اصدارات

حق ومعرفة (16).. شخصية العدد,, فرانشيسكا ألبانيز: المقررة الأممية التي تحدت الغطرسة الأمريكية – الإسرائيلية

“القول إن الحكومة الإيطالية ساعدت سكان غزة محض هراء بل دعمت الابادة الجماعية، ومنذ ما يسمى بوقف إطلاق النار قتلت اسرائيل 250 فلسطينيا في غزة الهدنة ليست إلا كلاما من قادة سياسيين يصرون على تجاهل ما يحدث في فلسطين”

التصريح السابق ملك لمقررة الأمم المتحدة المعنية بالأراضي المحتلة فرانشيسكا ألبانيز، وعملت إسرائيل على تقويض دورها فيما فرضت الولايات  المتحدة الأمريكية عقوباتها عليها في سابقة تاريخية ضد شخصية أممية يجب أن تكون محصنة بحكم عملها الأممي الدولي.

مصدر الصورة: Pier Marco Tacca/Getty Images

 

 

غلاف كتاب سيشرق قمر من الظلام: تقارير عن الإبادة الجماعية الإسرائيلية في فلسطين بقلم فرانشيسكا ألبانيز – المصدر:أرشيف إعلامي

من هي فرانشيسكا ألبانيز؟
“فرانشيسكا ألبانيز” هي محامية دولية، متخصصة في حقوق الإنسان والشرق الأوسط، ولدت في 30 مارس 1977 في مدينة “أريانو إيربينو” بجنوبي إيطاليا، ومنذ مايو 2022، تشغل منصب مقررة الأمم المتحدة الخاصة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأرض الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967.

وألبانيزي هي باحثة منتسبة إلى معهد دراسة الهجرة الدولية في جامعة جورجتاون، قامت بتأليف عدد من المجلدات الهامة منها اللاجئون الفلسطينيون في القانون الدولي والصادر عن جامعة أكسفورد 2020، الذي يعد مرجعا مهما في القضية، أما عام 2024 فقد أصدرت كتاب بعنونا “أنا أتهم” والصادر عن دار فوريسشينا، والذي يعود اسمه إلى المقالة التاريخية الشهيرة “أنا أتهم” التي كتبها الأديب الفرنسي إميل زولا عام 1898 للدفاع عن الضابط “ألفرد دريفوس” وضد ظلم المؤسسة العسكرية آنذاك؛ حيث استعارت ألبانيز هذا العنوان لتوجيه إدانة علنية صارخة للمجتمع الدولي بسبب صمته وازدواجية معاييره، ولتوجيه اتهام قانوني مباشر لإسرائيل بارتكاب جرائم فصل عنصري واستعمار استيطاني بحق الشعب الفلسطيني.

كما تتناول أعمالها الأكاديمية جوانب مختلفة من القضية الفلسطينية، والوضع القانوني في الأراضي المحتلة والتشريد القسري للفلسطينيين، بما في ذلك عمل وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا).

منذ 2018، قامت ألبانيزي بالتدريس وإلقاء المحاضرات في جامعات مختلفة في أوروبا والشرق الأوسط، وهي مسؤولة أيضًا عن برنامج الأبحاث والمساعدة القانونية في مجال الهجرة وملتمسي اللجوء في العالم العربي في مركز الفكر المعروف بالنهضة العربية للديمقراطية والتنمية، وهي مؤسسة مشاركة في الشبكة العالمية المعنية بالقضية الفلسطينية، وهو ائتلاف يضم خبراء وعلماء إقليميين ودوليين بارزين منخرطين في القضية الفلسطينية.

عملت ألبانيز مع منظمات دولية، بما في ذلك مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان ووكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا). وبصفتها مقررة خاصة، نشرت العديد من الآراء القانونية والعديد من التقارير الرئيسية حول انتهاك قانون تقرير المصير في الأرض الفلسطينية المحتلة (2022)، والحرمان الجماعي الممَنهج من الحرية للفلسطينيين (2023)، “سلب الطفولة”، انتهاك حقوق الأطفال في الأرض الفلسطينية المحتلة (2023)، والإبادة الجماعية (2024a و2024b).

بداية التوتر: ألبانيز – إسرائيل 

 في عام 2014 اعتبرت ألبانيز أن خضوع الولايات المتحدة لرغبات إسرائيل ما هو إلا انعكاسا لشعورها بالذنب تجاه “الهولوكوست” وهو ما أثار عاصفة من الانتقادات، وبداية اتهامها بمعاداة السامية. 

وهو ما رفضته ألبانيز بقوة حيث أوضحت بشكل حاسم أن توجيه الانتقادات لاسرائيل لايعني اتهام عموم اليهود بأي شيء كمجموعة دينية، ولكن إسرائيل طالما اعتمدت على ذلك الاتهام لإقصاء كل من ينقد سياساتها القومية والعرقية خصوصا.

