حق ومعرفة (16).. مدافع,, محمد أبو الديار.. من الدفاع عن سجناء الرأي إلى الحبس الاحتياطي

يواجه المدافعون عن حقوق الإنسان في مصر مخاطر متعددة نتيجة دفاعهم عن الحقوق والحريات، ولعل أبرز هذه المخاطر هو التعرض للاعتقال التعسفي والحبس لفترات طويلة بسبب ممارسة حقهم المشروع في إبداء الرأي والتعبير، وتعزيز وحماية الحقوق المدنية والسياسية، وكذلك الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. نسلط الضوء هنا على المحامي محمد أبو الديار، الذي يقبع خلف القضبان منذ مايو 2026 بسبب مشاركته في عضوية “لجنة الدفاع عن سجناء الرأي” التي تأسست في 2025، للدفاع بشكل سلمي عن أي مواطن يتعرض للاحتجاز والملاحقة القانونية غير المبررة على خلفية ممارسته لحقه الدستوري في التعبير عن الرأي.
من هو محمد أبو الديار؟
ومحمد أبو الديار هو محامي وسياسي وُلد في مركز قلين بمحافظة كفر الشيخ، وتخرج من كلية الحقوق جامعة طنطا في عام 1999، وعمل بمهنة المحاماة، وشغل منصب أمين صندوق رابطة محامي الدقي، وقد شارك في ثورة 25 يناير 2011.
وخلال الانتخابات الرئاسية الماضية (2024) شغل أبو الديار منصب مدير حملة المرشح الرئاسي أحمد الطنطاوي، والمتحدث باسم الحملة قبل أن يتم استعباد الطنطاوي من الانتخابات ويُسجن الاثنان وآخرين من أعضاء الحملة.
ورغم سجنه لمدة سنة سابقا إلا أن أبو الديار عاد واستأنف نشاطه السياسي والحقوقي، حيث شارك في نوفمبر 2025 في تدشين رابطة الدفاع عن سجناء الرأي في مصر، والتي تُعرف باسم “اللجنة الشعبية للدفاع عن سجناء الرأي” والتي تضم عددًا من المهتمين والشخصيات العامة، للدفاع بشكل سلمي عن أي مواطن يتعرض للاحتجاز والملاحقة القانونية غير المبررة على خلفية ممارسته لحقه الدستوري في التعبير عن الرأي. وقد نظمت العديد من الفعاليات والأنشطة بهدف حث السلطات المصرية على الإفراج عن جميع سجناء الرأي.

أبو الديار وطنطاوي – مصدر الصورة: حملة أحمد الطنطاوي
وفي 12 مايو 2026، نظمت لجنة الدفاع عن سجناء الرأي معرض صور مفتوح للجمهور بعنوان ‘السجن مش مكانهم، في مقر حزب العيش والحرية (تحت التأسيس) في القاهرة، سلّط الضوء على حالات عدد من الأشخاص المحتجزين تعسفيًا، من بينهم أشرف عمر، ومروة عرفة، ومحمد عادل ويحيى حسين عبد الهادي.

جانب من معرض لجنة الدفاع عن سجناء الرأي – مصدر الصورة: صفحة اللجنة
وعلى خلفية هذا المعرض، وعقب ساعات من إصدار اللجنة بيانًا يدين اعتقال الناشط السياسي نائل حسن، وحبسه احتياطيًا في 24 مايو 2026 على ذمة التحقيقات بتهم تتعلق بآرائه على شبكة الإنترنت، توجهت قوة من الشرطة المصرية إلى منزل أبو الديار في الساعة الواحدة بعد منتصف الليل يوم 25 مايو 2026، حيث جرى القبض عليه. وفتح وكلاء النيابة في نيابة أمن الدولة العليا تحقيقات بحقه على خلفية تهم بـ”الانضمام إلى جماعة إرهابية”، و”نشر أخبار كاذبة”، و”استخدام موقع إلكتروني للترويج لأنشطة إرهابية”.
