ها هي تبلغ اليوم عامها الأربعين..
وفي نفس اليوم تستعد لحفل زفاف ابنتها الوحيدة آمال الذي سيقام في تمام التاسعة مساءً في إحدى قاعات الاحتفالات المنتشرة على أطراف المدينة.
آمال.. تلك الابنة التي لولا أمها أماني وصمودها ومقاومتها ما وُجدت من الأساس.
تبدأ الحكاية منذ صبا الأم أماني..
عندما بلغت مبلغ الفتيات ورآها أهلها قد نمت نموًا جسديًا يفوق مثيلاتها وقريناتها من حولها، فإذا بهم يبدؤون رحلة البحث عن زوج!
كان ذلك رغم أنَّ أباها كان مدرسًا في إحدى مدارس الحي الحكومية، لكن جذوره الريفية المعقدة استطاعت التغلب على –بل وصرعت- ما اكتسبه من علم وثقافة خلال مشوار تعليمه الأكاديمي والعملي، أمها أيضًا رغم ما حصَّلت من تعليم لم تعارض الأب.
مرت أشهر قليلة حتى بدأ معرض الأزواج..
في بادئ الأمر كان الأب يشاور الفتاة ويأخذ برأيها..
وكأن عقله ما زال به خيالات من العلم..
وكأن نفسه ما زال بها طيف من البصيرة..
لكن الفتاة شأنها شأن من هن في نفس عمرها كانت تأبى أن تخوض التجربة في ذلك العمر، تلك التجربة التي رأتها بأم عينيها منذ بداية تشكل وعيها.
كانت ترى أمها تسمع من أبيها ما لا تستطيع دابة أن تسمعه من سائقها الذي يرغب أن تسير رغمًا عنها في طريق لا تريده أو تحمل ثقلًا فوق طاقتها.
هي لم تره أبدًا يضرب أمها..
لكنها كانت تلحظ بعض الكدمات على جسد أمها الضعيف.
أتى حازم..
الزوج الذي كان الشيب قد بدأ ينتشر برأسه التي بدأ الصلع يفترشها..
أتى حاملًا صندوقًا ورقيًا كبيرًا..
ناوله إياها دون أن ينطق بكلمة واحدة..
فقط رسم ابتسامة باهتة على وجهه مباعدًا ما بين شفتيه الدقيقتين.
اعتادت أماني على هذا الأداء الروتيني منه، فلم يكن هذا الصندوق سوى هدية لها في تلك المناسبة السنوية..
مرور عام آخر على وجودها في تلك الدنيا.
كل عام في مثل ذلك اليوم..
يأتي بصندوق مشابه راسمًا بسمة مشابهة..
أما هي فكل عام تمد ذراعيها بنفس الهيئة، وتهز رأسها نفس الهزة معبرة عن تقبلها لتلك الهدية.
حقيقة الأمر، أن ذلك الزوج حازم كان ترتيبه السادس في قطار الأزواج الذين كان يعرضهم عليها أبوها..
كعادتها وقتها رفضت الزواج، لكن الأب كان قد فاض به الكيل ونفد صبره، فقرر التخلي عما تحلى به فأرغمها على الارتباط بذلك الشاب حيث إنه لا يعيبه شيء -من وجهة نظره بالطبع- وتتمناه أي فتاة ترغب في الاستقرار الاجتماعي.
تزوجته..
لكنها من أول يوم لهما معًا -أو بالأحرى ليلة- أبت وبإصرار أن تكون نسخة مكررة من أمها. فقد حاول أهله إجبارها على حضورهم خلوة عرسهم ليشهدوا فض بكارتها، لكنها وقفت وحدها هي ودموع أمها أمام الجميع..
رفضت رفضًا باتًا..
لم يستطع أحد إجبارها..
وجد حازم أمامه نموذجًا مختلفًا فرضخ حتى لا تلوك ألسنة الجميع سيرته في بداية حياتهما، لكنه في قرارة نفسه نوى ترويضها لتصير مثل كل الإناث اللاتي عرفهن.
وهي أيضًا نوت..
ومن قبل تلك الليلة..
نوت ألا تكون مثل معظم الإناث اللاتي عرفتهن..
خاضعات..
يرضين بعنف من حولهن..
أيًا كان شكله وأسلوبه..
جسديًا كان أم معنويًا.
حاول حازم إرغامها مرارًا في خلوتهما على ما لا ترضى، وسيرًا على درب إصرارها لم تذعن إليه وكانت وسيلتها في ذلك الحوار ومحاولة الإقناع، حتى لما همّ برفع يده عليها ليضربها في أحد الأيام أمطرته بوابل من القيم وتعاليم دينه التي تناساها -أو أنساه إياه شيطانه، وكان بداخله شيء يسير من دين وعلم فهدأ وارتجع، لكنه كان يعاود أفعاله المشينة تلك بمجرد عودته لمن حوله.
أخذت الهدية السنوية..
لم تفتح العلبة..
تحججت بانشغالها بتجهيزات زفاف ابنتها..
