المفوضية المصرية للحقوق والحريات

حق ومعرفة(12) .. ماذا تعرف عن – مذبحة سربرنيتشا.. الوجه المظلم لأوروبا وتاريخ لا يُنسى

في مايو من عام 2024 صوتت الجمعية العامة للأمم المتحدة بأغلبية 84 مؤيدا، لصالح تخصيص يوم عالمي لتذكر مذبحة سربرنيتشا التي وقعت عام 1995، ليكون يوم الحادي عشر من يوليو تذكيرا بسبة العار في وجه أوروبا الآخر، وذلك على الرغم من المعارضة الشديدة من قبل صرب البوسنة وصربيا، الذين طالما رفضوا توصيف المذبحة.

خلال حرب الإبادة الجارية في غزة شبه الكثير من المحللين ما يجرى من انتهاكات وجرائم بالحرب على المسلمين في البوسنة والهرسك، وخصوصا مذبحة سربرنيتشا الشاهد على أحد أظلم جرائم أوروبا في العصر الحديث، وذلك حين قتل الآلاف من البوسنيين من قبل الصرب في البلدة التي كانت الأمم المتحدة قد أعلنتها منطقة آمنة تحت حماية 400 من الجنود الهولنديين غير مسلحين بشكل كاف.

النصب التذكاري لمذبحة سربرنتشيا – المصدر: أرشيف صحفي

كانت قوات الأمم المتحدة لحفظ السلام قد وضعت ما يقرب من 25000 بوسني في مصنع بطاريات في بلدة على بعد بضع كيلومترات من بلدة سربرنيتشا. 

وفي 11 من يوليو 1995 حاصرت القوات الصربية المكان مما حدا بقوات حفظ السلام الهولندية للتسليم للجزار الصربي راتكو ملاديتش الذي قام فورا بفصل النساء في جانب وكل الرجال الذين تزيد أعمارهم على 12 عاما في جانب آخر، حيث قاموا باغتصاب النساء ونقلوا الألاف من الرجال بالشاحنات والحافلات إلى الموت، حيث قاموا بإعدام ما يقرب من 8000 مسلم بوسني، ودفنوهم في مقابر جماعية.

وفي محاولة للهروب من المجزرة إلى مدينة توزلا حيث الحكومة البوسنية، تعرض حوالي 12 ألف بوسني لإطلاق النيران على يد القناصين الصربيين في كمائن نصبوها لهم في الطرق الجبلية التي إتخذوها للهرب، حيث قتل أكثر من 10.000 شخص في غضون 10 أيام في الطريق الطويل من سربرينيتشا الى توزلا. وإعتبرت هذه المجازر أول وثيقة قانونية تثبت عمليات الإبادة الجماعية والتطهير العرقي في أوروبا.

ما قبل المجزرة

ترجع خلفية الحرب على مسلمي البوسنة إلى العام 1990 حين تداعى الاتحاد اليوغسلافي متأثرا بسقوط الاتحاد السوفياتي وانهيار المعسكر الشرقي، ما دعا بعض الدول والشعوب إلى المطالبة بالاستقلال بعد عقود من الهيمنة الصربية في إطارِ الاتحاد الذي أسسه الجنرال جوزيف تيتو عام 1941.

بدأ الأمر بإعلان كل من كرواتيا وسلوفينيا استقلالهما وذلك بعد أن ظهرت نية الصرب في ضمّ جميع أقاليم الدولة في كونفدرالية واحدة يكون لهم النصيب الأكبر من السلطة فيها، وهو ما حفّز العرقيات الأخرى للمطالبة بالاستقلال وإقامة كياناتها السياسية الخاصة بها، ما دعا كل من مقدونيا والبوسنة والهرسك استقلالهما.

