المفوضية المصرية للحقوق والحريات

حق ومعرفة(12) .. هل تعلم – الانتهاكات مستمرة بحق العاملين في المجال الإنساني

تعد حماية منظمات العمل الإنساني والعاملين فيها أمر بالغ الأهمية لضمان وصول المساعدات إلى المحتاجين، ولهذا تنص العديد من المواثيق والاتفاقيات الدولية بصورة مباشرة أو ضمنية على ضرورة ضمان وجود حماية للعاملين في المجال الإنساني، خاصة لأولئك الذين يقدمون المساعدة للمدنيين والجرحى والمرضى وأسرى الحرب في النزاعات المسلحة.

لكن على الرغم من القوانين الدولية المقبولة عالميا لتنظيم سلوك الصراع المسلح والحد من تأثيره، فإن انتهاكات هذه القوانين مستمرة بلا تحدي أو رادع. وبينما يدفع المدنيون، بما في ذلك العاملون في مجال الإغاثة، الثمن النهائي، يواصل الجناة التهرب من العدالة، ولهذا تتعالى الأصوات المطالبة بتوقف الهجمات على العاملين في المجال الإنساني والأصول الإنسانية. 

وتشدد الأمم المتحدة على ضرورة ضمان حماية المدنيين في مناطق الصراع، وإنهاء هذه الانتهاكات والإفلات من العقاب.

ويضمن القانون الدولي الإنساني حماية من لا يشاركون مشاركة مباشرة في الأعمال العدائية أو كفّوا عن المشاركة فيها، وهؤلاء يشملون المدنيين، وهو  التصنيف الذي يشمل العاملين في المجال الإنساني. 

وينص القانون الدولي الإنساني على وجوب احترام وحماية العاملين في المجال الإنساني والأعيان المستخدمة في عمليات الإغاثة. والقانون الدولي الإنساني هو مجموعة من القواعد التي ترمي إلى الحد من آثار النزاعات المسلحة لدوافع إنسانية. ويحمي القانون الأشخاص الذين لا يشتركون مباشرة أو بشكل فعال في الأعمال العدائية أو الذين كفوا عن المشاركة فيها مباشرة أو بشكل فعال.

صورة مسعفين فلسطينيين جرى استهدافهم – مصدر الصورة: فيديو التقطه أحد المسعفين قبل الاستهداف

وتشدد اتفاقية جنيف الرابعة (بشأن حماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب) على ضرورة حماية “الأشخاص الذين لا يشتركون مباشرة في الأعمال العدائية”، ويشمل هؤلاء العاملين في المجال الإنساني. كما تنص المادة (16) من الاتفاقية على التزام أطراف النزاع، ضمن حدود الضرورات العسكرية، بتسهيل الإجراءات المتخذة للبحث عن القتلى والجرحى.

ووفق المادة (18) لا يجوز بأي حال الهجوم على المستشفيات المدنية المنظمة لتقديم الرعاية للجرحى والمرضى والعجزة والنساء النفاس، وعلي أطراف النزاع احترامها وحمايتها في جميع الأوقات، فيما تنص المادة (20) على “احترام وحماية الموظفين المخصصين كلية بصورة منتظمة لتشغيل وإدارة المستشفيات المدنية، بمن فيهم الأشخاص المكلفون بالبحث عن الجرحى والمرضى المدنيين والعجزة والنساء النفاس وجمعهم ونقلهم ومعالجتهم”.

وبشأن الأراضي المحتلة، نصت اتفاقية جنيف الرابعة في المادة (59) منها على أنه “إذا كان كل سكان الأراضي المحتلة أو قسم منهم تنقصهم المؤن الكافية، وجب علي دولة الاحتلال أن تسمح بعمليات الإغاثة لمصلحة هؤلاء السكان وتوفر لها التسهيلات بقدر ما تسمح به وسائلها”.

وتنص المادة 63 من اتفاقية جنيف الرابعة مع مراعاة التدابير المؤقتة والاستثنائية التي تفرضها الاعتبارات القهرية لأمن دولة الاحتلال على أنه “يجوز للجمعيات الوطنية للصليب الأحمر (والهلال الأحمر والأسد والشمس الأحمرين) المعترف بها، أن تباشر الأنشطة التي تتفق مع مبادئ الصليب الأحمر التي حددتها المؤتمرات الدولية للصليب الأحمر. ويجب تمكين جمعيات الإغاثة الأخرى من مباشرة أنشطتها الإنسانية في ظروف مماثلة”.