وجاء القبض على أبو الديار في إطار حملة أمنية طالت ثلاثة من أعضاء لجنة الدفاع عن سجناء الرأي؛ وهم المحامي أبو الديار، بالإضافة إلى المحامية بالنقض وفاء المصري، والناشطة حنان طنطاوي، اللتين جرى إطلاق سراحهما لاحق.

جانب من معرض لجنة الدفاع عن سجناء الرأي – مصدر الصورة: صفحة اللجنة
ووفقًا لمحاميته من المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، استجوب وكلاء النيابة أبو الديار بشأن عمل لجنة الدفاع عن سجناء الرأي، والمعرض الذي نظمته ومكان انعقاده، وأسباب عمله في الحملة الانتخابية لأحمد الطنطاوي. وقدمت الشرطة، كأدلة على هذه التهم المذكورة لقطة شاشة لمحتوى نُشر على فيسبوك بشأن سجناء الرأي، وقرصًا مدمجًا يحتوي على مواد متعلقة بالصور التي عُرضت في المعرض.
ماذا جرى في التحقيقات؟
وحول تفاصيل التوقيف والتحقيق، قال محام المفوضية المصرية للحقوق والحريات، إنه جرى القبض على “أبو الديار” في الواحدة من فجر الخميس 25 مايو 2026 وجرى اقتياده إلى مقر الأمن الوطني في مدينة السادس من أكتوبر ولم يتم التحقيق معه وظل محتجزا حتى تم اقتياده لنيابة أمن الدولة العليا التي وجهت له اتهامات بالانضمام إلى جماعة إرهابية ونشر وإشاعة أخبار كاذبة واستخدام موقع بهدف الترويج لأعمال إرهابية.
وأضاف أن الأحراز كانت عبارة عن منشور على فيسبوك يخص الإفراج عن السجناء، وخلال التحقيقات عُرض عليه “سي دي” له علاقة بالصور التي تم عرضها في معرض الصور الذي نظمته لجنة الدفاع عن سجناء الرأي.
ووفق محامي المفوضية، قال أبو الديار خلال التحقيقات إنه شارك في ثورة يناير وثورة 30 يونيو، ووقع على استمارة تمرد، ثم توقف عن العمل السياسي واشتغل بالعمل الخيري والإنساني والاجتماعي، موضحا أنه أسس مؤسسة الديار الخيرية، وكان رئيس مجلس إدارة مدرسة الكرامة الإعدادية، ومقررا للجنة النقابية بالجيزة، وحينما قرر السياسي أحمد الطنطاوي خوض انتخابات الرئاسة 2024 انضم للحملة وأصبح منسقا لها.
وقال محامي المفوضية إن أبو الديار روى خلال التحقيقات أيضا – بناء على الأسئلة التي وجهت له – تفاصيل تخص دوره في حملة الطنطاوي وقضية التوكيلات وتفاصيل محاولة ترشحه لانتخابات مجلس النواب الأخيرة (2025)، والقضية التي أقامها أمام القضاء الإداري ضد استبعاده من كشوف الناخبين وم ثم حرمانه من الترشح للانتخابات.
وأشار إلى أن نيابة أمن الدولة وجهت إلى أبو الديار خلال التحقيقات أسئلة من نوعية “إيه اللي مش عاجبك في البلد وإيه اللي خلاك تنضم للحملة”، لافتا إلى أن المحامي الشاب أجاب أن أفكار الطنطاوي متسقة مع أفكاره، وشدد على أنه غير راضي على سياسة الاقتراض التي تتبعها الحكومة الحالية.
ووفق محامي المفوضية، قال أبو الديار عن مشاركته في لجنة الدفاع عن سجناء الرأي، إن اللجنة تأسست في سبتمبر من العام 2025 للمطالبة بالإفراج عن سجناء الرأي الذين لم يشاركوا في أي أعمال عنف أو الدعوة لها بأي شكل، مضيفا أن مؤسسي اللجنة مجموعة من الشخصيات العامة والأحزاب السياسية. ولم يُنكر أبو الديار أحد المنشورات التي تم مواجهته بها، والتي كانت تطالب بالإفراج عن سجناء الرأي.
