اصدارات

حق ومعرفة (16) .. هل تعلم؟ ,, حق المعرفة في مصر: دستور مفتوح وأبواب مغلقة

في 28 سبتمبر من كل عام، يفتح اليوم الدولي لتعميم الانتفاع بالمعلومات بابًا مهمًا للسؤال عن واقع الحق في المعرفة، لا باعتباره حقًا يخص الصحفيين والباحثين وحدهم، بل باعتباره حقًا لكل مواطن في أن يعرف كيف تدار الشؤون العامة، وكيف تتخذ القرارات التي تمس حياته، وبأي بيانات ومبررات تبنى السياسات التي تطبق عليه.

جاءت هذه المناسبة لتذكير الدول بأن الوصول إلى المعلومات ليس رفاهية ولا مطلبًا نظريًا، بل شرط أساسي للشفافية والمساءلة ومكافحة الفساد وبناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وفي مصر تحديدًا، لا يبدو هذا اليوم مناسبة للاحتفاء بقدر ما يبدو فرصة لمراجعة فجوة مزمنة ومستمرة، فالدستور ينص بوضوح على أن المعلومات ملك للشعب، وواقع إداري وتشريعي يتعامل معها في كثير من الأحيان كأنها ملك للسلطة وحدها، لا حقًا عامًا يفترض أن يكون متاحًا ومضمونًا لكل مواطن.

المعلومات ملك للشعب بنص الدستور وفقط

نصت المادة 68 من الدستور المصري الصادر عام 2014 على أن : “المعلومات والبيانات والإحصاءات والوثائق الرسمية ملك للشعب، وأن الإفصاح عنها من مصادرها المختلفة حق تكفله الدولة لكل مواطن”. ولم يكتفِ النص بإقرار الحق، بل ألزم الدولة بتوفير المعلومات وإتاحتها بشفافية، وقرر أن القانون يحدد عقوبة حجبها أو تقديم معلومات مغلوطة عمدًا.

نظريا يبدو النص واضحًا ومباشرًا، لكن المشكلة أن كثير من مواد الدستور تناقضها اللوايح والمراسيم، فيضطر المواطن إلى التعامل مع موظف، ونموذج طلب، وموافقة، وتصريح، وجهة قد ترفض دون أن تشرح، وإدارة قد تعتبر السؤال عن المعلومة نفسه أمرًا مريبًا، فضلا عن بيانات اعلامية مضللة، وغير دقيقة في كثير من الأحيان.

 ورغم مرور أكثر من عشر سنوات على إقرار الدستور، لم يصدر حتى الآن القانون المنظم لحق الحصول على المعلومات، حيث ظل هذا الاستحقاق الدستوري عالقًا بين مشروعات قوانين وتصريحات حكومية ووعود متكررة، دون أن يتحول إلى قانون نافذ يحدد بوضوح كيفية طلب المواطن المعلومة، ومتى تلتزم الجهة بالرد سواء بالقبول أو الرفض أو حتى كيف يمكن التظلم من قرار الحجب؟

في ديسمبر 2025، أعلنت الحكومة الإسراع في استكمال مشروع قانون لتنظيم تداول البيانات والمعلومات الرسمية، وحتى أبريل 2026 صرح وزير الدولة للإعلام بأن لدى الحكومة نية لإصدار القانون، غير أن النوايا، مهما كانت معلنة، لا تصنع حقًا يمارسه المواطن. فالحق لا يعيش بالتصريحات، بل بقانون واضح وإجراءات ملزمة ومؤسسات تعرف أن الأصل هو الإتاحة، لا المنع.

الحصول على المعلومات في مصر.. مهمة شاقة

غياب القانون لا يعني فقط نقصًا تشريعيًا، بل يعني معاناة يومية لكل من يحتاج إلى معلومة سواء كان صحفي، باحث، طالب دراسات عليا، محام، أو مواطن يريد أن يفهم قرارًا يمس حياته.