عاملون في المجال الإنساني – مصدر الصورة: صفحة اللجنة الدولية للصليب الأحمر

وفي مادته (62) ينص البروتوكول الإضافي الأول الملحق باتفاقيات جنيف المؤرخة في 12 أغسطس 1949 على ضرورة احترام وحماية الأجهزة المدنية للدفاع المدني وأفرادها.

وفي البروتوكول ذاته، تنص المادة (81) على أن “تمنح أطراف النزاع كافة التسهيلات الممكنة من جانبها للجنة الدولية للصليب الأحمر لتمكينها من أداء المهام الإنسانية المسندة إليها بموجب الاتفاقيات وهذا الملحق، بقصد تأمين الحماية والعون لضحايا المنازعات، كما يجوز للجنة الدولية للصليب الأحمر القيام بأي نشاط إنساني آخر لصالح هؤلاء الضحايا شريطة موافقة أطراف النزاع المعنية. 

 سيارة للصليب الأحمر بإحدى قاعات الزفاف وفي الخلفية غُبار إحدى الغارات الجويّة على غزة – المصدر: اللجنة الدولية للصليب الأحمر

كما تيسر الأطراف السامية المتعاقدة وأطراف النزاع، بكل وسيلة ممكنة، العون الذي تقدمه جمعيات الصليب الأحمر (الهلال الأحمر، الأسد والشمس الأحمرين) ورابطة جمعيات الصليب الأحمر لضحايا المنازعات وفقا لأحكام الاتفاقيات والبروتوكول الإضافي الأول الملحق باتفاقيات جنيف، والمبادئ الأساسية للصليب الأحمر المقررة في مؤتمرات الصليب الأحمر الدولية.

وبشأن قمع الانتهاكات للاتفاقيات والبروتوكول الإضافي الأول الملحق باتفاقيات جنيف، تنص المادة (91) من الملحق سالف الإشارة إليه على أن “يسأل طرف النزاع الذي ينتهك أحكام الاتفاقيات أو هذا اللحق “البروتوكول” عن دفع تعويض إذا اقتضت الحال ذلك. ويكون مسؤولا عن كافة الأعمال التي يقترفها الأشخاص الذي يشكلون جزءا من قواته المسلحة”.

وبجانب اتفاقيات جنيف وبروتوكولاتها الإضافية، التي تُعد هذه الاتفاقيات حجر الزاوية في القانون الدولي الإنساني، وتوفر حماية ضمنية للعاملين في المجال الإنساني الذين يقدمون المساعدة  للمدنيين والجرحى والمرضى وأسرى الحرب في النزاعات المسلحة؛ هناك اتفاقية سلامة موظفي الأمم المتحدة والأفراد المرتبطين بهم (1994) التي تحدد الجرائم ضد موظفي الأمم المتحدة والأفراد المرتبطين بهم المشاركين في عمليات الأمم المتحدة وتهدف إلى ضمان مقاضاة المسؤولين عن هذه الجرائم. فعلى الرغم من أنها تركز على موظفي الأمم المتحدة، إلا أنها تمثل اعترافًا دوليًا بالحاجة إلى حماية العاملين في المجال الإنساني بشكل عام.

وفي إطار المبادئ والأعمال المعتمدة بشأن المساعدة والحماية في إطار العمل الإنساني، صدر في ديسمبر 1995 عن المؤتمر الدولي السادس والعشرين للصليب الأحمر والهلال الأحمر، القرار 4، الذين ينص على أن “تكفل للمنظمات الإنسانية المحايدة وغير المتحيزة والمستقلة، وبخاصة للجمعيات الوطنية واللجنة الدولية والاتحاد الدولي، وكذلك للمنظمات الدولية الأخرى، وبخاصة لمفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، أن تصل فعلا وعلى نحو مناسب إلى الأشخاص المهجرين داخل بلدانهم واللاجئين، لكي تتمكن من أن توفر لهم الحماية والمساعدة الإنسانية”.

