حق ومعرفة (16).. ماذا تعرف عن “بيت الذاكرة” في غامبيا.. متحف يحفظ شهادات الضحايا ويعلم الأجيال معنى العدالة

مشروع بيت الذاكرة – مصدر الصورة: صفحة منظمة “ANEKED”، التابع لها المشروع
حين رأت “فاتو تيريما جينغ” صورها معلقة على جدران “بيت الذاكرة” في العاصمة الغامبية بانجول، شعرت للمرة الأولى بأن قصتها لم تعد مجرد ذكرى مؤلمة تحتفظ بها أسرتها، بل جزء من ذاكرة عامه تحفظ شهادات ضحايا الانتهاكات التي شهدتها البلاد خلال حكم الديكتاتور يحيى جامع، الرئيس السابق للبلاد.
ويمثل “بيت الذاكرة” أول مركز للحفظ والذاكرة في غامبيا، إذ يجمع بين التوثيق والتثقيف والدفاع عن الحق في معرفة الحقيقة، وذلك من خلال معارض وشهادات ومقتنيات تروي فصولا من تاريخ الانتهاكات التي شهدتها البلاد، وتسعى إلى منع تكرارها مستقبلا.
ولا يُعد “بيت الذاكرة” مجرد متحف أو مركز للمعارض بل مساحة تجمع بين التوثيق والعدالة والذاكر، حيث أُنشئ المركز بهدف توثيق انتهاكات حقوق الإنسان وإبقاء قصص الضحايا حاضرة في الوعي العام، وفقا لموقع “BBC”
وتعرّف الشبكة الأفريقية المناهضة لعمليات القتل خارج نطاق القضاء والاختفاء القسري (ANEKED) بيت الذاكرة باعتباره مركزا تذكاريا يحتضن معرضا دائما يحمل اسم “واجب التذكر – The Duty to Remember”، إلى جانب معارض مؤقتة تنظمها منظمات وأفراد يشاركون في مسار العدالة الانتقالية في غامبيا، وتهدف هذه الأنشطة إلى تعزيز الحوار حول حقوق الإنسان والعدالة، خصوصا بين الشباب والطلاب، وفقا لـ”ANEKED”، مُطلقة المشروع.
توثيق الماضي من أجل المستقبل

طلاب مدرسة يزورون “بيت الذاكرة” – مصدر الصورة: صفحة منظمة “ANEKED”
يستند المعرض الدائم “واجب التذكر” إلى قوة السرد البصري في توثيق مرحلة العدالة الانتقالية في غامبيا. وتسعى المبادرة إلى الإسهام في ترسيخ حق المجتمع في معرفة الحقيقة بشأن الانتهاكات التي وقعت في الماضي والظروف التي أدت إليها، كما تهدف إلى توعية الأجيال الجديدة بما جرى لمنع تكراره مستقبلا تحت شعار “لن يتكرر أبدا”. وفقا لموقع المنظمة.
ولا يقتصر دور المعرض على عرض الصور والوثائق، بل يمنح الضحايا والناجين مساحة للتعبير عن تجاربهم بأنفسهم، بما يساعد على كسر الصور النمطية التي قد تُرسم عنهم/ن أو اختزالهم/ن في أرقام وإحصاءات. وفقا لموقع المنظمة.
ويضم “بيت الذاكرة” صورا فوتوغرافية ومقتنيات شخصية، من بينها بطاقات هوية وملابس تعود لأشخاص يُعتقد أنهم تعرضوا للقتل خارج نطاق القانون أو للاختفاء القسري خلال فترة حكم يحيى جامع، الذي حكم غامبيا بين عامي 1994 و2016 وسط مزاعم واسعة بارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان. بحسب “BBC“.
من مأساة شخصية إلى مشروع للذاكرة

نانا-جو نداو – المصدر: موقع منظمة “ANEKED”
تقف وراء هذه المبادرة الناشطة الحقوقية وصانعة الأفلام نانا-جو نداو، التي تحولت تجربتها الشخصية إلى دافع للعمل الحقوقي. ففي عام 2013 اختفى والدها سول نداو – وهو رجل أعمال بارز ومعارض لجامع – خلال رحلة قام بها إلى السنغال، واختفى معه كذلك السياسي السابق ماهاوا تشام الذي كان برفقته. وفي عام 2019، اعترف أحد أعضاء جماعة “جانغلارز” شبه العسكرية التي كانت تتلقى أوامرها مباشرة من جامع أمام لجنة تحقق في مزاعم الانتهاكات التي ارتكبها نظام الرئيس السابق بأنه دفن جثمان نداو في مزرعة الكاجو التي يمتلكها جامع في غامبيا.
وطبقا لشهادة عضو الجماعة هذا، ويدعى عمر جاللو، فإن نداو اختُطف من السنغال وقتل بأوامر الرئيس السابق.
وتقول “ANEKED” إن نانا-جو نداو أسست المنظمة بعد حملة طالبت بمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، بهدف ضمان ألا يُجبر الضحايا أو أسرهم على الصمت مجددا.
وتؤكد المنظمة أن اهتمامها يركز بصورة خاصة على النساء الناجيات، اللواتي غالبا ما يتحملن الآثار الاجتماعية والاقتصادية والقانونية للاختفاء القسري والقتل خارج نطاق القانون، رغم أن أصواتهن تبقى أقل حضورا في النقاش العام.
التعليم في مواجهة النسيان

