Site icon المفوضية المصرية للحقوق والحريات

مركز إصلاح بدر 3 مركز إصلاح وتأهيل “حديث” بوجه “قديم”: متى تنتهي معاناة السجناء داخله؟

يوليو 17, 2025

 

تتابع المفوضية المصرية للحقوق والحريات بقلق بالغ تدهور الأوضاع المعيشية المستمر داخل مركز إصلاح وتأهيل بدر 3، لاسيما في ظل تكرار محاولات الانتحار بين السجناء، والتي تُعد مؤشرًا خطيرًا على المعاناة النفسية الحادة، ونتاجًا مباشرًا لسياسات العزل والحرمان من الزيارة، والتضييق على التريض، والإهمال الطبي الممنهج.

خلال جلسة المحاكمة المنعقدة يوم السبت 12 يوليو 2025 داخل محكمة بدر، أفاد عدد من المحامين الحاضرين أن أحد السجناء -رضا السيد أبو الغيط- المحتجز في مركز إصلاح بدر 3، أقدم على محاولة انتحار داخل القفص وأمام أنظار القاضي، والممنوع من تلقي زيارات عائلية. في مشهد يعكس حجم المعاناة النفسية التي يعيشها السجناء داخل بدر 3 والناتج عن الظروف المعيشية المتدنية في الداخل.

والواقع أن محاولات الانتحار بين السجناء داخل مراكز الإصلاح بصورة عامة، وداخل مركز إصلاح وتأهيل بدر 3 بصفة خاصة ليست بالأمر الجديد، إذ أنه منذ بدء نقل السجناء داخل بدر 3، تكررت محاولات الانتحار بين السجناء، ففي شهري فبراير ومارس 2023 أقدم السجناء على محاولات انتحار جماعية وصلت بحسب تقديرات محامين حوالي 60 سجين، وفي أبريل 2025 حاول السجين داخل بدر 3  “علاء جمال”الانتحار، ذلك على خلفية منعه من الزيارات العائلية لفترة طويلة. وعلى الرغم من السماح له مؤخرًا باستقبال زيارة، فقد تعنتت إدارة السجن في إدخال المتعلقات التي أحضرها له ذويه. وحين هدّد بالانتحار، عوقب بإيداعه في زنزانة التأديب، وهو ما دفعه في النهاية إلى تنفيذ تهديده ومحاولة إنهاء حياته، قبل أن يتم إنقاذه، ونقله إلى المستشفى.

وجاء المنع من الزيارات في مقدمة الأسباب التي عادة ما تدفع السجناء لمحاولات الانتحار، إذ يستخدم قطاع الحماية المجتمعية -مصلحة السجون سابقًا- سلطاته التقديرية الممنوحة له بموجب المادة 42 من قانون تنظيم مراكز الإصلاح والتأهيل رقم 396 لسنة 1956 والتي تقنن منع الزيارات لأسباب فضفاضة. وعلى أرض الواقع يمنع عدد هائل من السجناء داخل مركز بدر 3 لسنوات تجاوزت العشر سنوات بشكل انتقائي، ولأغراض انتقامية.

السجناء داخل مركز بدر 3: سلسلة طويلة من الإضرابات لانتزاع أبسط حقوقهم القانونية

يعتبر الإضراب عن الطعام السلاح شبه الوحيد في يد السجناء للتعبير عن اعتراضهم على الظروف المعيشية المتدنية، وللمطالبة بتحسين أوضاعهم، وكان قد أعلن العشرات من سجناء داخل قطاع 2 بمركز بدر 3 دخولهم في إضراب مفتوح عن الطعام منذ 20 يونيو 2025، احتجاجًا على ما وصفوه بالإجراءات الانتقامية، وقد أبلغوا القاضي “محمد سعيد الشربيني” أثناء المحاكمة باضرابهم عن الطعام في جلسة 5 يوليو الجاري. وهو ما يعد جزءًا من سلسلة طويلة من الإضرابات داخل مركز بدر 3، ففي النصف الثاني من أكتوبر 2022 دخل السجناء في بدر 3 في إضراب عن الطعام بسبب الظروف المعيشية المتدنية والتي أوردها السجناء في رسالة مسربة-حينها- بداية من المنع من التريض، ومراقبتهم من خلال كاميرات المراقبة داخل الزنازين، ناهيك عن الإضاءة المستمرة خلال 24 ساعة من اليوم. وفي سياق هذا الإضراب توفي السجين علاء محمد السلمي، نتيجة الإضراب الكامل عن الطعام، وعدم تلقي أي رعاية طبية من قبل إدارة السجن في 1 نوفمبر 2022.

وفي الفترة ما بين فبراير ومارس 2023، أعلن عشرات السجناء داخل مركز إصلاح وتأهيل بدر 3 دخولهم في إضراب مفتوح عن الطعام، احتجاجًا على الظروف المعيشية القاسية التي يُجبرون على تحمّلها داخل الزنازين. وقد جاءت هذه الخطوة في ظل تدهور متزايد لأوضاع الاحتجاز، تمثّلت في استمرار الإضاءة القوية داخل الزنازين على مدار 24 ساعة، والمراقبة المستمرة بكاميرات لا تتوقف، ما يُشكّل انتهاكًا صارخًا للخصوصية. إلى جانب ذلك، اشتكى السجناء من التضييق المتزايد على إدخال الأطعمة التي تجلبها العائلات خلال الزيارات، إضافة إلى حرمان عدد كبير منهم من حقهم في الزيارة العائلية بشكل كامل، وهو ما زاد من عزلتهم وعمّق معاناتهم النفسية.

