Site icon المفوضية المصرية للحقوق والحريات

في اليوم الدولي لعدم التسامح مطلقًا إزاء تشويه الأعضاء التناسلية: أضرار الختان وواقعه اليوم في حياة المصريات

.

في 2008 صدر لأول مرة قانون لتجريم ختان الإناث في مصر. جاء ذلك بعد سنوات طويلة من حوادث لفتيات عانين من آثار صحية بالغة نتيجة الختان، وصلت في بعض الحالات للوفاة. نتيجة غياب التجريم القانوني قبل هذا التاريخ، أفلت الجناة من العقاب، وتوثق الأخبار العديد من الحالات في مناطق متفرقة بأنحاء البلاد، منها الطفلة بدور (7 سنوات) التي توفيت في 2007 على يد طبيبة، خرجت بعدها من القضية دون محاكمة نتيجة غياب القانون آنذاك، بالرغم من توقيع مصر على عدة مواثيق دولية تلزمها باتخاذ تدابير فعالة لمنع العنف ضد النساء والفتيات وأهمها اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) واتفاقية حقوق الطفل.

ما سبق يتضمن عدة محاور لا زالت تؤثر في واقع ختان الإناث حتى الآن، من انتهاكات مركبة له ولأثره جسديا ونفسيا، ومسؤولية تتوزع بين الدولة والمجتمع، وفجوة في النظرة للختان بين التجريم النصي القانوني وبين التبرير الثقافي والواقع الحياتي، تناقشه المفوضية المصرية للحقوق والحريات في اليوم الدولي لعدم التسامح مطلقًا إزاء تشويه الأعضاء التناسلية للإناث (ختان الإناث). نبني هذا المقال على شهادات ميدانية لنساء مختلفات في مناطق متفرقة، ما بين مسلمات ومسيحيات، بالإضافة إلى بيانات رسمية وتقارير حقوقية وأخبار صحافية، لتحليل ختان الإناث بوصفه عنفًا ممنهجًا.

لماذا الختان جريمة؟

يُعرف تشويه الأعضاء التناسلية للإناث (ختان الإناث) بأنه أي إجراء يزيل جزء أو كل الأعضاء التناسلية الخارجية للأنثى، أو إحداث إصابة فيها دون سببا طبيا. يترتب على هذا الإجراء عواقب ممتدة لما بعد وقوعه، وغالبا ما تعاني منها النساء طوال حياتهن. توثق القصص معاناتهن بداية من لحظة وقوع الجريمة وما يسفر عنها من حدوث نزيف دموي وألم شديد وصدمات عصبية، كما حدث مع الطفلة ندى في محافظة أسيوط بصعيد مصر والتي لقت مصرعها إثر ذلك. أما الناجيات من الوفاة فإنهن يعانين مشكلات صحية مثل الالتهابات ومضاعفات الولادة. يصفن كذلك شعورًا دائمًا بالخجل أو النفور من الجسد، واضطرابًا في العلاقة الحميمة، وصعوبة في التعبير عن الرغبة أو الرفض، فضلًا عن استدعاء الذاكرة المؤلمة لتجربة الختان في مراحل لاحقة من العمر.

يعود ذلك إلى أن الختان وبخلافه عدم وجود أي داع طبي له، فإنه يحوي عدة انتهاكات بحق الطفلات، بداية من الإجبار القسري غالبًا في سن مبكرة، تتراوح بين 7 و15 سنوات تقريبا، إذ تُستدعى الطفلة دون شرح حقيقي لما سيحدث، وتُخضع للإجراء باعتباره “طهارة أو واجبًا اجتماعيًا”، أو يجري خداعهن بأنه احتفال أو طقس يحولها من طفلة لامرأة وكأنها مُقدِمة على حدث سعيد.

تروي رندا (39 عاما) حكايتها مع الختان بالقول “في أسوان، ختان البنات أحيانًا بيبقى بطقوس فرح. فساتين حمرا وحنة وزغاريد”. لكن ما حدث معها بعد هذا الوعد وصدقته بينما كانت طفلة هو على العكس تماما. تضيف “دخلت مستشفى خاص، وخرجت على العناية المركزة”. تعرضت لنزيف كاد يودي بحياتها، على مدار أيام من الغياب عن الوعي، عادت منه بذكريات من الخوف والألم تنقله لنا وهي امرأة على مشارف الأربعين، أملا في ألا يتكرر مع طفلات أخريات. يشكل العمر انتهاكا آخر إذ لا يكون لديهم القدرة على إعطاء موافقة حرة أو مستنيرة، ما يجعل الختان شكلًا صريحًا من أشكال العنف ضد الأطفال، ناهيك عن كونه اعتداء جسدي قسري.

واقع الختان بين القانون والمجتمع

في 2021، وافق مجلس النواب المصري على تعديل قانوني هام، شدد عقوبة ختان الإناث لتصل إلى السجن لمدة لا تقل عن 10 سنوات، ولأول مرة يتضمن النص بوضوح محاسبة أولياء أمور الفتيات، بموجب طلب تختين بناتهن، وبذلك لم يعد الأمر مقتصر على منفذ الإجراء، بالإضافة إلى تجريم الترويج للختان بعقوبة تصل إلى 3 سنوات، وامتداد تشديد العقوبة يشمل ردع الأطباء والعاملين بالقطاع الطبي ممن يمارسون هذا الإجراء بحق الفتيات تحت مسمى “التجميل” كشكل من التهرب والتنصل منه تهمة قانونية مجرمة، في هذه الحالة تصل العقوبة إلى 20 عامًا، وتغلق العيادة ويمنع الطبيب أو الممرض من ممارسة المهنة، إلى جانب نشر الحكم بحقه علنًا .

اجتماعيا، اللجوء إلى الأطباء لإجراء مثل هذه العملية والذي جاء لصبغ الفِعل بشيء من التأمين ضد وفيات الفتيات على يد ممارسين تقليدين مثل “حلاق” أو “داية” كما شاع لعقود، أضاف طبقات جديدة من الانتهاكات، أهمها خيانة لأخلاقيات المهنة الطبية. في الوقت نفسه يدفع “تطبيب العملية” أي جعلها ممارسة طبية، بمبررات ثقافية إضافية تعلله، وتقف ضد خطورتها بدافع أن الطبيب سيكون أكثر احترافية، ولا سيما إن صاغ الأخير مبررًا طبيًا (ولا سيما مع اقتناعه بنفس الثقافة الاجتماعية).

تصل نسبة انتشار الختان في مصر إلى٩٢٪ لدى النساء في الفئة ما بين 15-49 سنة (وما يرافقها من دعم اجتماعي)، ٧٢٪ منهن من قبل أطباء. تكمن خطورة مشاركة الأطباء في ذلك بموجب أنه ومن المفترض أنهم الطرف الذي يعي علميا آثار الختان، بخلاف أن الأصل في أي إجراء من هذا القبيل لا يكون إلا بسبب طبي، وهو ما لا يتوافر في الختان الذي يعتدي على عضو سليم.

وهنا يأتي ذكر الثقافة المجتمعية والاستناد على تفسيرات دينية لتعضيد ذاتها، خصوصا في المناطق الريفية، رغم كونه ممارسة ثقافية بالمقام الأول، وليست حصرا على أصحاب ديانة معينة ، وإن كانت تستند لفتاوى وتوجيهات دينية، إلا أنه من ناحية أخرى يظل للمؤسسات الدينية دورا في التوعية بأضراره ودعم التوجه نحو القضاء على ممارسته على المستوى الشعبي، خصوصًا في القرى والمناطق البعيدة عن المركز، حيث يكون تأثير رجال الدين المحليين أو الموروثات الاجتماعية أقوى من الخطاب الرسمي لمؤسسة الأزهر والكنيسة المصرية رغم تأكيدهما في مناسبات متعددة أن ختان الإناث لا يستند إلى أي أصل ديني في الإسلام أو المسيحية. هذا التناقض بين الموقف الديني المُعلن والممارسة الفعلية يُحمّل الدولة مسؤولية مضاعفة في تفكيك هذا الخطاب عبر التوعية والمساءلة. يخالف الختان صراحة عدة مواد دستورية من بينها الحق في السلامة الجسدية، والحق في الصحة، وحماية الطفل من كافة أشكال العنف.

خاتمة

رغم وجود إطار قانوني يجرم الختان، فإن الواقع الفعلي يتسم بضعف واضح في إنفاذ القانون، واستمرار الإفلات من العقاب، وبالأخص مع وجود عقبات بآليات الإبلاغ والحماية من القصور، في ظل خوف الأسر من الوصم الاجتماعي، أو التواطؤ المجتمعي الذي يحيط بالممارسة. وعليه، تتحمل الدولة المسؤولية الكاملة عن ضمان تطبيق القانون، ومساءلة جميع المتورطين دون استثناء، وتوفير خدمات الدعم النفسي والصحي للناجيات، والاستثمار في برامج توعية طويلة الأمد تستهدف المجتمعات المحلية.

باليوم العالمي لرفض تشويه الأعضاء التناسلية للإناث، يصبح واجبًا إعادة التأكيد على أن حماية الطفلات من هذا العنف ليست خيارًا، بل التزام قانوني وأخلاقي لا يقبل التأجيل.

المصادر والمراجع:

قانون العقوبات المصري رقم 58 لسنة 1937، المعدل بالقانون رقم 126 لسنة 2008، الجريدة الرسمية، العدد 28 مكرر، 15 يونيو 2008، يمكن الاطلاع عليه من الرابط التالي:

 

داليا يونس، “على حافة الموت”، منظمة الأمم المتحدة للطفولة، منشور (بتاريخ 16 يونيو 2021)، يمكن الاطلاع عليه من الرابط التالي:

 

أشرف عبد الحميد، خبر بعنوان: “وفاة طفلة بالختان في مصر.. محاكمة والديها والطبيب”، موقع العربية، منشور بتاريخ (22 فبراير   2020)، يمكن الاطلاع عليه من الرابط التالي:

 

قانون رقم 10 لسنة 2021، الجريدة الرسمية، العدد 16 مكرر، 28 أبريل 2021، يمكن الاطلاع عليه من الرابط التالي:

 

صندوق الأمم المتحدة للسكان في مصر، “تشويه الأعضاء التناسلية للإناث في مصر”، يمكن مطالعته من الرابط التالي:

 

أميرة موسى، تحقيق صحافي بعنوان “عفة مشوهة وأعضاء مشوهة: حكايات الختان في الريف المصري”، موقع Jeem، منشور بتاريخ 5 أغسطس 2019، يمكن مطالعته من الرابط التالي:

 

Exit mobile version