حق ومعرفة(13).. الناشطة الجزائرية نصيرة ديتور: ثلاثون عامًا من النضال ضد النسيان والإنكار

شهدت الجزائر خلال التسعينيات ما يُعرف بـ “العشرية السوداء”، تلك الحقبة التي أُغرقت فيها البلاد في بحر من الدم والعنف السياسي والأمني، آنذاك عاشت ملايين العائلات الجزائرية الخوف اليومي، وعشرات الآلاف دفعوا حياتهم ثمنًا للصراع بين الدولة والجماعات المسلحة.
وفي قلب هذه المأساة، برزت ظاهرة الاختفاء القسري كواحدة من أكثر الجرائم قسوة وتركًا للجراح المفتوحة. عشرات الآلاف من الشبان والرجال تم اعتقالهم أو اختطافهم من بيوتهم أو الشوارع من دون أوامر قضائية، ثم تبخروا في المجهول.
تشير تقديرات منظمات حقوقية محلية ودولية إلى أن حالات الاختفاء القسري في الجزائر تجاوزت الثمانين ألف حالة، ليصبح هذا الملف الجرح الأكبر الذي لم يلتئم بعد.
ورغم مرور ما يقارب ثلاثة عقود، لا تزال السلطات الجزائرية تتعامل مع هذا الملف بالصمت أو الإنكار، أو عبر أدوات سياسية مثل “ميثاق السلم والمصالحة الوطنية“، الذي اعتبرته عائلات الضحايا محاولة لدفن الحقيقة بدل كشفها.
لكن من بين الركام، ظهرت أصوات نسائية قوية تحمل ذاكرة الألم وتقود معركة الحقيقة. كانت “نصيرة ديتور” في مقدمة هذه الأصوات، بعدما اختفى ابنها أمين الشاب اليافع عام 1997.
تحولت نصيرة من أم تبحث عن ابنها إلى ناشطة حقوقية تقود نضالًا طويلًا ضد الإفلات من العقاب وضد النسيان، حتى أصبحت تُوصف اليوم بأنها “ذاكرة حيّة للجزائر”.
أما الماضي الجزائري فهو الحاضر المصري وتحديدا منذ العام 2013 التي شهدت بروزا لظاهرة الاختفاء القسري. مئات وربما آلاف من النشطاء والمعارضين والصحفيين والطلاب تعرضوا للاختفاء في ظروف غامضة، وسط إنكار رسمي وتجاهل لمطالب العائلات. التشابه بين التجربتين، الجزائرية والمصرية، يجعل من شهادة نصيرة ديتور ذات قيمة مضاعفة، إذ تضع الألم الإنساني والسياسي في سياق أوسع يتجاوز الحدود.

نصيرة ديتور – المصدر: أرشيف صحفي
في هذا الحوار، نستعيد مع نصيرة محطات الألم والنضال، ونستمع إلى شهادتها الشخصية، ورؤيتها لمستقبل النضال من أجل الذاكرة والعدالة، ورسائلها إلى العائلات وإلى الشباب في الجزائر ومصر.
بعد أكثر من ثلاثين عامًا من النضال، مُنعتِ من دخول الجزائر. كيف تلقيت هذه اللحظة؟
لم يكن ما حدث مجرد قرار إداري أو إجراء حدودي عادي. كان عنفًا رمزيًا وماديًا في آن واحد. أن يُغلق في وجهي باب وطني، البلد الذي نشأت فيه، حيث تزوجت وأنجبت أولادي، حيث دفنت أحلامي وبذرت نضالي، كان إذلالًا عميقًا لا يوصف. لم يكن الأمر شخصيًا فقط، بل إنكار كامل لوطنيتي ولذاكرتي ولثلاثين عامًا من النضال المتواصل. كان بمثابة إعلان صريح من السلطة أن أصواتنا، نحن عائلات المفقودين، غير مرغوب فيها. شعرت أنني أُقصيت من وطني نفسه، كأن الجزائر لم تعد أرضي، وكأن الدولة أرادت أن تمحو ليس فقط ابني أمين، بل وجودي أنا أيضًا.
عشتِ لحظة المنع في مطار هواري بومدين. هل يمكنك وصف شعورك في تلك الساعات؟
في تلك اللحظة، كان الألم يمزقني بقسوة لا تقل عن الألم الذي شعرت به يوم اختفى ابني أمين. كأن الجرح القديم أعيد فتحه من جديد. أحسست أنني خذلته مرة أخرى وتركتُه لمصيره المجهول. أن يتم التعامل معي بعد ثلاثة عقود من الكفاح كأجنبية، بل كتهديد أمني، هو طعنة عميقة. لم يكن الأمر موجّهًا لي وحدي، بل كان رسالة واضحة لكل الأمهات والعائلات: لن يُسمح لكم أن ترفعوا أصواتكم. إذا لم تصمتوا، سنُسكتكم بالقوة. هذه الإهانة لم تكن مجرد تجربة شخصية، بل كانت فصلًا جديدًا في معركة طويلة بين الدولة والذاكرة.
منذ عام 1997 وأنتِ تعيشين كأم لمختفٍ. كيف تصفين هذه التجربة الإنسانية؟
أن تكوني أمًا لمختفٍ هو أن تعيشي مع جرح مفتوح لا يلتئم أبدًا. أمين كان في الحادية والعشرين من عمره، في بداية شبابه. خرج من البيت لشراء حاجيات بسيطة ولم يعد. منذ ذلك اليوم، انقلبت حياتي رأسًا على عقب. كل صباح يبدأ بانتظار لا ينتهي، وكل مساء يغلق على خوف جديد. العيش مع الاختفاء القسري يعني أن تتحرك حياتك كلها بين الأمل واليأس: الأمل أن يعود في أي لحظة، واليأس من مواجهة الحقيقة التي ترفضين أن تستسلمي لها.
لكن هذه التجربة القاسية لم تبقَ حزنًا شخصيًا فقط، بل تحولت إلى نضال عام. لم يعد الأمر يخص أمين وحده، بل صار يخص آلاف الأمهات والآباء الذين يعيشون نفس الفراغ. بمرور الوقت، صار هدفي أن أكون صوتهم، أن أرفض الإفلات من العقاب، وأن أطالب بالحقيقة والعدالة حتى لا تعيش أي عائلة أخرى هذا الكابوس.
الاختفاء القسري مفهوم يُختزل أحيانًا في تقارير قانونية. كيف تشرحين معناه كأم وناشطة؟
الاختفاء القسري ليس مجرد بند في اتفاقية دولية أو مادة في القانون. هو جريمة دولة مكتملة الأركان، وجريمة ضد الإنسانية. في الجزائر خلال التسعينيات، وصلت هذه الجريمة إلى ذروتها، مع أكثر من 80 ألف إنسان اختفوا تحت ذريعة مكافحة الإرهاب.
لكن وراء هذا الرقم، هناك حياة مدمرة لكل أسرة. بالنسبة للأم، الاختفاء القسري ليس غيابًا فقط، بل حضور دائم لشبح مجهول. كل صوت مفتاح في الباب، كل مكالمة من رقم غير معروف، كل وجه تلتقطينه في الشارع قد يوقظ الأمل… أو يذبحه في اللحظة التالية. هو حالة انتظار لا تحتمل، تعذيب نفسي يومي، سم بطيء يسري في الجسد والروح.
ما أصعب اللحظات التي واجهتك خلال مسيرتك الطويلة؟
كانت هناك لحظتان أساسيتان. الأولى حين طُرح “ميثاق السلم والمصالحة الوطنية” للاستفتاء. وقتها أدركت أن السلطة لا تريد حل الملف ولا البحث عن الحقيقة. كانت تسعى لطي الصفحة بالقوة، لدفن القضية وكأنها لم تكن، لتقديم وهم المصالحة على حساب العدالة. كان ذلك يومًا مؤلمًا لأنه كشف أن الدولة قررت رسميًا أن تتبنى النسيان.
أما اللحظة الثانية فكانت منعي من دخول الجزائر في 30 يوليو 2025. بعد ثلاثين عامًا من النضال، أن تُمنع من دخول الأرض التي اختفى عليها ابنك، دون أي تفسير، دون أي حكم قضائي، كان جرحًا جديدًا يوازي الجرح الأصلي. كأن الدولة أرادت أن تقول لي: حتى وجودك لم يعد مسموحًا به.
ورغم ذلك، ما زلتِ تتحدثين عن الأمل. كيف تصفينه اليوم؟
الأمل يتغير مع الزمن لكنه لا يموت. في الأيام الأولى بعد اختفاء أمين، كان الأمل ملموسًا: أن يعود في أي لحظة، أن أسمع خطواته على الدرج أو صوته في الهاتف. كان أملًا حارقًا. مع مرور السنين، ومع تراكم الخيبات، تحول الأمل إلى شيء آخر: بحث عن الحقيقة، مطالبة بالعدالة، رفض الإفلات من العقاب. اليوم، أقول إنني سأحمل هذا الأمل ما حييت. لأنه لم يعد أمين وحده، بل خلفه آلاف المختفين، وخلف كل واحد منهم عائلة تنتظر، وتعيش العذاب، وترفض الاستسلام.
يصفك البعض بأنك “ذاكرة حيّة للجزائر”. كيف ترين هذا الوصف؟
هو شرف كبير، لكنه أيضًا مسؤولية ثقيلة ومؤلمة. لم أختر أن أكون ذاكرة حيّة، لكنه فُرض عليّ بغياب ابني وبصمت الدولة. منذ عام 1997، أصبحت شاهدة على مرحلة يريد كثيرون محوها من التاريخ. وأنا أرفض هذا المحو. أحمل في داخلي الوجوه، والقصص، والصرخات المكبوتة لعائلات لا تُحصى. أن تكون ذاكرة حيّة يعني أن تتحولين إلى أرشيف بشري للوجع، وإلى شاهد يرفض أن يُمحى.
لماذا ترفض السلطات الجزائرية فتح ملف المختفين حتى اليوم؟
الجواب واضح: لأنه ملف يثبت أن الاختفاء القسري كان سياسة دولة، وليس مجرد تجاوزات فردية. مرتكبو هذه الجرائم والمخططون لها ما زالوا موجودين في مواقع النفوذ، سواء في المؤسسة العسكرية أو في أجهزة الأمن أو في السياسة. فتح الملف يعني توجيه أصابع الاتهام لشخصيات نافذة. لهذا، الصمت ليس إهمالًا أو تجاهلًا، بل قرار سياسي متعمد.
وهل يمكن بناء مصالحة وطنية على هذا الأساس؟
لا يمكن. أي مصالحة مبنية على النسيان أو على محو الحقيقة هي مصالحة زائفة وهشّة. المصالحة الحقيقية يجب أن تقوم على الاعتراف بالجرائم، محاسبة المسؤولين، وإنصاف الضحايا. غير ذلك مجرد شعار سياسي يُستعمل لإغلاق الملف، لا لحله.
بالانتقال إلى مصر، ما أوجه التشابه التي ترينها بين التجربتين الجزائرية والمصرية؟
الألم يتجاوز الحدود. في الجزائر خلال التسعينيات، كان آلاف الشبان يُختطفون من الشوارع أو من بيوتهم بحجة مكافحة الإرهاب. في مصر، منذ عام 2013، شهدنا تصاعدًا مشابهًا في حالات الاختفاء القسري، لكن هذه المرة استهدفت النشطاء السياسيين والصحفيين والطلاب. الآليات متشابهة إلى حد يثير القلق: الاعتقال السري، الصمت الرسمي، الإنكار، والإفلات من العقاب. أفكر كثيرًا في إبراهيم متولي، والد أحد المختفين في مصر، الذي يقبع في السجن منذ أكثر من ست سنوات لمجرد أنه حاول أن ينظم عائلات الضحايا كما فعلنا نحن في الجزائر.

إبراهيم متولي المحامي ووالد أحد المختفيين قسريا في مصر – المصدر: صفحة حملة أوقفوا الاختفاء القسري
ما رسالتك لأمهات المختفين في مصر؟
رسالتي إليكن أنكن لستن وحدكن. ألمكن هو ألمي. أعرف معنى الانتظار الذي يقتلكن كل يوم، والليل الطويل الذي لا ينتهي، والفراغ الذي لا يُحتمل. لكن كل مرة تنطقن باسم أبنائكن، أنتن تقاومن. هذه المقاومة ليست فردية، بل جماعية ومقدسة. قد تمنعنا السلطات من دخول أوطاننا، قد تراقبنا وتهددنا، لكن لا يمكنها محو ذاكرتنا، ولا كسر حبنا.
هل يمكن أن يتوحد نضال الضحايا عبر الحدود؟
ليس ممكنًا فقط، بل ضروري. من خلال الاتحاد الأورومتوسطي لمناهضة الاختفاء القسري، الذي أرأسه، نعمل على بناء روابط بين حركات الضحايا في الجزائر ومصر وتونس والمغرب وبلدان أخرى. التضامن الإقليمي يكسر العزلة، يضاعف الضغط، ويجعل من الصعب على الأنظمة أن تطمس الحقيقة.
وفد من الاتحاد الأورومتوسطي لمناهضة الاختفاء القسري (FEMED) فى جنيف يتوسطهم نصيرة ديتور،
مصدر الصورة: الموقع الالكتروني للاتحاد الأورومتوسطي لمناهضة الاختفاء القسري.
ما الذي يدفع الأنظمة العربية إلى اتباع سياسات متشابهة من الإنكار؟
الأسباب متعددة لكنها متشابكة: الخوف من المحاسبة، الرغبة في حماية المصالح، في إخفاء الأدلة، في حماية النفوذ القائم. الأنظمة تعلم أن فتح هذا الملف سيعني انهيار الكثير من الأسس التي تقوم عليها سلطتها. لذلك تختار الإنكار كوسيلة للبقاء. لكنه إنكار مؤقت، لأن الحقيقة دائمًا تجد طريقها.
