“تسليم القرضاوي إلى الإمارات يمثل نموذجًا صارخًا للقمع العابر للحدود”
في فبراير الماضي وخلال الاستعراض الدوري الشامل لأوضاع حقوق الإنسان في مصر بالأمم المتحدة اعتبرت الحقوقية سمر الحسيني قضية عبد الرحمن يوسف القرضاوي نموذج القمع الذي تخطى الحدود، ولم يعد يجزي معه قانون دولي إنساني.
في 20 يناير الماضي أطلق عدداً من أصدقاء القرضاوي حملة للمطالبة بالإفراج عنه، مؤكدين في بيان أن “هدفنا مساندة قضية الشاعر المحبوس في الإمارات، والذي يُعرف باحترامه المبادئ الوطنية ونبذه العنف، وسنعمل لعودته سالماً إلى بناته واستعادة حريته”.
كان الشاعر عبد الرحمن يوسف القرضاوي قد اعتقل في لبنان يوم 28 ديسمبر 2024، بعد عودته من سوريا، في خطوة أثارت كثيرًا من الجدل. كما جاء توقيفه إثر بلاغ من المدعي العام الإماراتي، وصل عبر السفارة اللبنانية في أبو ظبي، مستندًا إلى مقطع فيديو كان قد نشره القرضاوي على حسابه الشخصي، إلى جانب دعوى مصرية ومذكرة ترحيل سابقة.
على إثر ذلك أطلقت مجموعة من المثقفين والحقوقيين حملة للدفاع عنه، ضمت أسماء من مشارب فكرية وسياسية متنوعة ومن دول مختلفة. وأكد القائمون عليها أن هذه المبادرة مستقلة تمامًا، لا تمثل جهة أو تيارًا سياسيًا، ولا تنطق باسم أسرته، بل تنطلق من موقع إنساني تضامني بحت.
وفي أول بيان لها، أشارت الحملة إلى أن عبد الرحمن يوسف “دفع ثمن مواقفه السياسية والفكرية، وتعرض لاضطهاد واضح بسبب ما يعبّر عنه من رؤى وطنية وقومية”. وأضاف البيان أن ترحيله من لبنان إلى الإمارات تم بشكل قسري، رغم أنه لا يحمل جنسية أي من البلدين، وهو ما يشكّل – بحسب الحملة – مخالفة صريحة للقانون الدولي الذي يحمي حرية الرأي والتنقل.
وبينما ظل الغموض يحيط بأسباب احتجاز الشاعر عبد الرحمن يوسف في الإمارات، أشار عدد من المقربين منه وناشطين حقوقيين إلى أن إحدى القصائد التي ألقاها خلال مشاركته في أمسية ثقافية قد تكون هي التي فجّرت الأزمة. القصيدة كانت حادة في لغتها، وتحمل نبرة نقد سياسي لاذعة، وذلك في مناخ إقليمي لا يتسامح كثيرًا مع النقد العلني، كما أن عبد الرحمن سبق وأن قام بإلقاء عدد من القصائد منتقدا بعض الأنظمة العربية بشكل واضح.

من هو عبد الرحمن يوسف القرضاوي؟
“أنا شاعرُ الكلّ أومنُ بالشعرِ، رغم ابتلائي…عَنيدٌ أمام العنيد، رقيقٌ مع الضعفاء”
ولد الشاعر والكاتب المصري عبد الرحمن يوسف القرضاوي في 18 سبتمبر عام 1970، وهو الابن السادس للداعية ومفتي قطر السابق الشيخ يوسف القرضاوي. منذ بداياته، لمع اسمه في الساحة الأدبية والسياسية، وارتبط اسمه طويلاً بمواقفه المبدأية ضد الأنظمة الاستبدادية، وبدفاعه المستمر عن قضايا الحريات والعدالة.
لعبد الرحمن جانب أدبي ثقافي طالما استغله كواحد من أبرز الأصوات المعارضة لنظام الرئيس الأسبق حسني مبارك، وترك بصمته بقصائد هجائية لاذعة من أشهرها قصيدة “الهاتك بأمر الله”، التي حُجبت لاحقًا، ومنع بسببها من الظهور الإعلامي ومزاولة الكتابة خلال سنوات حكم مبارك. إلا أنه الأبواب عاد للظهور بعد ثورة يناير، وعاد معها إلى المجال الإعلامي بقوة.
عاش عبد الرحمن في دولة قطر قرابة عشرين عامًا، وتلقى تعليمه المدرسي والجامعي هناك، وحصل على جنسيتها. غير أنه، وبسبب انخراطه السياسي ومواقفه المناهضة للنظام المصري في تلك الفترة، اختار في عام 2003 أن يتنازل عن الجنسية القطرية، رفضًا لفكرة احتمائه بجنسية أخرى.
عاد عبد الرحمن إلى مصر. وفي يونيو 2011، وخلال مشاركته في برنامج تلفزيوني، انسحب على الهواء مباشرة احتجاجًا على تقديمه كـ “شاعر قطري”، في موقف عكس تمسكه بهويته المصرية، كما عبّر عنها مرارًا في موقعه الرسمي وأشعاره.
عبد الرحمن القرضاوي _ المصدر: صفحة الحملة
نشاطه السياسي
بُني الطغيان على خمس: تقديم الذيل على الرأسِ
تخدير الحاضر بالأمس، توزيع الخوف مع اليأس
لم يكن عبد الرحمن مجرد شاعر، بل كان فاعلًا سياسيًا حاضرًا في لحظات مفصلية من تاريخ مصر الحديث. انخرط في حركات معارضة مثل “كفاية” و”الجمعية الوطنية للتغيير”، وساهم في تأسيس “الحملة الشعبية لدعم البرادعي ومطالب التغيير”، وكان منسقًا عامًا لها.
كما لعب دورًا في الحراك الثوري الذي سبق 25 يناير، قبل أن ينسحب من الحملة بثلاثة أشهر، لأسباب تتعلق بوجهات نظره حول مسار العمل السياسي. فيما بعد، انضم لحملة دعم الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح في انتخابات الرئاسة 2012.
حكم بالسجن وتحركات دولية
“في ليلة من حالك الليلاتِ، صليت ثم نمت في سباتِ وجدت مسبحة الرئيس في يدي، قررت ذكر الله، أمسكت بالحباتِ”
في أعقاب أحداث 2013 وتحديدا في 14 نوفمبر 2016، أصدرت محكمة جنح الدقي حكمًا غيابيًا بسجن عبد الرحمن يوسف 3 سنوات مع النفاذ، بتهمة نشر أخبار كاذبة والتحريض على مؤسسات الدولة، في سياق أوسع من الملاحقات التي طالت عددًا من الكتاب والمعارضين في تلك المرحلة.
في أواخر عام 2024، نشر عبد الرحمن يوسف مقطع فيديو من المسجد الأموي في دمشق، عبّر فيه عن فرحه بانتصار الثورة السورية، ووجّه كلمات حادة لما وصفه بـ “أنظمة الخزي” في العالم العربي، مشيرًا إلى دول مثل الإمارات والسعودية ومصر، باعتبارها جزءًا من شبكة قمع أوسع، حسب تعبيره.
انتشر الفيديو بسرعة، لتبدأ بعدها سلسلة من التطورات. في 28 ديسمبر 2024، وأثناء عودته من سوريا مرورًا ببيروت، تم توقيفه من قبل السلطات اللبنانية، بناءً على بلاغ رسمي من المدعي العام الإماراتي. وبعد نحو أسبوعين من التوقيف، صدر قرار بترحيله إلى الإمارات، رغم عدم صدور اتهام علني بحقه، ما أثار موجة استنكار محلية ودولية واسعة.
6 أشهر من الاختفاء القسري
منذ ترحيله، لم يصدر عن الإمارات أي تصريح رسمي بشأن مكان احتجاز الشاعر أو التهم الموجهة إليه، بينما أعربت عشرات المنظمات الحقوقية والجهات الثقافية عن قلقها البالغ على مصيره، مطالبة بالإفراج الفوري عنه، واعتبار ما جرى انتهاكًا صارخًا لحقوق الإنسان وحرية التعبير.
حتى الساعة ومنذ وصوله، ضاع أثر القرضاوي بين المحاكمات السرية والغرف المغلقة. وفق منظمات دولية، بينما دعا خبراء في الأمم المتحدة وحقوقيين إلى الإفصاح عن مكانه وقالوا إن “أسوأ توقعاتنا تم تأكيدها”، كما وجّهت منظمات عدة رسائل مباشرة إلى قادة الإمارات، مطالبة بالكشف وضمان حقوقه القانونية.
كما أصدرت 28 منظمة حقوقية بيانًا مشتركًا نددت فيه بما وصفته بـ”الاحتجاز التعسفي والترحيل القسري”، واعتبرته انتهاكًا صارخًا للحقوق الأساسية التي تكفلها القوانين الدولية. وأعربت المنظمات عن قلقها الشديد حيال مصير القرضاوي، خاصة في ظل غياب أي معلومات رسمية من الجانب الإماراتي بشأن ظروف احتجازه أو التهم الموجهة إليه.
من بين الجهات الموقعة على البيان، برز اسم المفوضية المصرية للحقوق والحريات، والتي أكدت في مداخلتها أن ما تعرض له القرضاوي يُعد “استهدافًا صريحًا على خلفية مواقفه السياسية والتعبيرية”، مشيرة إلى أن “نقل شاعر ومعارض مدني بهذه الطريقة ودون ضمانات قانونية هو سابقة خطيرة تقوض أي حديث عن سيادة القانون”. ودعت المفوضية، مع باقي المنظمات، إلى الإفراج الفوري عنه، وضمان سلامته الجسدية والنفسية، واحترام حقه في التعبير والتنقل دون تقييد أو ملاحقة.
في السياق ذاته كشف الصحفي جمال سلطان عن تسريب من مصدر طبي في دولة الإمارات، يشير إلى نقل الشاعر المصري عبد الرحمن يوسف إلى قسم العناية المركزة، والحالات الحرجة في مستشفى كليفلاند كلينيك أبو ظبي لتدهور حالته الصحية على وقع تعذيب بدني ونفسي مكثف فور وصوله إلى الإمارات أول أمس، كما أوضح المصدر أن حياة هذا الشخص في خطر حقيقي الآن.
إنتاجه الشعري
على مدى أكثر من 30 عامًا، أصدر عبد الرحمن يوسف مجموعة واسعة من الدواوين، تنوعت بين السياسي والغزلي والتأملي، ومن أبرز أعماله:
- نزف الحروف (1992): أول ديوان صدر له في سن الثانية والعشرين.
- في صحة الوطن (2004): يتناول معاناة المواطن العربي.
- لا شيء عندي أخسره (2005): ديوان هجائي سياسي شهير.
- اكتب تاريخ المستقبل (2008): يوثّق انتصارات المقاومة اللبنانية.
- رثاء امرأة لا تموت (2012): يرثي والدته ويعيد طرح غرض الرثاء شعريًا.
- مسبحة الرئيس (2013): نقد لاذع للأوضاع السياسية في مصر
- على رأسها بطحة (2014): هجاء سياسي لاذع للأوضاع في مصر.
- رحلة أخرى (2023): مختارات شعرية مترجمة إلى التركية.