حيث أبدت مصر تحفظات تاريخية على بعض بنود الاتفاقية مثل تلك المتعلقة بـ (الأحوال الشخصية، والتعليم الابتدائي، وتشريعات العمل)، مما جعل وصول اللاجئين لحقوقهم محكوماً بقرارات وزارية قابلة للتغيير، وليس بقوانين مستقرة.

بين النظام القديم والقانون الجديد

لعقود، اعتمدت مصر في إدارة هذا الملف على “مذكرة تفاهم” وُقعت مع مفوضية شؤون اللاجئين عام 1954، بموجب هذا النظام القديم، كانت المفوضية هي من تقوم بتسجيل طالبي اللجوء وإصدار البطاقات (الصفراء والزرقاء)، وبناء عليها تمنح الحكومة إقامات مؤقتة. 

ومع الانفجار الأخير في أعداد اللاجئين، انهار هذا النظام تحت وطأة البيروقراطية، ووصلت فترات الانتظار لمجرد التسجيل إلى أكثر من عام، مما ترك مئات الآلاف بدون غطاء قانوني، لمعالجة هذا الخلل التشريعي، أصدر البرلمان المصري القانون الخاص باللاجئين، رقم 164 لسنة 2024، وهو أول قانون مصري ينظم إجراءات اللجوء بشكل مباشر داخل البلاد، والذي ينهي الاعتماد الحصري على المفوضية.

اما القانون الجديد فينص على إنشاء “اللجنة الدائمة لشؤون اللاجئين” كجهة حكومية مصرية تتولى الفصل في طلبات اللجوء خلال مدد محددة (من 6 أشهر إلى سنة). ويقر القانون صراحةً ولأول مرة بحقوق اللاجئين في الحصول على وثيقة سفر، الرعاية الصحية المماثلة للمواطنين، التعليم الأساسي، وحق العمل وفقاً لقانون العمل المصري.

كما يضع القانون مجموعة من الإجراءات التي يجب على طالب اللجوء اتباعها، من بينها التقدم بطلب اللجوء خلال مدة محددة في حال الدخول إلى البلاد بطرق غير نظامية، مع النص على عدم معاقبة الشخص بسبب دخوله غير القانوني إذا بادر بتقديم نفسه للسلطات وطلب الحماية، ويشير القانون كذلك إلى إمكانية حصول اللاجئ المعترف به على وثيقة إقامة قانونية داخل البلاد.

ومع ذلك، أثار القانون منذ صدوره نقاشًا واسعًا داخل الأوساط الحقوقية والبحثية، حيث يرى عدد من الباحثين والمنظمات الحقوقية التي منها “المفوضية المصرية للحقوق والحريات – ECRF” أن بعض مواده تمنح السلطات التنفيذية صلاحيات واسعة في إدارة ملف اللجوء دون وجود ضمانات كافية للمراجعة القضائية أو آليات واضحة للطعن في قرارات رفض طلبات اللجوء.

كما أثار استخدام مصطلحات عامة مثل الأمن القومي أو النظام العام كمبررات محتملة لرفض الطلبات أو سحب صفة اللاجئ مخاوف تتعلق بإمكانية التوسع في تفسيرها على نحو قد يقيد الحماية التي يفترض أن يتمتع بها اللاجئون وفق المعايير الدولية، بالإضافة إلى اشتراط التقدم بطلب اللجوء خلال مدة زمنية محددة بالنسبة للأشخاص الذين دخلوا البلاد بطرق غير نظامية قد لا يراعي الظروف الواقعية التي يمر بها كثير من اللاجئين فور وصولهم، خاصة في ظل الصدمات النفسية أو غياب المعرفة بالإجراءات القانونية.

ومن بين أكثر القضايا أهمية في حياة اللاجئين داخل مصر مسألة الحق في العمل والتعليم، وهما من الحقوق الأساسية التي نصت عليها اتفاقية اللاجئين، فالاتفاقية تعترف بحق اللاجئين في العمل وممارسة المهن، إلا أن هذا الحق يظل في الممارسة العملية مرتبطًا بالقوانين المحلية المنظمة لسوق العمل. 

