المفوضية المصرية للحقوق والحريات

حق ومعرفة (16) .. نرشح لك .. فيلم أسرار رسمية – Official Secrets

“أسرار رسمية -Official Secrets”.. قصة “كاثرين” حدود الولاء للدولة مقابل واجب كشف الحقيقة

* جميع الصور الواردة في التقرير من مشاهد في الفيلم مصدرها موقع “IMDb”

“كونك رئيسًا للوزراء لا يعني أن من حقك اختراع الحقائق التي تناسبك”.. بهذه العبارة تتحدث كاثرين غان، وهي مترجمة كانت تعمل لدى أجهزة الأمن البريطانية في وحدة المراقبة التابعة لمقر الاتصالات الحكومية (GCHQ) في مدينة تشلتنهام، والتي خاطرت بكل شيء من أجل إيقاف حربٍ ظالمة، فوصفتها حكومتها بالخائنة.

قصة كاثرين المثيرة يوثقها فيلم “أسرار رسمية” (Official Secrets) -المستوحى من أحداث حقيقية هزت العالم – فقبل أكثر من 20 عاما كانت كاثرين تعمل في الاستخبارات البريطانية وتقتضي وظيفتها التعامل الروتيني مع معلومات سرية. وفي أحد أيام عام 2003، وقبيل اندلاع حرب العراق، تتلقى كاثرين وزملائها مذكرة من وكالة الأمن القومي الأمريكية (NSA) تتضمن توجيهاً صادماً: تسعى الولايات المتحدة للحصول على مساعدة بريطانيا لجمع معلومات تدين أعضاء مجلس الأمن الدولي، وذلك بهدف ابتزازهم ودفعهم للتصويت لصالح غزو العراق. 

لم تكن الشابة البريطانية كاثرين غان، قادرة على الوقوف مكتوفة الأيدي بينما يُساق العالم نحو حرب غير قانونية، فاتخذت قرارا عصيبا بتحدي حكومتها وتسريب المذكرة إلى الصحافة، بهدف كشفت محاولات الولايات المتحدة استخدام أساليب قذرة للتأثير على الأمم المتحدة من أجل انتزاع موافقتها على غزو العراق لإضفاء الشرعية على الحرب؛ ومن هنا بدأت سلسلة متفجرة من الأحداث التي أشعلت عاصفة دولية وكشفت النقاب عن مؤامرة سياسية واسعة النطاق، وضعت الشابة البريطانية وعائلتها في دائرة الخطر المباشر.

بداية القصة.. 

يفتتح الفيلم بمشهد لكاثرين غان، والتي تؤدي دورها الممثلة البريطانية كيرا نايتلي، وهي تقف في قاعة المحكمة خلال محاكمتها عام 2004، وتؤكد أنها لم ترتكب أي جرم و”غير مذنبة”، قبل أن يعود بالأحداث سنة للوراء وبالتحديد إلى اليوم المصيري الذي وصلت فيه تلك المذكرة إلى بريدها الإلكتروني أثناء عملها في مقر الاتصالات الحكومية البريطاني (GCHQ) وهو جهاز حكومي يتبع إداريا وزارة الخارجية لكنه يعمل كجهاز استخباراتي مستقل.

في تلك الأثناء، مطلع العام 2003، كانت الولايات المتحدة الأمريكية بقيادة بوش الأبن تكثف من جهودها للحصول على موافقة مجلس الأمن على شن الحرب على العراق بدعوى امتلاكها لأسلحة نووية، وسط غضب ورفض عالمي. 

وبالعودة لأحداث الفيلم، يرصد لنا المخرج الساعات السابقة لذهاب كاثرين للعمل وتلقيها تلك المذكرة الغريبة، حيث كانت تشاهد وزوجها لقاءً تلفزيونيا لـ توني بلير رئيس وزراء بلادها، وأبرز حليف للرئيس الأمريكي، وهو يقول إن “الحرب ليست حتمية” فتصفه بـ”الكاذب اللعين”، وفيما يواصل هو الحديث بأن العراق لديه أسلحة دمار شامل ومواد محظورة، تصرخ “ياللهول.. لا نعرف ذلك.. كونك رئيسًا للوزراء لا يعني أن من حقك اختراع الحقائق التي تناسبك”. 