ففي الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، لا يقف الأمر دائمًا عند نشر البيانات العامة أو تحميل الجداول المتاحة على الموقع، إذ أن كثير من الباحثين الذين يحتاجون إلى بيانات تفصيلية، أو يريدون إجراء دراسة ميدانية أو استطلاع رأي، يجدون أنفسهم أمام إجراءات موافقة طويلة ومعقدة، وقد يطلب منهم تقديم خطابات رسمية وتفاصيل عن موضوع البحث والجهة التابعين لها، وفي بعض الحالات يجري التعامل مع الأمر باعتباره مسألة تحتاج إلى موافقات أمنية لا مجرد طلب علمي أو بحثي، ربما يتسبب في الاشتباه بالشخص، أو ينتهي بإلقاء القبض عليه.

الأمر نفسه يظهر بوضوح في دار الكتب والوثائق القومية. فالمفترض أن تكون الوثائق التاريخية ذاكرة عامةً للمجتمع، لا مخزنًا مغلقًا لا يدخله إلا من يحصل على تصريح، ومع ذلك، يواجه كثير من الباحثين صعوبات في الاطلاع على الوثائق، تبدأ من غموض الفهارس والإجراءات، ولا تنتهي عند اشتراط خطابات جامعية أو تصاريح أمنية أو انتظار طويل دون رد واضح. 

في بعض الأحيان لا يعرف الباحث أصلًا ما هي الوثائق الموجودة حتى يطلبها، ثم يطلب منه أن يحدد بدقة ما يريد الاطلاع عليه. هكذا يتحول الحق في المعرفة إلى دائرة مغلقة حيث لا يمكنك أن تطلب الوثيقة لأنك لا تعرف أنها موجودة، ولا يمكنك أن تعرف أنها موجودة لأنك لا تستطيع الاطلاع على الفهرس أو الأرشيف بسهولة.

هذه ليست تفاصيل إدارية صغيرة. هذه هي الطريقة التي يفرغ بها الحق الدستوري من معناه، فحين تصبح المعلومة محاطة بالتصاريح، وحين يصبح الاطلاع استثناء يحتاج إلى موافقة، لا يعود الحديث عن حق عام، بل عن امتياز يمنح للبعض ويحجب عن آخرين.

غياب الشفافية في القرارات اليومية

لا تظهر أزمة غياب المعلومات فقط في ملفات الصحافة والبحث والأرشيف، إذ تظهر أيضًا في القرارات الحكومية التي تمس حياة الناس مباشرة، فكثيرًا ما يصدر قرار أو يتغير إجراء عام دون نشر تقرير واضح يشرح أسبابه، أو يوضح تكلفته، أو يبين البدائل التي درستها الحكومة، أو يحدد من سيتأثر به وكيف.

ومع كل موجة شائعات أو وثائق متداولة، تخرج الحكومة للنفي أو التوضيح، لكن دون أن يكون هناك تقرير عام ومنتظم يشرح للناس حجم الأزمة، وخطة التعامل معها، والبيانات التي بنيت عليها القرارات.

الأمر يتكرر في ملفات حيوية وهامة مثل رفع أسعار الوقود والكهرباء، رسوم الخدمات، قرارات التصالح في مخالفات البناء، إزالة بعض المناطق أو نقل السكان، ومشاريع وصفت بالقومية مثل مشروع تبطين الترع الذي لم يحقق فعاليته، وسعت الحكومة لتقييمه بعد عامين من بدأ العمل فيه بدلا من دراسته بشكل مسبق، او حتى مدينة الأثاث في دمياط التي وصفت بدورها بالمشروع الضخم والمؤثر ثم اعترفت الدولة بعدم جدوى المشروع وخسارته خسارة فادحة.

 في كل مرة، يجد المواطن نفسه أمام قرار جاهز، لا أمام سياسة مشروحة. يسمع النتيجة، لكنه لا يرى الحسابات، فيعرف أن شيئًا سيتغير في حياته، لكنه لا يعرف لماذا اختير هذا الحل تحديدًا، ولا لماذا الآن، ولا ما أثره المتوقع، ولا كيف يمكن مساءلة الجهة التي اتخذته.