بمجرد ارتقاء ألبانيز لمنصب المقررة الخاصة عام 2022 بدأت المناوشات مع إسرائيل وبالتالي حليفتها الدائمة الولايات المتحدة، خاصة مع إعادة تسليط الضوء على تصريحاتها عام 2014 حول “اللوبي اليهودي”

في ديسمبر 2022، أصدر 65 باحثاً متخصصاً في معاداة السامية والمحرقة والدراسات اليهودية بياناً دعموا فيه ألبانيز وأكدوا أن الحملة ضدها “لا تتعلق بمكافحة معاداة السامية اليوم”، بل تستخدم هذه الاتهامات كوسيلة لإسكات من ينتقدون إسرائيل.

في المقابل اتهمتها وزارة الخارجية الإسرائيلية بمعاداة السامية، وانضمت إليها منظمات إسرائيلية مثل رابطة مكافحة التشهير (ADL) في هذه الاتهامات، واستمرت التوترات في الصعود وصولا إلى طوفان الأقصى وأحداث السابع من أكتوبر عام 2023.

فى عام 2024 شبهت ألبانيز حرب إسرائيل على غزة بالمحرقة النازية قائلة “أيها الأوروبيون، الإيطاليون، الألمان، بعد المحرقة، يجب أن ندرك بالفطرة أن الإبادة الجماعية تبدأ بتجريد الآخر من إنسانيته، إذا لم يدفعنا الهجوم الإسرائيلي الحالي على الفلسطينيين إلى رد فعل قوي، فإن أحلك صفحات تاريخنا الحديث لم تعلمنا شيئا. 

في فبراير 2024، أعلنت إسرائيل منع ألبانيز من دخول الأراضي المحتلة بسبب تصريحاتها حول عملية “طوفان الأقصى” ولانتقاداتها السياسات الإسرائيلية، أما في مارس 2024، رفعت ألبانيز تقريراً إلى مجلس حقوق الإنسان في جنيف اتهمت فيه إسرائيل بارتكاب “أعمال إبادة” ضد الفلسطينيين في غزة، وذكرت في تقريرها المعنون بـ “تشريح عملية إبادة” أنه “تم بلوغ السقف الذي يفيد بأن أعمال إبادة قد ارتكبت بحق الفلسطينيين في غزة”.

العقوبات الأمريكية في مقابل التعقيد الأوروبي

تعد الولايات المتحدة من أشد المعارضين لألبانيز، بحكم رعايتها وتحالفها مع إسرائيل، على سبيل المثال في فبراير 2023، طالب 18 عضواً في الكونجرس الأمريكي من الحزبين بعزلها من منصبها، بدعوى تحيزها الدائم ضد إسرائيل، وفي فبراير 2025، أصدر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمراً تنفيذياً بفرض عقوبات عليها.

حتى جرت الواقعة غير المسبوقة حين فرضت الولايات المتحدة عقوبات مباشرة على ألبانيز وصفتها بأنها “تدابير عقابية” بسبب “جهودها لحث المحكمة الجنائية الدولية على اتخاذ إجراءات ضد مسؤولين وشركات وموظفين تنفيذيين في الولايات المتحدة وإسرائيل” حيث منعتها العقوبات من دخول الولايات المتحدة ومن التعامل المصرفي فيها، وأوقفت حساباتها البنكية تماما.

 

في المقابل نددت المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة فرانشيسكا ألبانيزي بالعقوبات الأميركية المفروضة عليها، ووصفتها بأنها “أساليب مافيا” هدفها “تشويه سمعتها”.، كما وعدت بتقديم أحدث تقاريرها إلى الأمم المتحدة من جنوب أفريقيا بعدما حالت العقوبات الأميركية دون سفرها إلى مقر المنظمة في نيويورك.

وقد استضافت جنوب أفريقيا -التي قطعت علاقاتها مع إسرائيل ورفعت دعوى ضدها أمام محكمة العدل الدولية– ألبانيزي في فعالية شاركت فيها مؤسسات دينية وحقوقية، أبرزها مؤسسة نيلسون مانديلا وحركة المقاطعة العالمية “بي دي إس“. 

أما التقرير الذي يمتد لأكثر من 50 صفحة، يتهم 63 دولة إلى جانب عديد الجهات والشركات، متهما إياها بالتواطؤ في “الإبادة الجماعية في غزة”، مشيرة إلى أن التواطؤ “ليس فقط الفعل المباشر، بل يأتي أيضا عبر الصمت، الدعم المادي، الحماية الدبلوماسية، والتجارة مع الظالم”.

ولكن في مايو 2026 أصدر قاض أمريكي وهو ريتشارد ليون قراراً بوقف مؤقتاً بالعقوبات، معتبراً أن إدارة ترامب انتهكت حق ألبانيز في حرية التعبير بموجب التعديل الأول للدستور الأمريكي، ومع ذلك وفي مايو 2026، أعادت إدارة ترامب إدراج اسم ألبانيز في قائمة العقوبات بعد هذا القرار القضائي، مما يعكس التزام الإدارة بمعاقبتها رغم الحكم القضائي الرافض.