تذهب كاثرين إلى عملها حيث تتلقى كاثرين رسالة بريد إلكتروني جماعية لمذكرة من وكالة الأمن القومي الأمريكية (NSA)، تطلب منها عمليا التجسس على أعضاء مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بهدف الحصول على معلومات شخصية مُدينة عن ممثلي الدول الصغيرة في الأمم المتحدة، بحيث يمكن ابتزازهم لحملهم على التصويت لصالح الحرب على العراق.

تبوح كاثرين بالأمر لصديقة لها مناهضة للحرب ربما يمكنها “جعل شخص ينظر إلى المذكرة” لكن صديقتها تحذرها من ذلك وتخبرها بأنها ستكون “منتهكة لقانون الأسرار الرسمية – وقد يعتبر البعض ذلك خيانة”، لكنها رغم ذلك تقوم في 3 فبراير 2003 بنسخ المذكرة على قرص مرن ثم تطبعها وترسلها إلى صديقتها التي بدورها توصلها في النهاية إلى مكتب صحيفة “The Observer” المؤيدة لموقف الحكومة البريطانية من الحرب.

داخل صحيفة “The Observer”، كان الصحفيون ومسؤول التحرير يخوضون فيما بينهم – بالتزامن مع مظاهرات حاشدة رافضة لشن حرب على العراق – مواجهات كلامية محتدمة بين مؤيد للحرب ومعارض لها. ويقف في مقدمة أولئك الصحفي إد فوليامي، وهو صحفي متحمس يشعر بالإحباط بسبب رفض رئيس تحريره، روجر ألتون، دعم تقاريره التي يفيد من خلالها بأن الاستخبارات يتم التلاعب بها لدعم الغزو الذي يدفع له بوش الأبن. 

ومع وصول الرسالة التي سربتها كاثرين، يرصد لنا الفيلم انضمام الصحفيين مارتن برايت، الذي كان مؤيدا للحرب، وبيتر بومونت إلى الصحفي إد فوليامي، حيث يتعمقون جميعا في التحقق مما تذكره الوثيقة المسربة وما تثيره من إشكاليات أخلاقية؛ بداية من التأكد من أن اللغة المستعملة حقيقية، وصولا إلى التأكد من أن المدعو فرانك كوزا الذي تفيد المذكرة بأنه مرسل البريد الإلكتروني شخص حقيقي في وكالة الأمن القومي الأمريكية (NSA).

وبعد التأكد من مصداقية المذكرة المسربة، يخوض الصحفيون نقاشا ساخنا بشأن نشر القصة من عدمه؛ يرى المعارضون للنشر أنها ستضر بعلاقة الجريدة بالحكومة وخصوصا مصدرها القوي داخل مكتب رئيس الوزراء البريطاني، لكن الرد على وجهة النظر هذه جاء قويا على لسان مارتن، الذي كان في السابق مؤيد لموقف الحكومة بشأن غزو العراق، حيث قال: “منذ متى فضلت هذه الصحيفة الوصول السياسي على تحقيقها الاستقصائي”. ويكشف هذا الحوار إحدى الأفكار المحورية في الفيلم وهي أن قيمة الصحافة تُقاس بقدرتها على مساءلة السلطة ونشر ما يخدم المصلحة العامة، حتى عندما يهدد ذلك علاقتها بمصادر النفوذ.

في النهاية تشق القصة طريقها إلى الصفحة الأولى للجريدة تحت عنوان “كشف النقاب عن حيل أمريكية للفوز بالتصويت على حرب العراق”، لتنهار بعدها حياة كاثرين بالكامل.