كيف يمكن للمجتمع الدولي أن يساهم في دعم قضيتكم وقضية العائلات في مصر؟
يمكن للمجتمع الدولي أن يلعب دورًا محوريًا من خلال الدعم القانوني والضغط السياسي. يجب تسليط الضوء الإعلامي الدولي على هذه القضايا، دعم العائلات تقنيًا وقانونيًا، والضغط على الحكومات لفتح الأرشيفات. كذلك يجب أن تتم محاسبة المسؤولين أمام المحاكم الدولية، لأن العدالة المحلية في ظل هذه الأنظمة غالبًا ما تكون مسدودة.
بعد طردك من الجزائر، ما هي خطواتك المقبلة؟
لن أتوقف. سأواصل النضال بكل السبل المتاحة. سأوثّق كل حالة، أتعاون مع المنظمات الدولية، وأجمع الأدلة لإطلاق التحقيقات. سأرفع صوت الضحايا في كل محفل دولي. طردي من وطني لم يضعفني، بل زادني إصرارًا. هذه الصرخة لن تُخمد، بل ستزداد قوة في الداخل والخارج.

احتجاجات لأمهات من الجزائر تطالب بمعرفة مصير أبنائهم المختفيين قسريا – المصدر: أرشيف صحفي
وأخيرًا، ما رسالتك للشباب الجزائري والمصري؟
رسالتي للشباب أن يكونوا حراس الذاكرة. لا تسمحوا لأحد أن يسلبكم حق السؤال أو يفرض عليكم الصمت. الذاكرة ليست عبئًا، بل قوة. النسيان خيانة، والإفلات من العقاب موت للعدالة. أنتم الجيل الذي يستطيع أن يكسر جدار الصمت، وأن يفتح الطريق لمستقبل مختلف.
نصيرة ديتور.. بروفايل
نصيرة ديتور هي ناشطة حقوقية جزائرية ورئيسة جمعية عائلات المفقودين وعضو في الاتحاد الأورومتوسطي ضد الاختفاء القسري. تحولت إلى رمز لذاكرة جماعية مؤلمة مرتبطة بسنوات العنف في التسعينيات، بعدما اختفى ابنها أمين عمروش في يناير 1997، لتبدأ رحلة نضال لم تتوقف من أجل كشف مصيره ومصير آلاف المفقودين.
على مدى ثلاثة عقود، كرّست ديتور حياتها للدفاع عن حقوق الضحايا وأسرهم، وأصبحت وجهًا بارزًا في الحركة الحقوقية بالمنطقة، ترفع صوت الأمهات والآباء المطالبين بالحقيقة والعدالة.
في يوليو 2025، أثارت واقعة ترحيلها من مطار هواري بومدين نحو باريس صدمة واسعة في الأوساط الحقوقية والمدنية، واعتُبر المنع انتهاكًا لحقها المشروع في التنقل داخل بلدها، كما طالبت منظمات حقوقية بحمايتها والتوقف عن استهداف المدافعين عن حقوق الإنسان.
| 1 | تشير تقديرات منظمات حقوقية محلية ودولية إلى أن حالات الاختفاء القسري في الجزائر تجاوزت الثمانين ألف حالة، ليصبح هذا الملف الجرح الأكبر الذي لم يلتئم بعد. | |
| 2 | كان عنفًا رمزيًا وماديًا في آن واحد. أن يُغلق في وجهي باب وطني، البلد الذي نشأت فيه، حيث تزوجت وأنجبت أولادي، حيث دفنت أحلامي وبذرت نضالي، كان إذلالًا عميقًا لا يوصف. لم يكن الأمر شخصيًا فقط، بل إنكار كامل لوطنيتي ولذاكرتي ولثلاثين عامًا من النضال المتواصل. | |
| 3 | أفكر كثيرًا في إبراهيم متولي، والد أحد المختفين في مصر، الذي يقبع في السجن منذ أكثر من ست سنوات لمجرد أنه حاول أن ينظم عائلات الضحايا كما فعلنا نحن في الجزائر. | |
| 4 | لن أتوقف. سأواصل النضال بكل السبل المتاحة. سأوثّق كل حالة، أتعاون مع المنظمات الدولية، وأجمع الأدلة لإطلاق التحقيقات. سأرفع صوت الضحايا في كل محفل دولي. طردي من وطني لم يضعفني، بل زادني إصرارًا. هذه الصرخة لن تُخمد، بل ستزداد قوة في الداخل والخارج. | |