أما الموقف الأوروبي فكان أكثر تعقيداً على سبيل المثال، اتخذت موقفاً حاداً ضد ألبانيز على سبيل المثال طالب النائب الفرنسي جان نويل باروه باستقالة ألبانيز، واصفاً تصريحاتها بأنها “شائنة ومستهجنة”، وأشار إلى تصريحاتها حول “اللوبي اليهودي” وتشبيهها لإسرائيل بـ “الرايخ الثالث”.

غير أن 150 شخصية بارزة، منهم دبلوماسيون هولنديون سابقون ووزراء سابقون من اليونان والأرجنتين والدنمارك، أصدروا بياناً مفتوحاً في فبراير 2026 أدانوا فيه ما وصفوه بـ “استخدام تصريحات غير دقيقة ومحرفة لتشويه سمعة حاملة تفويض أممي مستقلة”، داعين الخارجية الفرنسية إلى تصحيح التصريحات المنسوبة لألبانيز.

ومع ذلك صمدت ألبانيز أمام هذا المد بل وتمسكت بمواقفها حيث حذرت من “أسرائيل الكبرى” وما أسمته “الإسرائيلية” في أوروبا، محذرة دول أوروبية مثل اليونان من أن إسرائيل تستغل مخاوفها وانعدام أمنها لتحقيق أهدافها الإقليمية.

وفي 2026 أيضا عادت بنفس وضوحها وحدة مواقفها، حيث تحدثت عن “عدو مشترك” في إشارة لإسرائيل والولايات المتحدة، واتهمت بدلاً من إيقاف إسرائيل “معظم دول العالم قامت بتسليحها”.

كما أصدرت ألبانيز تحذيرات قوية حول ما تصفه بـ “المذابح الجماعية” في الضفة الغربية.، مشيرة إلى أن “مجموعات من المستوطنين الإرهابيين، بدعم من جنود الاحتلال الإسرائيلي، تنفذ هجمات واسعة”، وطالبت بفرض حظر على الأسلحة الموجهة لإسرائيل وحماية دولية للمدنيين الفلسطينيين.

أصبحت فرانشيسكا ألبانيز نموذجًا لشخصية اختبرت مبادئها في أكثر اللحظات قسوة، فلم تزدها حملات التشويه والضغوط السياسية والعقوبات إلا تمسكًا بما تعتبره واجبًا قانونيًا وأخلاقيًا في الدفاع عن حقوق الإنسان. وفي المقابل، تظل غزة، بما شهدته وما تزال تشهده من مآسٍ، اختبارًا مفتوحًا لضمير العالم ولقدرة المؤسسات الدولية والدول والأفراد على الانتصار لمبادئ القانون الدولي بعيدًا عن ازدواجية المعايير.

1 وألبانيزي هي باحثة منتسبة إلى معهد دراسة الهجرة الدولية في جامعة جورجتاون، قامت بتأليف عدد من المجلدات الهامة منها اللاجئون الفلسطينيون في القانون الدولي والصادر عن جامعة أكسفورد 2020، الذي يعد مرجعا مهما في القضية، أما عام 2024 فقد أصدرت كتاب بعنونا “أنا أتهم” والصادر عن دار فوريسشينا، والذي يعود اسمه إلى المقالة التاريخية الشهيرة “أنا أتهم” التي كتبها الأديب الفرنسي إميل زولا عام 1898 للدفاع عن الضابط “ألفرد دريفوس” وضد ظلم المؤسسة العسكرية آنذاك
2 في عام 2014 اعتبرت ألبانيز أن خضوع الولايات المتحدة لرغبات إسرائيل ما هو إلا انعكاسا لشعورها بالذنب تجاه “الهولوكوست” وهو ما أثار عاصفة من الانتقادات، وبداية اتهامها بمعاداة السامية. 

وهو ما رفضته ألبانيز بقوة حيث أوضحت بشكل حاسم أن توجيه الانتقادات لاسرائيل لايعني اتهام عموم اليهود بأي شيء كمجموعة دينية، ولكن إسرائيل طالما اعتمدت على ذلك الاتهام لإقصاء كل من ينقد سياساتها القومية والعرقية خصوصا.

3 في المقابل نددت المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة فرانشيسكا ألبانيزي بالعقوبات الأميركية المفروضة عليها، ووصفتها بأنها “أساليب مافيا” هدفها “تشويه سمعتها”.، كما وعدت بتقديم أحدث تقاريرها إلى الأمم المتحدة من جنوب أفريقيا بعدما حالت العقوبات الأميركية دون سفرها إلى مقر المنظمة في نيويورك.
4 كما أصدرت ألبانيز تحذيرات قوية حول ما تصفه بـ “المذابح الجماعية” في الضفة الغربية.، مشيرة إلى أن “مجموعات من المستوطنين الإرهابيين، بدعم من جنود الاحتلال الإسرائيلي، تنفذ هجمات واسعة”، وطالبت بفرض حظر على الأسلحة الموجهة لإسرائيل وحماية دولية للمدنيين الفلسطينيين.
5 “تم بلوغ السقف الذي يفيد بأن أعمال إبادة قد ارتكبت بحق الفلسطينيين في غزة”.
فرانشيسكا ألبانيزي، مارس 2024
من تقرير “تشريح عملية إبادة”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى