المفوضية المصرية للحقوق والحريات

حق ومعرفة(12).. أكثر من 5 سنوات خلف القضبان.. نرمين حسين تدفع ثمن مواقفها الحقوقية ونشاطها السياسي

يسلك المدافعون والمدافعات عن حقوق الإنسان في مصر طريقًا محفوفًا بالمخاطر، حيث يواجهون حملات ممنهجة من الترهيب والتشويه والملاحقة، ويدفعون ثمنًا باهظًا مقابل دفاعهم السلمي والمشروع عن الحريات الأساسية والعدالة الاجتماعية. ويُعد الحبس التعسفي لفترات مطولة، من دون محاكمة عادلة، أحد أبرز الأساليب التي تُستخدم لإسكات أصواتهم وتقييد حركتهم في المجال العام.

نسلط الضوء هنا على واحدة من المدافعات عن حقوق الإنسان في مصر، وهي الناشطة السياسية نرمين حسين عبدالعزيز، التي شكّل انخراطها المبكر في ثورة 25 يناير ومواقفها العلنية المناصرة للحقوق والحريات سببًا مباشرًا لاستهدافها المتكرر من قبل الأجهزة الأمنية، والتي بدأت في مارس الماضي عامها السادس خلف القضبان في ظل أوضاع احتجاز قاسية وملاحقات قضائية لا تنتهي، بسبب نشاطها السلمي ومواقفها الجريئة، فيما تتعالى الأصوات المطالبة بالإفراج عنها.

مسيرة نضال.. وثمن مستمر

منذ انخراطها في ثورة 25 يناير 2011، لم تتوانَ نرمين حسين عن الدفاع عن مبادئها وقيمها. كانت من الوجوه الشابة الحاضرة في الميدان، تشارك في التظاهرات، وتنخرط في المبادرات المجتمعية، وتتبنّى قضايا الفقراء والمهمشين. تنتمي نرمين لأسرة بسيطة،وكانت تفخر بوالدها وبتربيتها ونشأتها التي جعلت منها “راجل البيت” بعد مرض والديها، تتحمل مسؤولية العائلة

لكن هذه الفتاة النحيلة ذات الصوت العالي والمبادئ الصلبة، أصبحت هدفًا للسلطات الأمنية، بدءًا من أول اعتقال لها في فبراير 2013 أمام قصر الاتحادية، حين وُجهت لها اتهامات التجمهر والتخريب والتعدي على قوات الأمن. رغم إخلاء سبيلها في وقت لاحق، كانت تلك بداية رحلة الاستهداف.

اعتقالات متكررة وتدوير لا ينتهي

نرمين حسين – مصدر الصورة: مواقع التواصل الاجتماعي

تعرّضت نرمين حسين للاعتقال أربع مرات على مدار عشر سنوات، أبرزها كان في أبريل من العام 2016 خلال وقفة احتجاجية رفضًا للتنازل عن جزيرتي تيران وصنافير، ثم في أغسطس 2018 ضمن ما عُرف بقضية “معتقلي العيد”، حيث كانت الفتاة الوحيدة بين مجموعة من الشخصيات العامة من مثقفين وأكاديميين، واتُّهمت بالانضمام لجماعة إرهابية، وتلقي تمويل، والمشاركة في اتفاق جنائي.

خرجت نرمين من هذه القضية بعد أقل من عام، لكن سرعان ما عادت إلى دائرة الاحتجاز. ففي 23 مارس 2020، اقتحمت قوة أمنية منزلها، وجرى القبض عليها مجددًا دون إذن قضائي، رغم أن والدها كان طريح الفراش. ظهرت في اليوم التالي أمام نيابة أمن الدولة العليا، وتم التحقيق معها في القضية رقم 535 لسنة 2020 حصر أمن دولة، بنفس التهم المعتادة: نشر أخبار كاذبة، وإساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، والانضمام لجماعة إرهابية.