آمال، تلك الابنة التي كانت سبب احتمالها طوال تلك السنوات الفائتة، كانت تكافح من أجلها، لكنها لم ترضخ، كانت تسعى جاهدة لإصلاح زوجها أبي ابنتها وتقاوم ما بداخله من نوايا شيطانية، كانت دائما تلعب على وتر ضميره الذي يستيقظ حينًا ويغفو أحيانًا.
آمال، تلك الابنة التي ولدت من رحم العدم، حيث إنه بمجرد علمه أن الجنين في أحشاء زوجته أنثى، اعتلاه همٌّ عجيب، لم يصرح به لكنه كان واضحًا جليًا على ملامحه، على صوته، على تصرفاته.
لمّح أكثر من مرة برغبته في إجهاضها..
لكن أماني رفضت..
وقفت له بالمرصاد..
هددت بإنهاء الزواج فورًا والانفصال الأبدي..
كانت تعلم أنه برغم ما يفعل كان يحبها، نعم كانت ترى حبه لها في مواطن قليلة، في لحظات غياب شيطانه، وفي لحظات صفائه المعدودة وراحة باله وكانت تحترم فيه ذلك، وتلعب على ذلك الوتر إذا ما فقد صوابه.
آمال، تلك الابنة التي طوال سني حياتها كانت ترى من الأب ما لا تراه صديقاتها وصويحباتها، كان يمارس معها العنف الأبوي بحجة التعليم والتربية، وخاصة أن الله لم يشأ أن يرزقهما بغيرها ذكرًا أو أنثى.
وعندما نضجت أراد أن يذهب بها إلى إحدى الطبيبات التي تربطه بها قرابة بعيدة لتقوم بختانها، وجاء دور الأم كعقبة كؤود في طريق عنف شيطان الأب، وهددت مرة أخرى بانفصالها عنه وهدم البيت، وجمعت له آراء كبار الفقهاء حول تلك العادة.
وها هي آمال وصلت لسن الزواج..
ولم تتزوج كما تزوجت أمها..
لم تُجبر على رجل بعينه.
كانت أماني ترى في ابنتها آمال ماضيها الذي لا بد من إصلاح ما أفسد الآخرون به، ماضيها الذي لم تستطع تغييره لظروف كثيرة وعوامل محيطة مختلفة فتمسكت بتذليل الطريق أمام ابنتها لكي تمر بسلام وتصل إلى نقطة تتحرر فيها من شياطين الإنس.
تزوجت أماني صغيرة..
فارق السن بينها وبين ابنتها لم يكن كبيرًا..
وكان ذلك أحد أهم العوامل التي قربتها إلى ابنتها مع ما رأت من وقوف أمها سندًا لها أمام تجاوزات الأب.
بدأ حفل الزفاف..
دخلت آمال، ابنتها الجميلة، ذراعها يحتضن ذراع زوجها، ذلك الشاب الوسيم الذي اختارته وارتضت به زوجًا بعد ما بدا لها من حسن خلقه طوال فترة الخطبة وتيقنت أنه ليس مثل جدها وأبيها.
انتهى الحفل..
انتهى بفقراته المتفق عليها قبلًا، غادر العروسان القاعة وانصرف المدعوون بعد التهاني والتبريكات، ولم يبق في قاعة الزفاف غيرها هي وزوجها..
أماني وحازم..
على طرفي الطاولة جلسا متقابلين..
حولهما العاملون يرتبون الطاولات الأخرى ليعيدوا القاعة إلى ما كانت عليه..
نظرت إليه وثبتت عينيها في عينيه وألقت أحمال الأعوام الماضية في جملة واحدة:
“ماذا سنفعل الآن؟”
رغم أنه أدرك غرضها من السؤال إلا أنه تظاهر بالوداعة والسذاجة وأجابها:
“نعود إلى بيتنا لنستريح من عناء ذلك اليوم وتلك الليلة”.
أخرجت من حقيبة يدها علبة صغيرة بها بعض من كبسولات علاجية..
تناولت واحدة..
أعقبتها ببعض رشفات من كأس ماء على الطاولة.
لم تُعلق، فعاود قائلًا:
- “لماذا الأشاوجاندا مرة أخرى؟”
- تلك الكبسولات تُعينني على التحمل، وتقويني على إجهاد جسدي وأعصابي، تساعدني على الاسترخاء والنوم إذا ما ألقاني الهمُّ بأرق، صارت لي صديقة في البضع سنوات الأخيرة، أتغلب بها على معاناتي شبه اليومية”.
خلال كلماتها تلك لم يستطع أن ينظر في عينيها وأطرق برأسه ناظرًا إلى نقطة وهمية على الطاولة.
خيَّم الصمت عليهما عندما انتهت من كلماتها..
كانت تود أن تسمع منه ردًا..
لكنها لم تسمع..
لأنه لم ينطق..
كان يخشى أن ينطق حرفًا فيكون هو القشة التي تقصم ظهر بعير حنقها وغضبها، أو الجذوة التي تزيد في غليانها حتى تنفجر في وجهه ويحدث ما لا يحمد عواقبه.
لم تستسلم كعادتها..
أعادت على مسامعه ذلك السؤال الذي هرب من الإجابة عليه..
أطبقت أصابعها على علبة الأشواجاندا حتى طبَّقتها بما فيها قائلةً:
“ماذا سنفعل الآن؟”.
*************

