المفوضية المصرية للحقوق والحريات

حق ومعرفة(12) — “شرق المتوسط”: رواية السجن الممتد.. حين يصبح الإنسان مرآة لأمّة مقهورة

تُعتبر رواية “شرق المتوسط” لعبد الرحمن منيف، الصادرة عام 1975، واحدة من أبرز الأعمال الأدبية التي تناولت موضوع القمع السياسي وأدب السجون في العالم العربي بجرأة وعمق. وعلى الرغم من مرور عقود على صدورها، فإنها تظل حتى اليوم قراءة حيوية ومؤثرة لكل من يرغب في فهم واقع الإنسان العربي تحت وطأة الاستبداد والاضطهاد السياسي. 

أيضا، رغم أن الرواية كُتبت قبل أكثر من أربعة عقود، إلا أن كلمات التعريف بها التي جاءت على غلافها لا تزال تُعبّر بدقة عن واقع الإنسان العربي الآن، كما لو أنها صدى لصوت لم ينقطع، وهي ذات الكلمات التي يمكن من خلالها تلخيص روح الرواية:  “في زمن ما، وعلى هذه الأرض الغبراء الممتدة إلى ما لا نهاية، من شواطئ المتوسط وحتى الصحراء البعيدة، كانت أشياء كثيرة تحدث، وكانت أشياء كثيرة تمرّ بصمت. والإنسان على هذه الأرض الغبراء كان يتحدى”.

الانطلاق من القيم العالمية

يستهل منيف روايته بذكر سبع مواد من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، مذكرا القارئ بأن جميع الناس يولدون “أحرارا متساوين في الكرامة والحقوق”، وأن لكل إنسان “حق التمتع بجميع الحقوق والحريات”، وسلامة شخصه، وأنه “لا يجوز إخضاع أحد للتعذيب ولا للمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية”، وأن يلجأ إلى بلاد أخرى هربا من الاضطهاد”. هذا الاستهلال يؤطر الرواية في إطار عالمي وقيمي، ويضفي على نصها بعدا إنسانيا شاملا، يتناقض مع واقع القمع الذي تعكسه.

تبدأ الرواية برجب إسماعيل وهو على متن السفينة “أشيلوس” يتلقى علاجا لمرض الروماتيزم في دمه، وفي هذه اللحظة يسترجع حياته داخل السجن. من هذا الفصل نعلم أن رجب كان سجينًا قد خرج منه، لكن لا تُكشف التفاصيل حول سبب اعتقاله أو ظروف خروجه في البداية. 

ومع تقدم السرد واسترجاع رجب لذكرياته، يتبين لنا أنه أمضى خمس سنوات في السجن، وأُطلق سراحه بعد أن دفع “الثمن” المطلوب منه، وهو اعتراف يريده السجان/ النظام الديكتاتوري الحاكم. يخبره السجان بينما يطفئ سيجارته على كتفه، أنه كان يجب على رجب أن يدفع هذا الثمن قبل أربع أو خمس سنوات، لافتا إلى أن السعر الذي دفعه كان على حساب صحته. يقول رجب وهو يسترجع لنا هذه المشاهد: “ظللت صامتا. كنت أحس نفسي عارياً”؛ وهو ما يعبر بدقة عن الحالة النفسية والجسدية التي كان يعيشها رجب بعد هذه التجربة القاسية.

يعد منيف واحدًا من أهم الكتاب والروائيين العرب خلال القرن الماضي – مصدر الصورة: دار التنوير

سرد تناوبي

تقوم الرواية على بناء سردي تناوبي بين صوتين: رجب، السجين السياسي الذي قضى سنوات في غياهب سجون إحدى الدول العربية شرق المتوسط، حيث يُجسد معاناة الإنسان العربي تحت وطأة الاستبداد. وأنيسة، شقيقته التي تمثل الصوت الخارجي، المتألم والصامد في آنٍ معًا.. ومن خلال صوت أنيسة، تتعمق الرواية في استكشاف الألم النفسي والاجتماعي الذي يرافق الاعتقال التعسفي، وتسلط الضوء على مقاومة الأسرة والتمسك بالأمل.