ففي مصر يخضع عمل الأجانب عمومًا لقانون العمل الذي يشترط الحصول على تصريح عمل، وهو إجراء قد يواجه بعض اللاجئين صعوبات في استكماله، ما يدفع كثيرين منهم إلى العمل في القطاع غير الرسمي، حيث تزداد مخاطر الاستغلال أو انخفاض الأجور أو غياب الحماية القانونية. 

أما فيما يتعلق بالتعليم، فقد سمحت السياسات الحكومية خلال السنوات الأخيرة بدمج الأطفال اللاجئين في المدارس الحكومية في كثير من الحالات، وهو ما يمثل خطوة إيجابية مهمة، غير أن التحديات العملية مثل صعوبات التسجيل أو التكاليف غير المباشرة للتعليم قد تظل عائقًا أمام بعض الأسر اللاجئة.

إن معرفة اللاجئين بهذه الحقوق، وبالإطار القانوني الذي ينظمها، يمثل خطوة أساسية في حماية أنفسهم من الانتهاكات، فالإلمام بالقوانين والإجراءات يمكن أن يساعد اللاجئين على التعامل بشكل أفضل مع المؤسسات الرسمية، وعلى طلب المساعدة القانونية عند الحاجة، سواء من المفوضية السامية لشؤون اللاجئين أو منظمات المجتمع المدني التي تقدم الدعم القانوني والإنساني، كما أن الاحتفاظ بالوثائق الرسمية وتحديثها باستمرار يعد من أهم الوسائل لحماية الوضع القانوني للاجئ داخل الدولة.

في النهاية، لا ينبغي النظر إلى حقوق اللاجئين باعتبارها امتيازات استثنائية، بل باعتبارها التزامات قانونية وإنسانية أقرتها المواثيق الدولية استجابة لتجارب إنسانية قاسية شهدها العالم، كما أن ضمان هذه الحقوق لا يحمي اللاجئين فحسب، بل يعكس أيضًا التزام المجتمعات بقيم العدالة والكرامة الإنسانية.

 ومن هنا فإن نشر الوعي القانوني بين اللاجئين أنفسهم يظل خطوة أساسية في تمكينهم من الدفاع عن حقوقهم وفهم القوانين التي تحكم وجودهم، بما يساعد على الحد من الانتهاكات وتعزيز الحماية القانونية للفئات الأكثر هشاشة.

1 في ظل أزمة اقتصادية طاحنة، يوجه البعض غضبهم تجاه اللاجئين والمقيمين عمومًا، معتبرينهم أحد أسباب الضغوط الاقتصادية، خصوصًا في ظل سياسات وقوانين تلتف على حقوقهم وتغذي الخطاب العدائي ضدهم، بدلًا من معالجة الأسباب الهيكلية للأزمة، وهو ما يفتح الباب أمام تصاعد حملات التحريض والتمييز، ويحول الفئات الأضعف إلى شماعة تعلق عليها إخفاقات السياسات الاقتصادية والاجتماعية.
2 تعود الجذور القانونية لحقوق اللاجئين إلى أعقاب الحرب العالمية الثانية، حين أدرك المجتمع الدولي ضرورة وضع إطار ملزم لحمايتهم، إذ أسفر ذلك عن ولادة “اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1951 الخاصة بوضع اللاجئين” وبروتوكولها لعام 1967.
3 محلياً، لطالما كانت مصر تتوسط مجموعة من الدول التي مرت بأزمات ضخمة ونزاعات نتج عنها ملايين اللاجئين، كالسودان وسوريا واليمن وغيرهم، وهو ما قابله الدستور المصري باهتمام في المادة 91، والتي نصت على أن: “تمنح الدولة حق اللجوء السياسي لكل أجنبي اضطهد بسبب دفاعه عن مصالح الشعوب أو حقوق الإنسان أو السلام أو العدالة”، مع حظر تسليم اللاجئين السياسيين.
4 إن معرفة اللاجئين بهذه الحقوق، وبالإطار القانوني الذي ينظمها، يمثل خطوة أساسية في حماية أنفسهم من الانتهاكات، فالإلمام بالقوانين والإجراءات يمكن أن يساعد اللاجئين على التعامل بشكل أفضل مع المؤسسات الرسمية، وعلى طلب المساعدة القانونية عند الحاجة، سواء من المفوضية السامية لشؤون اللاجئين أو منظمات المجتمع المدني التي تقدم الدعم القانوني والإنساني

Exit mobile version