 

النصب التذكاري لمذبحة سربرنتشيا – المصدر: أرشيف صحفي

حينها رفضت صربيا استقلال البوسنة والهرسك بشدة متحججة بوجود صرب داخل البوسنة الذين يُشكلون مكونا في الإقليم ذي الأغلبية المسلمة، كما ان كرواتيا بدورها التي كانت أعلنت استقلالها للتو رفضت استقلال البوسنيين.

ثم كانت الحرب التي شنتها عصابات الصرب في 1992 للسيطرة على البوسنة والهرسك، بدعم من بلجراد، وركزت هجماتها على المناطق المتاخمة للحدود، وكان لمدينة “سربرينيتشا” نصيب وافر منها نظرا لموقعها الإستراتيجي، فهي تُشكل طريقا مهما داخل أراضي صربيا، وبالتالي تمكنوا من السيطرة عليها بعزل كل المناطق الواقعة منها إلى الشرق والشمال الشرقي عن باقي أراضي البوسنة.

سربرنتشيا حرب الإبادة الجماعية

جاء العام 1995 حين أحكم الصرب حصار سربرينيتشا وقضوا على كل محاولات البوسنيين في المقاومة حولها، ولم يكتفوا بذلك حيث شنوا هجوما واسعا للسيطرة على المدينة بقيادة الجنرال رادكو ملاديتش، حينها وقع الآلاف ضحايا محاولات التطهير العرقي للسكان المسلمين.

انسحبت المقاومة البوسنية في طوابير تفاديا لحقول الألغام الكثيرة، ولكن سرعان ما حصارها الصرب وكان أغلبُ المنسحبين بلا أسلحة.

ورغم محاولات المقاومة من قبل المسلمين البوسنيين، رجحت الكفة للصرب في اليوم وتمكنوا من أسر أعدادٍ كبيرة من البوسنيين بينهم عجزة ونساء وأطفال، ونقلوهم إلى راتوناك حيث زارهم ملاديتش شخصيا وطمأنهم بأنهم سيحررون في عملية تبادل للأسرى.

ولكن في 14 يوليو نقل هؤلاء المعتقلين إلى جهات مختلفة حيث أعدم ما بين 4 آلاف و5 آلاف شخص في عمليات تصفية ممنهجة ومنظمة، وفق تقديرات المحكمة الدولية الخاصة بيوغوسلافيا، في حين قُتل 4 آلاف آخرين خلال اقتحام القوات الصربية للمدينة.

جزء من المقابر الجماعية المكتشفة بعد الحرب لمسلمي البوسنة – أرشيف صحفي

المحكمة الدولية

اعتبرت المحكمة الدولية الخاصة بيوغسلافيا مجزرة سربرينيتشا “إبادة عرقية”، لكنَّها رفضت عام 2006 تحميل المسؤولية للدولة الصربية مكتفية باتهامها بالتراخي في منع الإبادة. وفي المقابل، أدانت المحكمة زعيميْ صرب البوسنة رادوفان كراديتش وراتكو ملاديتش بارتكاب جرائم إبادة وجرائم ضد الإنسانية.

كما رفضت المحكمة طلب البوسنة بدفع صربيا تعويضات بمليارات الدولارات لأسوأ مذبحة ارتكبت في التاريخ بعد الحرب العالمية الثانية.ويعد حكم المحكمة ملزما وليس قابلا للاستئناف، كما طالب الحكم صربيا بتسليم راتكو ميلاديتش وغيره من المتهمين بارتكاب جرائم إبادة جماعية للمحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة.

مجرمي الحرب رادوفان كراديتش وراتكو ملاديتش – المصدر أرشيف صحفي

حينها قالت المحكمة إن المذابح التي تعرض لها مسلمو البوسنة في مدينة سربرينتشا، التي تقع في شرق البوسنة، تمثل إبادة جماعية إلا أنها لا تستطيع التأكيد على مسؤولية صربيا عنها.

وبحسب الأمم المتحدة فإن نحو 100.000 شخص قد قتلوا خلال هذه حرب الإبادة التي اشتعلت بعد تفكك الدولة اليوغوسلافية.

Exit mobile version