كانت كاثرين تعتقد إن الصحفيون سوف يتحرون الأمر بشأن ما تثيره المذكرة دون نشر المدونة بالكامل (الرسالة) وهو الأمر الذي تسبب في تفجر الأوضاع داخل عملها، فأصابتها حالة من الذعر، وقررت إبلاغ زوجها يشار (آدم بكري)، بما قامت به.. “سأقول إنه أنا؛ الأمريكان يرفضون الاعتراف أن المدونة حقيقية. يجب أن أقول الحقيقة (..) إن لم أفعل ذلك سيفلتون من العقاب بالقول إنها مزيفة” لكن زوجها طالب اللجوء التركي، يحاول إثناءها عن الفكرة.

لكن مع النفي الأمريكي والإنجليزي لما جاء في التقرير، والتحقيقات الجارية مع كل الموظفين في مقر عملها تقرر كاثرين الاعتراف بأنها من سربت المذكرة لتنهي الشكوك المثارة حول مصداقية المدونة خصوصا مع وجود بعض الأخطاء الإملائية عند نقل الرسالة بصياغة بريطانية مغايرة للصياغة الأصلية الأمريكية، ولترفع الشك والضغط عن زملائها، لينتهي الأمر باعتقالها والتحقيق معها قبل إطلاق سراحها على ذمة القضية.

وكان أبرز ما جاء في جلسة التحقيق مع كاثرين قولها إنها “لا أجمع الاستخبارات لكي تكذب الحكومة على الشعب البريطاني”، مؤكدة أنها لا ترفض جمع معلومات يُمكن أن تساعد على منع هجوم إرهابي، لكن ما تعترض عليه هو أن يُطلب منها جمع معلومات للمساعدة على تنظيم تصويت في الأمم المتحدة وخداع العالم للدخول في حرب”.

وفي 20 مارس 2003 شنت الولايات المتحدة الأمريكية وعدد من الدول الحليفة لها أبرزها بريطانيا حربا على العراق لكنها كانت قد فشلت قبل ذلك في الحصول على الأغلبية اللازمة في مجلس الأمن التي كانت ستضفي شرعية على الحرب.

ورغم تهديدها خلال التحقيق بصورة غير مباشرة ترحيل زوجها الذي لم يُبت بعد في طلب اللجوء الخاص به، ورغم الترهيب الحكومي الذي واجهته فيما بعد بما في ذلك احتجاز زوجها ومحاولة ترحيله إلا أن  كاثرين نجحت من خلال فريق قوي من محامي حقوق الإنسان، يضم بن إمرسون (رالف فاينز)، وشامي تشاكرابارتي (إنديرا فارما)، وجيمس ويلش (جون هيفرنان)، الذين عملوا بلا كلل للدفاع عنها، مستندين إلى أن الحرب نفسها كانت غير قانونية.

ويتضمن الفيلم مشهد حواري مميز حينما ذهبت كاثرين إلى مكتب “ليبراتي” للمحاماة وهي تحت المراقبة الأمنية، وهناك سألها المحامي بن إمرسون عن دافعها لتسريب المذكرة فقالت “دافعي كان إيقاف حرب وإنقاذ الناس وفشلت.. كل ما تمكنت من عمله تعريض مستقبل زوجي للخطر”، فأضاف إمرسون بأن مستقبلها أيضا يتعرض للخطر، ثم تابع قائلا مقدرا ما قامت به: “وفي الحقيقة بتسريب معلومات لمحاولة إيقاف حرب أجد أنك اخترت الولاء لبلادك على الولاء لحكومتك وزواجك ونفسك.. لم يكن لديك شيء لكسبه وكل شيء لخسارته!”.