وزارة التعليم الغامبية تنظم زيارات مدرسية لـ “بيت الذاكرة” – مصدر الصورة: صفحة منظمة “ANEKED”
ونشاط “بيت الذاكرة” غير قاصر على التوثيق بل يمتد إلى التعليم والتوعية، فقد أصبح المركز ضمن المواقع التي توافق وزارة التعليم الغامبية على تنظيم زيارات مدرسية لها، بهدف تعريف الطلاب بتاريخ بلادهم وتجاربها السياسية والحقوقية. وفقا لبي بي سي.
وتعمل المؤسسة كذلك مع المدارس والمجموعات الشبابية على تنظيم برامج وورش عمل حول حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية. ومن خلال هذه الأنشطة يسعى “بيت الذاكرة” إلى مواجهة ما تصفه القائمات عليه بـــ”نسيان الديكتاتورية”، أي تراجع الوعي العام بما حدث خلال سنوات الحكم السابقة مع مرور الزمن، وما قد يترتب على ذلك من تكرار الأخطاء والانتهاكات ذاتها.
مساحة للتعافي أيضا
إلى جانب دوره التوثيقي والتعليمي، يؤدي “بيت الذاكرة” وظيفة إنسانية في غاية الأهمية؛ فبالنسبة لكثير من الضحايا يمثل المكان فرصة للحديث عن تجارب ظلوا يحتفظون بها لسنوات طويلة.
وتروي شبكة هيئة الإذاعة البريطانية “BBC” قصة فاتو، التي تعرضت أسرتها لوصم اجتماعي طويل بعد اتهام والدتها بممارسة السحر خلال حملات عُرفت باسم “مطاردة السحرة”. وتقول إن رؤية صورتها ومقتنيات أسرتها معروضة داخل “بيت الذاكرة” ساعدتها على استعادة جزء من شعورها بالأمان والانتماء، ومنحتها فرصة للتحدث علنا عن تجربتها للمرة الأولى، لافتة إلى أنها لم تتوقف عن الابتسام طوال ذلك اليوم، بعدما رأت قصتها وقصص آخرين تتحول إلى جزء من ذاكرة عامة تحفظ ما جرى وتمنح الضحايا مساحة لسرد رواياتهم.
وبهذا ندرك أن “بيت الذاكرة” لا يحفظ ذاكرة الماضي و ويعزز الحوار البنّاء حول حقوق الإنسان والعدالة فحسب، بل يساهم أيضا في تضميد جراح الحاضر؛ فهو مكان يجتمع فيه التوثيق مع التعليم، والعدالة مع السرد الإنساني، ليذكر الغامبيين بأن مواجهة الانتهاكات تبدأ أحيانا من أبسط خطوة: أن تُروى القصة، وألا تُنسى.