جاء رد فعل إدارة مركز بدر 3 من خلال نقل العشرات من السجناء من مركز بدر 3 إلى زنازين التأديب في مركز بدر 1، بالإضافة إلى ترحيل/ تغريب العشرات من السجناء إلى مراكز إصلاح متفرقة ما بين وادي النطرون والمنيا شديد الحراسة، وجمصة شديد الحراسة وبرج العرب. وللإمعان في عزل السجناء عن العالم الخارجي لم يتم النظر فى تجديد حبس المتهمين المودعين بمركز بدر ٣ بزعم وجود عيب تقني.

ومع استمرار الإضراب وتناقل أخبار حول محاولات الانتحار الجماعي، وعدت إدارة السجن بفتح الزيارات تباعًا، وهو ما تم بشكل جزئي في ذلك الحين.

 وفي شهر أكتوبر 2024 أقدم السجناء أيضًا على الدخول في إضراب جزئي عن الطعام نتيجة لسوء المعاملة المستمرة، والتعنت المتكرر مع أهالي السجناء خلال الزيارات، ورفض إدارات السجن إدخال معظم متعلقات الزيارة – ولا سيما الطعام –، هذا بالإضافة إلى الإهمال الطبي المتعمد، فمنذ نقل السجناء إلى مجمع مراكز بدر توفي حوالي 17 سجين نتيجة للإهمال الطبي-بحسب رصد المفوضية المصرية للحقوق والحريات-.

المراوغة وإختلاف المعاملة العقابية

ينقسم مركز إصلاح وتأهيل بدر 3، كغيره من مراكز الإصلاح، إلى عدة قطاعات، غير أن المعاملة العقابية تختلف بشكل لافت من قطاع إلى آخر، في مشهد يعكس الطبيعة الانتقائية في إدارة السجن. ففي أحد هذه القطاعات، وبعد إضراب جزئي خاضه السجناء خلال الفترة ما بين مايو وبداية يونيو، تمكّن السجناء من انتزاع بعض حقوقهم القانونية. وبحسب إفادة أحد أهالي المحتجزين للمفوضية المصرية للحقوق والحريات، بات يُسمح للسجناء بالخروج إلى التريض بمعدل مرتين إلى ثلاث مرات أسبوعيًا، كما سُمح للأهالي بالسلام/ التحية على ذويهم قبل بدء الزيارة من خلف الحاجز الزجاجي.

في المقابل، يشهد القطاع 2 داخل المركز نفسه – والذي يُحتجز فيه عدد كبير من قيادات جماعة الإخوان المسلمين –حرمان غير مسبوق من التواصل الإنساني، حيث يُمنع السجناء من الزيارة العائلية بشكل شبه تام، وهو حرمان امتد لدى بعضهم لأكثر من عشر سنوات. كما يُحرم نزلاء هذا القطاع من الخروج إلى التريض، ما يُكرّس حالة عزلة تامة عن العالم الخارجي، تمثل انتهاكًا واضحًا لقانون تنظيم مراكز الإصلاح والتأهيل -السجون سابقًا-، ولائحته الداخلية.

تطالب المفوضية المصرية للحقوق والحريات بوقف الانتهاكات الممنهجة التي ترتكبها إدارة مركز إصلاح وتأهيل بدر 3 بحق السجناء، وتؤكد على ضرورة قيام النائب العام بدوره القانوني في زيارة المركز بشكل عاجل، وفتح تحقيق جاد وشفاف في الانتهاكات المتكررة، وعلى رأسها العزل المطوّل، الإهمال الطبي المتعمد، والتضييق على التواصل مع المحامين والأهالي، بما يشكّل تهديدًا مباشرًا لحياة المحتجزين وسلامتهم الجسدية والنفسية.

كما توصي المفوضية المصرية للحقوق والحريات بالآتي:

-تفعيل المادة 60 من اللائحة الداخلية لمراكز الإصلاح والتأهيل رقم 79 لسنة 1961 التي تنص على حق المحبوسين احتياطيًا في أربع زيارات شهريًا، والمحكوم عليهم زيارتين شهريًا وفقا لنص لائحة مراكز الإصلاح والتأهيل.

– تعديل اللائحة الداخلية لمراكز الإصلاح والتأهيل بما يضمن وضع نقاط تفصيلية بخصوص المتعلقات الممنوع دخولها، بما يمنع إدارات السجون من استخدام سلطاتهم التقديرية ومعاقبة السجناء وذويهم بصورة مضاعفة.

– ضمان رقابة فعالة على أماكن الاحتجاز، من خلال تفعيل آليات المساءلة، والسماح للمنظمات الحقوقية المستقلة بزيارة السجون ورصد أوضاع المحتجزين.

Exit mobile version