بعد عشرة أشهر من الحبس الاحتياطي، صدر قرار بإخلاء سبيلها، لكن السلطات لم تفرج عنها، بل أعادت تدويرها على ذمة قضية جديدة، هي القضية رقم 65 لسنة 2021 حصر تحقيق أمن دولة، التي لا تزال محبوسة على ذمتها حتى الآن في مركز تأهيل وإصلاح العاشر من رمضان 4.

معايرة طبقية!

نرمين حسين – مصدر الصورة: مواقع التواصل الاجتماعي

وكانت نرمين تروي بفخر كيف كانت تحمل البضائع فوق رأسها لتساعد والدها في متجره، وكيف تحمّلت المسؤولية كاملة حين أقعد المرض والدَيها، فأصبحت المعيل الأول للأسرة، وحلّت محل والدها في كل شيء، كما يقول المصريون: “أصبحت هي رجل البيت”.

ولعل هذا الواقع الذي نشأت فيه نرمين، ابنة البسطاء، ما جعلها تخرج لتشارك في ثورة الخامس والعشرين من يناير، حاملة صوت من يشبهونها، تطالب بحقوقهم وعدالة تعترف بكرامتهم. وحين أدركت لاحقًا أن الثورة انحرفت عن مسارها، خرجت مجددا ضد الرئيس السابق محمد مرسي، بعد أن تبيّن لها أن أحلام الثورة لم تتحقق، وأن الخديعة كانت أكبر من أن تُحتمل.

معاناة نفسية وصحية

بحسب تصريحات صحفية للمحامي الحقوقي إسلام سلامة، فإن نرمين تعاني من تدهور كبير في حالتها النفسية، وتبدو عليها علامات الإحباط والانهيار خلال جلسات تجديد الحبس، إلى درجة أنها لا تنظر لأحد ولا تتحدث. أما والدتها، فتخرج من كل زيارة منهارة القلب والعين، تتألم لقهر ابنتها.

وتعاني نرمين من تجاهل طبي متعمّد. لا تجد من يتابع حالتها الصحية أو يستجيب لطلباتها، رغم شكواها من مشكلات بدنية ونفسية. وتُمنع من إدخال بعض المستلزمات الشخصية البسيطة مثل ورقة أو قلم، في انتهاك واضح للائحة السجون.

فيما يتعلق بالوضع القانوني لنرمين حسين، أشار المحامي الحقوقي إسلام سلامة إلى أن قضيتها الحالية تحمل رقم 65 لسنة 2021 حصر أمن دولة عليا، لافتًا إلى أن كثيرين ممن شملتهم القضية دخلوا قبلها وبعدها وخرجوا، ولم يتبقَ فيها سوى نحو ستة متهمين، من بينهم نرمين. 

اتهامات مكررة وأحكام غائبة

الاتهامات الموجهة لنرمين هي ذاتها التي توجهها السلطات باستمرار ضد النشطاء السياسيين والمدافعين عن حقوق الإنسان: الانضمام إلى جماعة إرهابية، نشر أخبار كاذبة، إساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، تلقي تمويل لأغراض إرهابية. هذه التهم، التي وُصفت من قبل العديد من المنظمات الحقوقية بأنها “مطاطة” و”فضفاضة”، تستخدمها السلطات لتبرير الحبس الاحتياطي المطول.

ومع مرور السنوات، لم تُقدَّم نرمين إلى محاكمة عادلة، ولم يُبت في قضيتها نهائيًا، ما يجعل احتجازها مخالفًا للمعايير الدولية للعدالة. فالمادة 54 من الدستور المصري تنص على أن “الحرية الشخصية حق طبيعي، وهي مصونة لا تُمس”، وأن “كل من يُقبض عليه أو يُحبس يجب معاملته بما يحفظ عليه كرامته، ولا يجوز حبسه أو تفتيشه أو احتجازه إلا بأمر قضائي مسبب”.