رجب، الذي يدخل عالم السياسة منذ أن بدأ يخفي عناوين الكتب التي يقرأها، هو الشخصية المحورية في الرواية. سياسي شاب يؤمن بفكرة الحرية، لكنه يواجه آلة قمع لا ترحم، تبدأ بتعذيبه الجسدي والنفسي داخل السجن، ولا تنتهي حتى بعد خروجه. يقول رجب، في واحدة من أكثر لحظاته انكسارًا: “هل يمكن أن ترمم إرادة إنسان لم تعد تربطه بالحياة رابطة؟”. هذه الجملة تلخص جوهر الرواية: سؤال عن إمكانية الترميم بعد التدمير، عن جدوى البقاء بعد الانهيار.

في المقابل، تمثل أنيسة الوجه الآخر للمأساة، المرأة التي تحاول أن تحمي، أن تصبر، أن تساند. لكنها، في الوقت ذاته، تقع ضحية الخوف والرقابة الذاتية. تخفي عن رجب رسالة من حبيبته هدى، لأنها تخاف عليه من الحنين، أو ربما لأنها لا تطيق رؤيته هشًا من الداخل. تقول عن هدى: “كانت تقضي عندنا ساعات طويلة، ولا تفعل شيئًا إلا البكاء. سألتني مثل طفلة صغيرة: هل أهرب يا أنيسة؟ لا أطيق أن أتزوج غير رجب”. الحب في هذه الرواية لا ينتصر، بل يذبل تحت وطأة القمع”.

تأثيرات السجن

الرواية لا تكتفي برصد تجربة السجن، بل تتعقب أثر السجن خارج أسواره. فحامد، زوج أنيسة، الذي كان في البداية شخصًا عاديًا ومسالمًا، يتحول إلى معارض بعد أن أدرك بطش السلطة. يقول: “أصبحت القضية قضيتي. لم أكن أتصور أنهم لهذه الدرجة من الخسة”. السلطة، كما يصورها منيف، لا تكتفي بكسر السجين، بل تلاحق أهله وأصدقاءه، وتحوّل حياتهم إلى رقعة شطرنج مليئة بالفخاخ.

ويبرز منيف التأثير بشكل موجع في مشهد وفاة والدة رجب، حيث يقول: “كانت الجمعة موعد الزيارة الأسبوعية، جاءت أختي وعمتي.. أما أمي فلم تأتِ.. كانت أول مرة تتغيب.. لم تقولا لي كلمة واحدة. أحسست. صرخت أسألهما، بكت أختي فجأة وعرفت كل شيء. كانت أمي تعاني من ارتفاع الضغط منذ فترة طويلة. قلت لها عشرات المرات: كفي عن زيارتي.. لا أريد أن تريني هكذا. كانت تبتسم ولا تجيب، وتأتي. في ذلك الغروب شعرت أني وحيد لدرجة لا يمكن احتمالها. هم قتلوا أمي، ظلوا ينخرون في عقلها وقلبها حتى قتلوها”.

هذا المشهد لا يعبّر فقط عن حزن شخصي، بل يكشف عن الامتداد القاسي لأثر السجن إلى خارج الزنازين، حيث يدفع أهل المعتقل الثمن عاطفياً وجسدياً، ويصبح غيابهم فاجعة لا يمكن تعويضها. 