مصدر الصورة: اللجنة الدولية للصليب الأحمر

وبالنسبة إلي ضرورة القيام بعمل إنساني مستقل في زمن الأزمات، نص القرار على أن يُطلب إلي الدول أن تحترم تماما العمليات الإنسانية والموظفين المشاركين فيها في كل الأحوال، وتتخذ الاحتياطات اللازمة للامتناع عن الأعمال التي ربما تعرض هذه العمليات وهؤلاء الموظفين للخطر.

ولم يتم إغفال حماية البيانات الإنسانية وحماية المنظمات الإنسانية من الأخطار الرقمية، ففي أعقاب هجوم سيبراني غير مسبوق أدى إلى سرقة بيانات شخصية مودعة لدى اللجنة الدولية للصليب الأحمر (اللجنة الدولية) والجمعيات الوطنية للصليب الأحمر والهلال الأحمر (الجمعيات الوطنية)، اعتمد مجلس مندوبي الحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر في يونيو من العام نفسه قراراً بشأن حماية البيانات الإنسانية، يشدد على ضرورة أن تسمح جميع أطراف النزاعات المسلحة بالأنشطة الإنسانية غير المتحيزة خلال النزاعات المسلحة، وتُسهلها، بما في ذلك الأنشطة التي تُنفذ بوسائل رقمية، وأن تحترم وتحمي الأنشطة الإنسانية وعامليها، بما في ذلك حمايتهم من أي ضرر تسببه الوسائل الرقمية.

كما يشدد على وجوب احترام أنشطة المنظمات الإنسانية غير المتحيزة وحمايتها على شبكة الإنترنت وخارجها، خلال النزاعات المسلحة والكوارث الطبيعية وحالات الطوارئ الأخرى، ويدعو الدول إلى الاعتراف بأن معالجة البيانات الشخصية ضرورية بالنسبة إلى مكونات الحركة من أجل الاضطلاع بمهامها، ولا سيما بموجب القانون الدولي الإنساني، حيث ينطبق، وبموجب النظام الأساسي للحركة، وأن هذه المعالجة تعزز الأسس الهامة للمصلحة العامة والمصالح الحيوية للأشخاص المتضررين من النزاعات المسلحة والكوارث الطبيعية وحالات الطوارئ الأخرى، وهي ضرورية بالنسبة إلى هذه الأسس والمصالح.

وعلى الصعيد المحلي، تنص المادة 75 من الدستور المصري على أن “للمواطنين الحق في تكوين الجمعيات والمؤسسات الأهلية على أساس ديمقراطي، وبإخطار الجهات الإدارية المختصة، وتكون لها الشخصية الاعتبارية بمجرد الإخطار. وتمارس نشاطها بحرية، ولها الحق في تمويلها من مصادر وطنية وأجنبية، وذلك كله وفقًا للقانون.” هذه المادة هي الأساس الدستوري لتأسيس وعمل منظمات المجتمع المدني، والتي تشمل العديد من منظمات العمل الإنساني. كما تضمن حرية ممارسة نشاطها وحقها في التمويل وفقًا للقانون.

ويعد قانون تنظيم ممارسة العمل الأهلي رقم 149 لسنة 2019 ولائحته التنفيذية الإطار القانوني الرئيسي الذي ينظم عمل الجمعيات والمؤسسات الأهلية في مصر، والتي تشمل معظم منظمات العمل الإنساني، يتضمن القانون موادًا تتعلق بحقوق وواجبات هذه المنظمات.

ويشار إلى أنه تُمنح شارات الصليب الأحمر والهلال الأحمر والكريستالة الحمراء الحماية لأفراد الخدمات الطبية العسكرية وموظفي الإغاثة في حالة اندلاع نزاعات مسلحة. وتستخدم الجمعيات الوطنية المنضوية تحت الحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر هذه الشارات كذلك في كل بلد بغرض تمييز هويتها. ويشير استخدامها إلى أن أفراد الخدمات الطبية، أو الخدمات، أو المنشآت أو الموادّ التي تحمل الشارة تتمتع بالحماية التي ينصّ عليها القانون الإنساني. 