تجديدات بالمخالفة للقانون
ويقبع أبو الديار في زنزانة بـ”مركز الإصلاح والتأهيل” العاشر من رمضان 4، ويتم تجديد حبسه احتياطيا بصفة دورية. وترى المبادرة المصرية للحقوق والحريات أن قرارات استمرار حبسه تأتي مخالفة لنص المادة 134 من قانون الإجراءات الجنائية الساري، والتي تقصر حبس المتهمين احتياطيًا على حالات محددة لا ينطبق أي منها على المحامي محمد أبو الديار، إذ أنه لم يقبض عليه “متلبسًا” بالجريمة المنسوبة إليه، إلى جانب أنه لا يخشى هروبه، إذ أن له محل إقامة وعمل معلومين، فضلًا عن كونه زوج وأب لصغار يحتاجون رعايته. وأخيرًا يسمح القانون باللجوء إلى الحبس الاحتياطي عند خشية الإضرار بمصلحة التحقيق أو توقي الإخلال الجسيم بالأمن والنظام العام، وهو ما لا ينطبق كذلك على وضع أبو الديار بأي حال.
وقبل اعتقاله كان أبو الديار يصر على استكمال نضاله السياسي من خلال محاولة بناء حزب تيار الأمل والدفع بمرشحين للانتخابات البرلمانية المقبلة، وتجاوز أزمة الانتخابات الرئاسية التي انتهت بحبسه مع الطنطاوي و21 آخرين من داعميه بعد الحكم عليهم بالحبس سنة بتهمة طباعة وتداول أوراق تخص العملية الانتخابية دون تصريح، حيث قال في حوار صحفي إن “الناس محتاجة المعارضة الحقيقية التي لا تتفق ولا تهادن. المعارضة اللي شايفة الغلط غلط والصح صح، ما فيش حاجة اسمها لون رمادي في المواقف”، معتبرًا أن تدني نسب المشاركة في انتخابات مجلس الشيوخ تعكسُ رغبة المواطنين في إيجاد “معارضة حقيقية”.
لكن أبو الديار فوجئ – في أكتوبر 2025 – لدى تجهيزه أوراق ترشحه على أحد المقاعد الفردية بانتخابات مجلس النواب المقبلة، عن دائرة كفر الشيخ وقلين، ومن بينها شهادة تثبت تمتعه بمباشرة حقوقه السياسية، بأن الهيئة الوطنية للانتخابات حذفت اسمه من قاعدة بيانات الناخبين على نحو يحول بينه وبين الترشح في الانتخابات أو ممارسة حقوقه السياسية. وعد أبو الديار قرار حذف اسمه من قاعدة الناخبين “مخالفًا للقانون”، وقال حينها “أنا مش ممنوع من مباشرة حقوقي السياسية بحكم المحكمة”، مؤكدًا أنه أقام دعوى قضائية مستعجلة أمام محكمة القضاء الإداري بكفر الشيخ وحددت المحكمة جلسة 8 أكتوبر لنظرها، لكن المحكمة رفضت دعوى أبو الديار حينها وأيدت حرمانه من الترشح للانتخابات.
ليست المرة الأولى

أبو الديار وطنطاوي خلال انتخابات 2024 – مصدر الصورة: حملة أحمد الطنطاوي
وكان أبو الديار قد عوقب في فبراير 2024 بالحبس لمدة سنة، حيث قضت محكمة بسجنه عام، بتهم التآمر وتحريض الآخرين على “نشر أوراق متعلقة بالعملية الانتخابية من دون تصريح”. هذه التهم جاءت نتيجة دعوات وجهتها حملة أحمد الطنطاوي الانتخابية حثت الناس على استكمال نماذج تأييد الترشيح عبر الإنترنت، بعدما واجه مؤيدوه عراقيل وتعرضوا للترهيب عند محاولتهم تسجيل النماذج في مكاتب الشهر العقاري.
وقتئذ، توجه أبو الديار لحضور محاكمته على خلفية اتهامات لم يُحقق معه فيها قط. وفي 17 ديسمبر 2024، قضت محكمة نقض الجنح، بتأييد الحكم الصادر على كل من الطنطاوي وأبو الديار، بالحبس سنة مع الشغل لإدانتهم في القضية المعروفة إعلاميًا بـ”التوكيلات الشعبية”، ليصبح الحكم في هذه القضية باتًا وغير قابل للطعن. وقضى كامل الحكم الصادر عليه.