ولا تتوقف المعاناة عند فقد الأم، بل تمتد لتشمل الجانب العاطفي في حياة رجب، حيث يُصوّر منيف انكسار الأمل حتى في الحب، حين يقول: 

“كانت هدى أقوى الآمال التي تشدني إلى عالم الحرية، كنت أتصورها مثل بطلة الأساطير، لا تمل أبداً من الانتظار. لكن لم تنتظر، قالت لي في آخر رسالة: “أنا مرغمة على الموافقة يا رجب، ولكن سأحتفظ بالذكرى إلى الأبد…” أي نفع من الذكرى يا هدى؟ هل تدفئ السجين الذي لا يحلم إلا بساعة الحرية؟ هل يخرج من ليالي السجن الطويلة ليسقط في البرودة والفراغ؟”

ثم يواصل: “ضاعت هدى لأني كنت سجينًا.. لو كنت حرًا لما انتظرت كل هذه السنين.. كان باستطاعتي أن أقول لها: ‘الآن يمكن أن نتزوج يا هدى’.. ونتزوج فعلاً. لو كنت طليقًا لما استطاع أحد من أهلها أن يحتج أو أن يقول كلمة واحدة”. وبهذا يكتمل المشهد العاطفي كوجه آخر من أوجه الخسارة التي ألحقها السجن والاستبداد برجب؛ فهو لا يقتصر على الألم الجسدي أو النفسي، بل يمتد ليقضي على أبسط أحلام الإنسان: الحب، والزواج، والحياة الطبيعية.

وبهذا تُبرز الرواية كيف أن الحب نفسه لم يصمد في وجه السجن. وعندما يسأل رجب أنيسة بعد خروجه: “ألم تقل لك شيئا يا أنيسة؟ ألم تبعث معك برسالة؟”، تضحك أنيسة بحزن، وتهز رأسها، ثم تسأله بسرعة عن شيء آخر كي تُشغله عن ذكر “هدى”، في مشهد صغير لكنه مليء بالدلالة على انهيار الأمل.

ومن خلال السرد، نرى كيف يُستخدم السجن كأداة لإعادة تشكيل الإنسان. السجين لا يُعذَّب فقط، بل يُعاد تشكيله فكريًا ونفسيًا. يُجبر على توقيع “براءة” من أفكاره، على إعلان الطاعة، أو يُترك ليموت ببطء. لكن رجب، حتى حين يوقّع تلك الورقة، لا يستسلم. يقول: “لن تفرح يا أسعد، صحيح أنني وقعت تلك الورقة اللعينة، لكن لن أترك لك فرصة للشماتة، لن ترى وجهي، وقد لا أراك في حياتي كلها!”.

أسعد، شقيق رجب، يمثل صوت المجتمع الذي قرر أن ينأى بنفسه عن الضحايا. يقول بأن رجب “لم يعد صغيرًا”، وأنه “إن لم يقدم براءة، فلا هو أخي ولا أنا أعرفه”. هنا، تُظهر الرواية كيف يُمكن للمجتمع أن يتحول إلى جلاد صامت، إلى شريك في القمع بالصمت أو بالتخلي.

“شرق المتوسط” كانت تمهيدًا لصوت “منيف” الروائي الناضج الذي جمع بين النقد السياسي والعمق الإنساني – مصدر الصورة: موقع مدينة

وفي لحظة من لحظات القوة النادرة، نرى رجب يحاول أن يستعيد ذاته. يقول: “أنا الآن أملك جسدي، أستطيع أن ألقيه في البحر، لا أحد له سلطان عليه مثلي”. لكنه في النهاية يعود، يعود إلى الوطن، يعود إلى المعركة، وربما إلى الموت. يعود على ظهر الباخرة “أشيلوس”، وهي السفينة نفسها التي حملته إلى غرب المتوسط، حيث الحرية لكنه عاد ليواجه المصير محتوم والموت! 

فبعد عودته يتم اعتقاله مجددا لكن هذه المرة لأيام. وفي مشهد ختامي مفجع، يعود رجب من السجن فاقدًا لبصره، وبعد أربعة أيام يموت. أنيسة تبكي، كما اعتادت، لكنها تقرر هذه المرة أن تنشر أوراقه، أن تجعل كلماته نورًا لا نارًا. أما ابنها عادل، فهو الجيل التالي، الوريث المهدد بأن يكرر المأساة. تحذره أنيسة، لكنها تعرف، في قرارة نفسها، أن صوت الحرية لا يُكتم إلى الأبد.