هنا تصبح الشفافية مسألة معيشية، لا شعارًا حقوقيًا، فغياب المعلومات يفتح الباب للشائعات، ويضعف الثقة العامة، ويجعل أي قرار حكومي قابلًا للتأويل والخوف والمبالغة. ولو كانت البيانات منشورة بوضوح، ولو كانت التقارير الداعمة للقرارات متاحة، لما احتاج المواطن إلى التخمين، ولا الصحفي إلى التسريب، ولا الباحث إلى الدوران في ممرات البيروقراطية بحثًا عن معلومة يفترض أنها عامة.

صورة تعبيرية لحق الانتفاع بالمعلومات – المصدر : أرشيف صحفي

أكثر من 100 دولة تسبق مصر في تشريع هذا الحق

أقرت دول عديدة حول العالم قوانين تكفل حق الأفراد في الوصول إلى المعلومات العامة، وتعد السويد من أقدم النماذج في هذا المجال منذ القرن الثامن عشر، بينما كان الأردن أول دولة عربية تصدر قانونًا لحق الحصول على المعلومات عام 2007، ثم ظهرت تجارب عربية أخرى بدرجات متفاوتة من القوة والفعالية.

أما مصر، ورغم النص الدستوري الواضح، فلا تزال بلا قانون ينظم هذا الحق.، وهنا تظهر المفارقة الدستور يعلن أن المعلومات ملك للشعب، بينما الواقع العملي لا يزال يتعامل معها في كثير من الأحيان باعتبارها ملفًا داخليًا داخل الجهاز الإداري.

وحين لا يوجد قانون واضح لحرية تداول المعلومات، تصبح العلاقة بين المواطن والجهة الإدارية محكومة بالتقدير الفردي لا بالحق والواجب. قد يطلب صحفي بيانات عامة فلا يحصل عليها. وقد يحتاج الباحث إلى إحصاءات رسمية فيصطدم بتأخير أو رفض غير مسبب، وقد يحاول مواطن الوصول إلى معلومات عن الصحة أو البيئة أو الموازنة أو الخدمات في منطقته، فلا يجد إلا بيانات عامة أو ناقصة أو قديمة.

الأخطر أن غياب القانون يخلق بيئة يمكن فيها استخدام قوانين أخرى، مثل مكافحة الإرهاب أو الجرائم الإلكترونية أو تنظيم الإعلام، لملاحقة من ينشرون معلومات لا تصدر عن القنوات الرسمية، وهكذا تنقلب المعادلة فبدلًا من مساءلة من يحجب المعلومات، يصبح الخطر واقعًا على من يحاول الوصول إليها أو نشرها.

الحق في المعلومات كشرط للتنمية

يعد الحق في الحصول على المعلومات ليس مطلبًا يخص الصحفيين وحدهم، ولا رفاهية قانونية يمكن تأجيلها، إذ يعتبر شرط أساسي لبناء مؤسسات شفافة وخاضعة للمساءلة، ووسيلة لمكافحة الفساد، وأداة لتمكين المواطنين من المشاركة في صنع القرار.

لا يمكن للمواطن أن يناقش الموازنة العامة دون بيانات، ولا يمكن للمجتمع أن يراقب السياسات الصحية أو التعليمية أو البيئية دون معلومات دقيقة، ولا يمكن للصحافة أن تؤدي دورها الرقابي إذا ظلت المصادر الرسمية مغلقة أو انتقائية.

فالمعلومة هنا ليست مجرد وثيقة بل هي قدرة على الفهم، وعلى السؤال، وعلى المحاسبة، وعلى المشاركة.

في الواقع  لم تبدأ أزمة تداول المعلومات في مصر اليوم، فالتعامل مع البيانات والوثائق باعتبارها شأنًا داخليًا للدولة له جذور قديمة في القوانين واللوائح المنظمة لإنتاج المعلومات وحفظها.