وثمة وجهان أساسيان لاستخدام الشارة؛ أولاً، الشارة علامة مرئية ترمز للحماية التي يمنحها القانون الدولي للخدمات والمعدات والمباني الطبية التابعة للقوات المسلحة في أثناء النزاعات المسلحة.وتمتد هذه الحماية لتشمل منظمات إنسانية معينة تعمل كذلك لتخفيف معاناة الجرحى والأسرى والمدنيين العالقين في براثن النزاع. ويشار إلى هذا الاستخدام عادةً باسم “الاستخدام الحمائي”.  ثانيًا، يجوز للجمعيات الوطنية للصليب الأحمر والهلال الأحمر حول العالم استخدام الشارات لتمييز بنفسها باعتبارها جزءًا من شبكة عالمية تُعرف باسم الحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر. ويُطلق على هذا النوع “الاستخدام الدلالي”. 

والقواعد التي تحدد هذين الاستخدامين دقيقة للغاية. ويجب أن تكون شارة الحماية في النزاعات المسلحة باللون الأحمر على خلفية بيضاء دون أي إضافات. ويلزم إبراز الشارة بحجم كبير وبوضوح على المباني المحمية، مثل المستشفيات، والمركبات. كما يجب أن تكون الشارة التي يضعها العاملون المشمولون بالحماية على شرائط الأذرع أو الصدريات واضحة وقائمة بذاتها. 

وينظر القانون الدولي إلى أي هجوم متعمد على أشخاص أو مبانٍ أو معدات تحمل شارة الحماية باعتباره جريمة حرب. 

يذكر أن العالم يحتفل في الـ19 من أغسطس في كل عام باليوم العالمي للعمل الإنساني. ويعود سبب اختيار هذا اليوم لـ 19 أغسطس 2003، حينما وقع هجوم على فندق القناة في بغداد بالعراق أسفر عن مقتل 22 عاملا في مجال الإغاثة الإنسانية، بمن فيهم الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في العراق، سيرجيو فييرا دي ميلو. وبعد مرور خمس سنوات، اعتمدت الجمعية العامة قرارًا بإعلان يوم 19 أغسطس يوما عالميا للعمل الإنساني.

اليوم العالمي للعمل الإنساني – مصدر الصورة: موقع الأمم المتحدة

ويشير تقرير الوصول الإنساني في غزة خلال الأشهر الستة الأولى (مارس 2024) أن حالات الوفاة تفوق 30 ألف بين المدنيين وتشمل أكثر من 150 عامل إغاثة. وهو رقم غير مسبوق في مثل هذا السياق وهذه الفترة القصيرة. 

ومن الأراضي الفلسطينية المحتلة إلى السودان وميانمار وغيرها من الأماكن الأخرى، شهد النصف الأول من عام 2024 بالهجمات على المرافق الصحية والتعليمية ومرافق المياه والصرف الصحي، مما ترك الملايين من الناس محرومين من أي إمكانية للحصول على الخدمات التي يحتاجون إليها للبقاء على قيد الحياة. (نظرة عامة على العمل الإنساني العالمي  لعام 2024).

وفي عام 2023، ارتفع عدد القتلى من بين عمال الإغاثة بأكثر من الضعف في مدة عامين، لينتقل من 118 قتيل في عام 2022 إلى 261 في عام 2023، بحسب مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية. وفي العام 2023 أيضا تم اختطاف 78 شخص من بين عمال الإغاثة وإصابة 196 آخرين على المستوى العالمي. 

والغالبية العظمى من العاملين في المجال الإنساني الذين قتلوا أو أصيبوا في عام 2023 هم عاملين وطنيين. وقدرت نسبة عمال الإغاثة الذين قتلوا من الموظفين الوطنيين بنحو 96% ومن الموظفين الدوليين (مغتربين) بنحو 4%، بينما يعد ما يقرب من النصف (47٪) من موظفي المنظمات غير الحكومية الوطنية. وتُظهر بيانات عام 2023 أن جنوب السودان كان أخطر مكان لعمال الإغاثة لعدة سنوات متتالية. واعتبارًا من 17 أغسطس 2013، يتقدم السودان نحو المرتبة الثانية.

Exit mobile version