وقد جاءت إحدى أقسى لحظات الرواية حين ظنت أنيسة أن خروجه من السجن سيكون بداية الحياة، لكنها سرعان ما اكتشفت أن النظام لا يترك العائلة وشأنها، فقد دخل زوجها حامد السجن بدوره، ليصبح “نزيلا بديلا عن رجب”، كما تقول. وعندما عجزت عن إيجاد ما يدعو للأمل، قالت: “سوف ننتهي كمخلوقات فاقدة كل شيء: الحرية، المستقبل، والأمل”.

وتختم أنيسة الرواية بجملة مُزلزلة: “أنا امرأة خاطئة، وأريد أن أتبع طريقة رجب ذاتها: أن أدفع الأمور إلى نهايتها، لعل شيئًا بعد ذلك يقع”. هذا الاعتراف لا يعني الانكسار، بل هو بداية وعي جديد، وقرار داخلي بتحمّل المسؤولية.

“هذا واحد من شعب سجين”

في الرواية، تتكرر إشارات لرمزية الكلمة. فالكلمة، كما يقول رجب، ليست السلاح الأقوى، لكنها سلاح الذين ماتت أمهاتهم، وتلوثت دماؤهم، وأرادوا أن يفعلوا شيئًا. وهنا يظهر منيف، الكاتب، خلف شخصيته. الكاتب الذي آمن بأن الأدب يمكن أن يفضح، أن يعرّي، أن يدوّن ما يجري في السراديب.

كما يمر الطبيب العجوز، الذي يفحص رجب، ليترك واحدة من أهم جمل الرواية: “هذا واحد من شعب سجين”. هذه الجملة المفتاحية تختصر الحكاية كلها، وتكشف أن رجب ليس فردًا معزولًا، بل هو صورة لأمة بأكملها تحت القيد.

أما الجملة التي تصف الواقع القمعي كما عاشه حامد، فهي من أكثر اللحظات توترًا: “كانوا يبتسمون عندما وقعت الورقة. الآن يريدون أن أقع في المصيدة، بدل رجب حامد”. هذا هو منطق الاستبداد، لا يكتفي بضحية واحدة.

الرواية مكتوبة بلغة شاعرية رغم قسوتها، بلغة قادرة على الغوص في النفس والواقع معًا، دون أن تقع في فخ الخطابة أو الوعظ. سرد منيف متماسك، وصوته حاضر، لكنه لا يطغى على شخصياته. بل يمنحها المجال لتتكلم، لتتألم، ولتصرخ.

باختصار، “شرق المتوسط” ليست فقط رواية عن السجن، بل عن السجن الممتد في اللغة، في الأسرة، في الحب، وفي المستقبل. إنها دعوة للقراءة من القلب، وللفهم من موقع الألم. هذه الرواية تصلح لأن تكون جسرًا لفهم كيف يتحول الإنسان إلى رقم، وكيف يمكن للكلمة أن تعيده إلى الوجود.

يذكر أن  عبد الرحمن منيف، أحد أبرز الروائيين العرب في القرن العشرين، كتب “شرق المتوسط” عام 1975، لتكون صرخة ضد الاستبداد والتعذيب والقمع الذي يمارس في الدول العربية. جاءت الرواية قبل رباعيته الشهيرة “مدن الملح”، وكانت تمهيدًا لصوته الروائي الناضج الذي جمع بين النقد السياسي والعمق الإنساني.

ورغم أن الرواية كُتبت منذ عقود، إلا أنها لا تزال مؤلمة ومطابقة لما نعيشه اليوم. فالقمع الذي تصفه، والخذلان الذي تكشفه، والكرامة التي تدافع عنها، لا تزال جميعها حاضرة في واقعنا.

لهذا، فإن “شرق المتوسط” ليست فقط عملًا أدبيًا رائعًا، بل ضرورة قرائية لكل من يريد أن يفهم معنى السجن في بلادنا، خارج القضبان وداخلها.

Exit mobile version