معرض “بيت الذاكرة” الافتراضي – مصدر الصورة: لقطة شاشة “سكرين شوت” من موقع المشروع
المقتنيات الشخصية تحول الأرقام إلى قصص
وخلال زيارة أجراها محمد لطفي، المدير التنفيذي للمفوضية المصرية للحقوق والحريات، إلى “بيت الذاكرة” في العاصمة الغامبية بانجول، لفتت انتباهه المقتنيات الشخصية المعروضة لضحايا الاختفاء القسري والانتهاكات التي شهدتها البلاد خلال حكم الرئيس السابق يحيى جامع.
ويقول المدير التنفيذي للمفوضية المصرية، إن أكثر ما أثّر فيه لم يكن الصور أو الوثائق وحدها، بل الأغراض التي تركها الضحايا خلفهم؛ من ملابس وصور عائلية وشهادات علمية وجوائز ومقتنيات شخصية أخرى، عُرضت إلى جوار روايات مختصرة تروي قصص أصحابها وظروف اختفائهم أو الانتهاكات التي تعرضوا لها.
ويرى لطفي أن قوة هذه المقتنيات تكمن في أنها تنقل الضحايا من خانة الأرقام والإحصاءات إلى مساحة أكثر إنسانية، إذ تُظهر أنهم أشخاص كانت لهم حياة وعائلات وأحلام ومسارات مهنية قبل أن تنقطع أخبارهم أو يجهل مصيرهم. ويضيف أن مشاهدة تلك الأغراض الشخصية ساعدته على استشعار جانب من مشاعر الأسر التي ما زالت تحتفظ بما تبقى من ذكريات أحبائها.
التعليم ضد تكرار الانتهاكات
محمد لطفي: المدير التنفيذي للمفوضية المصرية للحقوق والحريات
ولم تكن المعروضات وحدها ما لفت انتباهه، إذ يشير لطفي إلى أن مشهد الزيارات المدرسية للمتحف كان من أكثر اللحظات تأثيرا خلال الزيارة. فبعد خروجه من المعرض، شاهد مجموعة من التلاميذ يجلسون حول معلمتهم العشرينية التي كانت تشرح لهم أهمية احترام حقوق الإنسان: “إذا أردت أن تكون قائدا صالحا لشعبك فيجب أن تحترم الحقوق”
ويعتبر لطفي أن هذه الزيارات تعكس أحد أهم أدوار “بيت الذاكرة”، وهو نقل دروس الماضي إلى الأجيال الجديدة التي لم تعاصر تلك الانتهاكات، بما يساعد على فهم خطورة ما جرى ويعزز الوعي بأهمية عدم تكراره مستقبلا.
الاعتراف بالماضي خطوة نحو العدالة
وبحسب المدير التنفيذي للمفوضية المصرية، فإن قيمة “بيت الذاكرة” لا تقتصر على تخليد ذكرى الضحايا، بل تمتد إلى كونه شكلا من أشكال الاعتراف الرسمي والمجتمعي بالانتهاكات التي وقعت. ويرى أن السماح بوجود هذا المزار التذكاري يعكس إقرارا بأن أخطاء جسيمة حدثت في الماضي، وأن من الضروري مواجهتها وعدم إنكارها.
ويشير لطفي إلى أن المتحف يمنح المواطنين فرصة للاطلاع على أدلة وشهادات ومقتنيات تجعل الانتهاكات أكثر وضوحا وأقرب إلى الأذهان والمشاعر، خصوصا بالنسبة لمن كانوا يسمعون عنها دون أن يدركوا حجمها أو يصدقوا وقوعها. كما يمثل، “ذاكرة حية” للضحايا وأسرهم، ورسالة رمزية قوية ترفض طمس ما جرى.
ويلفت لطفي إلى أن البعد الشخصي حاضر أيضا في المشروع، إذ إن الناشطة الحقوقية التي تدير منظمة “ANEKED” هي ابنة أحد الأشخاص الذين تعرضوا للاختفاء القسري، وتُعرض صورته ومقتنياته ضمن محتويات المتحف.
ويؤكد أن مثل هذه المبادرات تمثل أحد أشكال جبر الضرر المعنوي للضحايا وأسرهم، إلى جانب المسارات القضائية الرامية إلى محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.. كما تساهم في تحقيق أحد الأهداف الأساسية للعدالة الانتقالية وهو ضمان عدم تكرار الانتهاكات مستقبلا من خلال الاعتراف بها ومناقشتها والعمل على إصلاح المؤسسات والقوانين التي سمحت بحدوثها.
ويضيف لطفي أن المجتمعات التي شهدت انتهاكات جسيمة لا يتأثر بها الضحايا المباشرون وحده بل تمتد آثارها إلى المجتمع بأسره، فالمعاناة التي تطال جزء من الكل، تؤدي معاناة الكل. ومن ثم فإن مواجهة الماضي والتعامل معه قانونيا ونفسيا ومعنويا تمثل خطوة ضرورية لتجاوز تلك المرحلة وبناء مستقبل أكثر عدالة واحتراما للحقوق.
أخيرا.. يوفر”بيت الذاكرة” منصة لضحايا انتهاكات حقوق الإنسان لإيصال قصصهم والتأثير على الطريقة التي تُصوَّر بها صورتهم في وسائل الإعلام، وينظم معرضا افتراضيا ثلاثي الأبعاد يُمكنكم/ن مطالعته أونلاين بالضغط هـــنـــــا.
الموقع الالكتروني لمبادرة بيت الذاكرة
.
| 1 | لا يُعد “بيت الذاكرة” مجرد متحف أو مركز للمعارض بل مساحة تجمع بين التوثيق والعدالة والذاكرة |
| 2 | بعد اختفاء أبيها أسست نانا-جو نداو منظمة “ANEKED” بهدف ضمان ألا يُجبر الضحايا أو أسرهم على الصمت مجددا |
| 3 | أُنشئ “بيت الذاكرة” بهدف توثيق انتهاكات حقوق الإنسان وإبقاء قصص الضحايا حاضرة في الوعي العام |
| 4 | لا يقتصر دور المعرض على عرض الصور والوثائق بل يمنح الضحايا والناجين مساحة للتعبير عن تجاربهم بأنفسهم |
| 5 | يرى محمد لطفي المدير التنفيذي للمفوضية المصرية للحقوق والحريات أن قوة المقتنيات الموجودة في “بيت الذاكرة” تكمن في أنها تنقل الضحايا من خانة الأرقام والإحصاءات إلى مساحة أكثر إنسانية |
| 6 | يعتبر لطفي أن الزيارات المدرسية تعكس أحد أهم أدوار “بيت الذاكرة”، وهو نقل دروس الماضي إلى الأجيال الجديدة التي لم تعاصر تلك الانتهاكات بما يساعد على فهم خطورة ما جرى ويعزز الوعي بأهمية عدم تكراره مستقبلا |
| 7 | لطفي: السماح بوجود هذا المزار التذكاري يعكس إقرارا بأن أخطاء جسيمة حدثت في الماضي وأن من الضروري مواجهتها وعدم إنكارها |