في نهاية المطاف، تأخذ محاكمة كاثرين منعطفا غير متوقع عندما يرفض ممثل المدعي العام (النيابة العامة) توجيه اتهامات لكاثرين مشيرا إلى أن “الادعاء لن يكمل الادعاء”، وهو الأمر الذي أثار استغراب القاضي في ظل اعتراف كاثرين بأنها من سربت المذكرة، ليؤكد ممثل المدعي العام مرة أخرى أن الدفاع قدم دفاعا غير عاديا لا يعتقدون أن لديهم دليل كافي لنقضه؛ وهو الموقف الذي جاء بسبب التداعيات السياسية التي قد تترتب عنها كشف الحقائق المدفونة داخل مؤسسات الدولة نفسها، كما يوضح بن إمرسون، محامي كاثرين، حينما يقول للقاضي الذي يريد معرفة سبب هذا الموقف: “لأنه يا سيدي الوثائق التي نطلبها ستظهر أن هذا البلد أُخذ للحرب بشكل غير قانوني، وقد تكشف ارتكاب الحكومة لجرائم حرب”.

وهو الموقف الذي جاء بعد سنة كاملة من الواقعة حتى تكون كاثرين عبرة للآخرين، كما يذكر ممثل الادعاء لاحقا إلى المحامي بن إمرسون,

وفي خاتمة الفيلم، ندرك سبب انتظار المدعي العام سنة كاملة قبل أن يسحب القضية، وهو الرغبة في أن تكون عبرة للآخرين حتى لا يسلك شخصا آخرا الطريق الذي سلكته، حيث يقول ممثل الادعاء “لو أسقطنا التهم في أي وقت سابق؛ أي نوع من الرسائل سنرسله”. أيضا يتم الإشارة إلى أنه بحلول عام 2010 رُفعت السرية أخيرا عن الوثائق، التي كشفت عن نصيحة اللورد جولد سميث لتوني بلير بأن الحرب ستكون غير قانونية بدون قرار جديد من الأمم المتحدة، ويكشف لنا الفيلم الحجم المروع للخسائر البشرية التي خلفتها الحرب، إذ قُتل أكثر من مليون عراقي، إلى جانب أعداد كبيرة من الجنود البريطانيين والأمريكيين. ويقدم الفيلم، من خلال هذه القصة، تأملا عميقا في التضحيات التي يقدمها كاشفو المخالفات في مواجهة التضليل الحكومي.

يذكر أن فيلم “أسرار رسمية” بريطاني أمريكي، مدته 112 دقيقة، عُرض لأول مرة في سبتمبر من العام 2019. والفيلم مأخوذ من كتاب “الجاسوسة التي حاولت إيقاف حرب”، وهو من ﺇﺧﺮاﺝ: جافن هود، وﺗﺄﻟﻴﻒ جريجوري برنستاين وسارة بيرنستاين، زمن بطولة كيرا نايتلي (كاثرين جان)، رالف فاينس (بن إيمرسون)، مات سميث (مارتن برايت)، ماثيو جود (بيتر بومونت)، كونليث هيل (روجر ألتون)، إنديرا فارما (شامي تشاكرابارتي)، ريس أيفانز (إد فوليامي)ـ آدم بكري (يشار).

يُمكنك مشاهدة الفيلم بـ الضغط هنا عبر عدة مواقع وتطبيقات يوضحها الموقع الرسمي للفيلم.

1 فيلم “أسرار رسمية” يروي قصة المرأة التي كشفت عن الحيل القذرة في تصويت الأمم المتحدة على حرب العراق
2 “كونك رئيسًا للوزراء لا يعني أن من حقك اختراع الحقائق التي تناسبك”
3 لم تكن الشابة البريطانية كاثرين غان قادرة على الوقوف مكتوفة الأيدي بينما يُساق العالم نحو حرب غير قانونية
4 قيمة الصحافة تُقاس بقدرتها على مساءلة السلطة ونشر ما يخدم المصلحة العامة حتى عندما يهدد ذلك علاقتها بمصادر النفوذ.
5 كاثرين اختارت الولاء لبلادها على الولاء لحكومتها وزواجها ونفسها.. لم يكن لديها شيء لكسبه وكل شيء لخسارته!

Exit mobile version