مطالب حقوقية بالإفراج عن أبو الديار
ومع إعادة اعتقاله، طالبت عدة منظمات حقوقية بالإفراج الفوري عن أبو الديار دون قيد أو شرط،ومنها المفوضية المصرية للحقوق والحريات، التي أدانت القبض على وفاء المصري. والدكتورة حنان الطنطاوي، ومحمد أبو الديار وطريقة القبض عليهم، معربة عن تضامنها معهم والمطالبة بإخلاء سبيلهم بعد انتهاء التحقيق معهم. وكذلك المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، التي طالبت النائب العام المستشار محمد شوقي بالإفراج الفوري عن المحامي محمد أبو الديار وإسقاط كافة الاتهامات الموجهة إليه، إذ أنه لم يرتكب أي جريمة، يعاقب عليها القانون أو الدستور الذي يحظر الانتقاص من حقوق المواطنين الدستورية ومنها الحق في التعبير عن الرأي.
وفي 5 يونيو 2026، قالت منظمة العفو الدولية، إنه يجب على السلطات المصرية الإفراج فورًا ودون قيد أو شرط عن محمد أبو الديار.
وطالبت مؤسسة دعم القانون والديمقراطية مطالبتها للسلطات المصرية، بضرورة وقف الاستهداف الممنهج لحرية التعبير، وإطلاق سراح كافة سجناء الرأي والضمير وبينهم أبو الديار، وإسقاط الاتهامات الملفقة الموجهة إليهم.
وعن واقعة القبض على أبو الديار، قالت رابطة أسر المعتقلين – في بيان لها – إن هذه الواقعة تمثل مؤشرًا بالغ الخطورة على أوضاع العدالة وسيادة القانون في مصر، لافتة إلى أنها “تطرح تساؤلًا جوهريًا: إذا كان المحامي الذي يدافع عن الحقوق معرضًا للحبس بسبب عمله، فمن الذي سيدافع عن حق المواطنين في العدالة؟”، معتبرة أن سياسة الملاحقة في مصر لم تعد تستهدف أصحاب الرأي وحدهم، وإنما امتدت لتشمل كل من يقدم لهم الدعم القانوني أو الحقوقي أو الإنساني، بما يحول ممارسة المحاماة والحقوق إلى مخاطرة قد تنتهي بصاحبها داخل الزنازين.
وحملت رابطة أسر المعتقلين، السلطات المصرية المسؤولية الكاملة عن استمرار هذا النهج الذي يقوض استقلال مهنة المحاماة، ويبعث برسالة تخويف إلى كل محامٍ يسعى للقيام بواجبه المهني، في مخالفة صريحة للدستور المصري، ولمبادئ استقلال المحاماة، وللمواثيق الدولية التي تكفل حق الدفاع والمحاكمة العادلة. وشددت على أن استمرار احتجاز محمد أبو الديار لا يمثل قضية فردية تخص محاميًا بعينه، بل يعكس واقعًا أصبحت فيه المطالبة بالحقوق والدفاع عن المظلومين سببًا للملاحقة والحرمان من الحرية.
وأكدت الرابطة – في بيانها – أن احترام سيادة القانون لا يتحقق بحبس المدافعين عنه، وأن العدالة لا تستقيم إذا تحول من يدافع عنها إلى متهم، ومن يطالب بتطبيق القانون إلى سجين، وطالبت بالإفراج الفوري عن المحامي محمد أبو الديار، وضمان حق جميع المحامين في أداء رسالتهم بحرية واستقلال، ووقف استهداف المدافعين عن الحقوق والحريات، باعتبار ذلك التزامًا قانونيًا ودستوريًا، وليس منحة من أي سلطة.
وتجدد نيابة أمن الدولة العليا حبس أبو الديار رغم تمسك الدفاع للمرة تلو الأخرى بذات الدفوع القانونية، وتمسكه هو أيضا بإنكار جميع الاتهامات المنسوبة إليه، مؤكدا أنه لم يرتكب أي فعل يشكل جر%8