فقانون الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، لائحة المحفوظات الحكومية، والقواعد المنظمة لدار الوثائق، وغيرها من الأطر القانونية والإدارية، عكست لفترات طويلة تصورًا يرى أن المعلومات تدار من أعلى، وأن المواطن ينتظر ما تقرر الدولة نشره، لا ما يملك حقًا أصيلًا في طلبه، حيث إن النص الدستوري وحده لا يكفي إذا بقيت القوانين القديمة والثقافة المؤسسية القديمة تعمل بمنطق السرية أولًا، والإتاحة عند الضرورة.

ختاما.. بعد أكثر من عقد على إقرار دستور ينص صراحة على أن المعلومات ملك للشعب، لا يزال المواطن المصري يواجه أبوابًا مغلقة حين يحاول ممارسة هذا الحق. النص الدستوري موجود، وإن كان الاجتهاد القضائي حاول في بعض المواضع أن يفتح الطريق، كما ان التجارب الدولية والعربية تقدم نماذج يمكن الاستفادة منها، لكن الغائب حتى الآن هو قانون واضح وإرادة حقيقية لتحويل الحق إلى ممارسة يومية.

وفي اليوم الدولي لتعميم الانتفاع بالمعلومات، أصبح  من الضروري وجود قانون يتوافق مع المعايير القانونية الدولية، يضمن حق كل مواطن في الوصول إلى المعلومات، ويضع حدودًا ضيقة ومحددة للسرية، ويوفر آليات تظلم فعالة، ويمنع استخدام البيروقراطية أو الاعتبارات الأمنية الفضفاضة لتفريغ الحق من مضمونه.

فالمعلومة ليست منحة من الدولة، المعلومة حق. وحين يحرم الناس من حقهم في المعرفة، يحرمون بالضرورة من حقهم في المشاركة والمساءلة.

1 ورغم مرور أكثر من عشر سنوات على إقرار الدستور، لم يصدر حتى الآن القانون المنظّم لحق الحصول على المعلومات، حيث ظل هذا الاستحقاق الدستوري عالقًا بين مشروعات قوانين وتصريحات حكومية ووعود متكررة، دون أن يتحول إلى قانون نافذ يحدد بوضوح كيفية طلب المواطن المعلومة، ومتى تلتزم الجهة بالرد سواء بالقبول أو الرفض أو حتى كيف يمكن التظلم من قرار الحجب؟
2 لا تظهر أزمة غياب المعلومات فقط في ملفات الصحافة والبحث والأرشيف، إذ تظهر أيضًا في القرارات الحكومية التي تمس حياة الناس مباشرة، فكثيرًا ما يصدر قرار أو يتغير إجراء عام دون نشر تقرير واضح يشرح أسبابه، أو يوضح تكلفته، أو يبين البدائل التي درستها الحكومة، أو يحدد من سيتأثر به وكيف.
3 أقرت دول عديدة حول العالم قوانين تكفل حق الأفراد في الوصول إلى المعلومات العامة، وتعد السويد من أقدم النماذج في هذا المجال منذ القرن الثامن عشر، بينما كان الأردن أول دولة عربية تصدر قانونًا لحق الحصول على المعلومات عام 2007، ثم ظهرت تجارب عربية أخرى بدرجات متفاوتة من القوة والفعالية.

أما مصر، ورغم النص الدستوري الواضح، فلا تزال بلا قانون ينظم هذا الحق. وهنا تظهر المفارقة الدستور يعلن أن المعلومات ملك للشعب، بينما الواقع العملي لا يزال يتعامل معها في كثير من الأحيان باعتبارها ملفًا داخليًا داخل الجهاز الإداري.

4 في الواقع  لم تبدأ أزمة تداول المعلومات في مصر اليوم، فالتعامل مع البيانات والوثائق باعتبارها شأنًا داخليًا للدولة له جذور قديمة في القوانين واللوائح المنظمة لإنتاج المعلومات وحفظها.

فقانون الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، ولائحة المحفوظات الحكومية، والقواعد المنظمة لدار الوثائق، وغيرها من الأطر القانونية والإدارية، عكست لفترات طويلة تصورًا يرى أن المعلومات تدار من أعلى، وأن المواطن ينتظر ما تقرر الدولة نشره، لا ما يملك حقًا أصيلًا في طلبه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى