حق ومعرفة(12) .. خواطر فى المنفي- نهى عبير فنانة تشكيلية وباحثة ميدانية وناشطة في مجال SRHR

فرقة إفريقية تضرب الطبول على الشاطئ فيعلوا على صوت عقلي لدقائق، واندمج مع الموسيقى أتمايل قليلاً كمن يتمايلون في الموالد والحضرات أنهض وأرقص مزيج من الرقص المصري الشرقي والإفريقي، لم أرقص من قلبي هكذا من أكتوبر العام الماضي وقت مميز قضيته في بلدي، اندهشت من عشوائيتي في الرقص بعد أن رأيت مقاطع صورها زملائي / زميلاتي؛ لأجد ذات الشعر البمبي الوردي تبتسم وتقترب مني وتقول Nice Scarf Free Palestine وذلك اجمل ما سمعت منذ وصولي وأجمل ما رأت عيناي، وكنت قد لففت رأسي بالكوفية الفلسطينية، رغم انها لم تكن المرة الأولى أن يبدي أحد أعجابه بها إلا أن تلك المرة مميزة لقلبي حتى أني ضممت الكوفية بعد وصولي للمنزل، وبالرغم من أن صوتها العذب يتخلله الطبول وضوضاء الشاطئ المزدحم إلا أنه ما زال يتردد في ذهني.
ليقطع تلك المشهد وصول سيارة الرحيل، وألعن خجلي وتلعسمي أني لم أسأل حتى عن أسمها.
ويقطع صوتها تردد صوت الأبنودي في رأسي ” اللي يعچز في بلاده غير اللي يعچز ضيف ” بعد أن رأيت شعرة بيضاء، أعلم عن يقين أن سبب شيب رأسي كثرة تلوينه وليس التقدم في العمر ولكن راودني سؤال أثاره صوت الخال هل سأشيب في الغربة!
الآن أجدني اتمنى ان ادفن في وطني ، وطالما سخرت ممن يرددون تلك الكلمات ووصفتها بحنين زائف، لكن لو سألوني عن أمنية قبل الموت لكانت العودة لبلدي، وأعلم أن أختاي أول من سيسخر من هذه الفقرة، فالفتاتين يران المكان كجنة، وهو بالفعل كذلك جزيرة محاطة بالشواطئ مليئة بالأشجار العالية، ويجدا أني أتمتع بحريتي في اللبس وما إلى ذلك..
وأجدني أحاول الاستمتاع بتلك الجنة الصغيرة، وأبرم عقداً مع عقلي داخل عقلي أن أقضي ولو أسبوع بعيد عن كوني أنا، أنسجم فقط وأرسم لوحات جميلة من الطبيعة، فتخونني يدي وترسم عن المعتقلات وما يحدث بها، والشهداء والمضطهدين، فكل من يدخل مرسمي الصغير يسأل من هؤلاء الذين أعلق صورهم/ن على الحائط فأحكي عن دكتورة ليلى سويف و اضرابها عن الطعام وعن حق علاء في حريته في وقت خططت فيه سابقاً لتبادل القبلات، وأجدني أنفعلت وأنا في دور راوية القصة، لتكن القصة التالية عن سارة حجازي، يليها العم خالد نبهان والقضية الفلسطينية، فيتعجب المستمع، فأسأل نفسي ماذا لو رأى/ت مرسمي في مصر المليء بصور الشهداء والمعتقلين/ات وبها ألف قصة!

خانتني يدي و أرغمتني على قطع الاستجمام ففكرت في ترك الرسم ولو لأيام وفعل اللاشيء فقط المشي في الشوارع واخترت أغاني عدوية لتكن رفيقتي في الطريقي.
أجدني أشعر بوخز في قلبي وكأن الضغط والسكر ينخفض من جسدي كلما رأيت شرطي في الطريق، بالرغم من علمي باختلاف الشرطة هنا عن ما قابلتهم سابقاً، ولفت انتباهي أن الشرطي يمكن أن يمشي في الطريق بمفرده، لا تحيطه حاشية ورغم الشمس الحارقة ليس هناك من يمسك له شمسية ولا آخر يحمل مقعد وثالث يحمل صينية بها ماء وشاي ومرطبات، وتعجبت عندما رأيت شرطي يقف ينتظر مواصلات.
وظننتها صدفة لكنها ذلك المشهد بكل الشوارع الشرطي بلا حاشية، وكنت أكذب عيني حتى مررت أمام قسم شرطة فلم انتبه انه قسم شرطة لأنه يشبه المتجر ولا يحيطه أسوار عالية، فزاد الوخز في قلبي مصطحب بالحسرة.
وازدادت الحسرة عندما رأيت القصر الرئاسي من الخارج، يحيطه سور حديدي قصير بسيط وحديقة متواضعة، يتمكن الجميع من المرور بجواره ورؤية المبنى من الخارج بسهولة، يتناسب تماماً مع مواد البلد بالقرب منه نافورة مياه لا تعمل نظراً لأزمة المياه وترشيد الأستهلاك، أصغر بكثير من المنزل الصيفي للمحافظ الذي يقع أمام الشاطئ مباشرة في محافظتي الصغيرة الإقليمية في مصر الذي نمنع من الجلوس في محيطه كما يمنعنا أسواره العالية من رؤية المبنى، أما عن منزل المحافظ الأساسي فنتجنب المرور في محيطه خوفاً من الاستيقاف والتفتيش.

اتذكر مشهد افتتاح قصر رئاسي في بلدي كتب على جدرانه بالذهب، يليه وجوه الناس في المستشفيات واستغاثتهم من ارتفاع سعر التذكرة ليصل لعشرة جنيهات، مبلغ صغير لا يكفي لشراء وجبة رخيصة لكن إن نظرنا في أعين المرضى لوجدناه مبلغ مالي بعيد عن ايديهم/ ن يلعنوا المرض والفقر في صمت تفضحه أعينهم.
وأقاطع عقلي مرة أخرى ليهدأ ثورته ويتغذى ببعض الجمال المحيط بي فربما الدواء في البحر كما كان دائماً دوائي في الإسكندرية وبحرها.
الآن كلما مررت بجوار شاطئ أتذكر ذلك الصوت ” Nice Scarf Free Palestine” ، في بلد ليس إسلامي ولا عربي أتمتع بحقي في التعبير عن انتمائي بارتداء الكوفية الفلسطينية، وفي بلادنا ربما يتعرض من يرتديها بغير أمر السلطة للاعتقال أو التهديد به.
أتمسك بشدة بكوفيتي الفلسطينية خاصة في التجمعات كأنها ما تبقى لي من هويتي وما أنا عليه، فملامحي ومظهري لا يعبران عن أصولي.
أزعجني الآن ترديد أن شكلي أوروبي أو أمريكي وليس عربي نهائياً، وأعلم أن من يرددوا ذلك يقصدوا به الثناء أو ربما المجاملة، فمقايس الجمال اللعينة تتجه نحو المظهر الأوروبي في كل مكان، ولعل ذلك كان يثير البهجة في نفسي في بداية مراهقتي وكنت لاضم من ي/ تقول لذلك للمقربين لي، أما الان فهي كسبة لي، وتجريد من هويتي وانتمائي اللذان يغمران قلبي أكثر من أي وقت سابق، ولعلني ايضاً في الماضي كنت لأسخر من تلك الكلمات.
أتمسك الآن بهويتي العربية والمصرية والقضايا التي أنتمي إليها، وانتهز الفرص لأعبر عن نفسي بكوفيتي الفلسطينية وبفني، فأضيف للوحاتي الآلهة المصرية القديمة ومفتاح الحياة وعين حورس؛ وصوت الشيخ إمام حينما يطلب مني الزملاء تشغيل أغاني مصرية، دائماً خياري الأول الشيخ إمام عيسى وأظل أترجم ما يقول، وأشعر أن نواره تراقبني فأذكر الفاجومي وكتاباته، وعمرهما اللذان قضيا في السجن معاً، وأروي القصة.
وأيقن حينها أن عقلي لن يتركني أتوقف عن قضيتي وما أنا عليه ولما أنا هنا حتى لو أجتمعت كل الفنون والطرف حولي، سيظل ثائر يذكرني بأسباب المنفى، لست كسائحة لاستجم وانسى ما أنا عليه.