كما تنص المادة 9 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي صدّقت عليه مصر، على أن “لا يجوز القبض على أحد أو توقيفه تعسفًا”، ويجب أن يُعرض على قاضٍ في أقرب وقت ممكن.

منظمات حقوقية تدين وتطالب بالإفراج

نرمين حسين – مصدر الصورة: مواقع مبادرة لا تسقط بالتقادم

وأعربت العديد من منظمات المجتمع المدني، ومن بينها المفوضية المصرية للحقوق والحريات، عن إدانتها لاستمرار احتجاز نرمين حسين، وطالبت بالإفراج الفوري عنها، معتبرة أن ملاحقتها الأمنية تأتي انتقامًا من نشاطها السلمي.

في مارس 2024، أطلقت مبادرة “هن” بالمفوضية المصرية للحقوق والحريات، بالتزامن مع شهر رمضان المبارك، حملتها “مكانك برا السجن”، والتي تٌلقي الضوء على سجينات الرأي والصحفيات والمدافعات عن حقوق الإنسان، سواء محبوسات احتياطيا أو صادر ضدهن أحكام. وركزت الحملة على ضرورة إطلاق السراح الفوري وغير المشروط عن سجينات الرأي. وأبرزت الحملة معاناة الناشطة نرمين حسين وحثت السلطات المصرية على إطلاق سراحها.

ثمن يدفعه من لا يساوم

نرمين حسين لم تحمل سلاحًا، ولم تدعُ إلى العنف، ولم تخالف القانون بممارسات مادية ضارة بالمجتمع. كل ما فعلته أنها عبرت عن رأيها، وتضامنت مع مظلوم، وانتقدت سياسات اعتبرتها غير عادلة. لكن ثمن هذا الموقف كان باهظًا: سنوات من الحبس الانفرادي، والإذلال النفسي، والإهمال الصحي.

يصفها من يعرفها بأنها “الجدعة”، الفتاة التي لا تخاف، ولا تتراجع عن مبادئها، رغم ما تتعرض له من قهر. كانت رمزًا لفتيات الثورة، وها هي اليوم تتحمل وحدها كلفة التمسك بالحلم.

ويشار إلى أن اعتقال نرمين حسين لا يمسها وحدها، بل يمس عائلتها التي حرمت من ابنتها، وأصدقاءها الذين افتقدوها، ومرضاها الذين كانت تعالجهم، وأطفال حيها الذين كانت تساندهم، والفقراء الذين كانت تمد لهم يد العون. غياب نرمين هو خسارة اجتماعية وإنسانية، وضياع لواحدة من الأصوات التي كانت تدافع عن المظلومين. كما أن احتجازها الطويل يُلقي بظلال قاتمة على سمعة الدولة، ويشكك في جدية الحديث عن “الحوار الوطني” أو الانفتاح على المعارضة السلمية.

متى تنال نرمين حريتها؟

هذا السؤال لا يزال مفتوحًا، دون إجابة من السلطة القضائية أو السياسية. لكن الإجابة الأخلاقية واضحة: لا يجب أن يُحتجز شخص خمس سنوات بلا محاكمة عادلة، ولا أن يُعاقب لمجرد أنه عبّر عن رأيه.

يطالب المدافعون عن حقوق الإنسان في مصر والعالم، ومنظمات المجتمع المدني، بإنهاء معاناة نرمين حسين والإفراج الفوري عنها، وإسقاط جميع التهم الملفقة، ووقف استخدام الحبس الاحتياطي كوسيلة للعقاب.

إن إطلاق سراح نرمين هو خطوة نحو استعادة الثقة في العدالة، واحترام الحريات، وتكريم الكرامة الإنسانية. ومثلما يقول المقربون منها: “نرمين ما تستاهلش كل ده.. مكانها برا السجن، مش جواه”.

Exit mobile version