اصدارات

حق ومعرفة (16) .. أدب السجون,, الكلمة بوصفها تهمة “ياصاحبي السجن” .. قراءة في زنزانة أيمن العتوم

“أخطر ما في السجن أن تفقد احترامك لذاتك، لأنك إن فعلت صارت رقبتك بيد جلادك، وصرت تتقبل منه الصفعة في وجه الكرامة على أنها قبلة في خد الرضى”

من رواية الكاتب الأردني أيمن العتوم “ياصاحبي السجن” الذي يروي تجربته الذاتية في السجن بعد اعتقال السلطات الأردنية له ما بين العام 1996 -1997، بينما بزغ نجم الرواية عام 2012، ليؤرخ لمحنة مرت عليه في الماضي ولكنها تستمر في الحاضر.

من الماضي نبدأ حيث فوجئ أيمن العتوم بإلقاء القبض عليه في أعقاب حضور ندوة شعرية في منتصف التسعينات، وهو ما يبدو أنه انطبع داخله حيث جاءت لغة الرواية بلغة شعرية تصل إلى الأعماق تظهر حتى من عنوان الرواية المستقى من القرآن الكريم وسورة “يوسف” والتي يروي من خلالها الكاتب رحلته مع أصدقاء السجن المتمايزين عنه، والمتباينين في السياق، والخلفية.

ورغم جمالية النص إلا أنه لم يقع في فخ رمسنة الواقع أي جعله رومانسيا عاطفيا لا يشبه قسوة السجون وعذاباتها بل برع في ثغر الأعماق والبحث في النفس الإنسانية أيضا، حيث عمل على إبراز الشخوص “السجناء” ليس كبشر يخطئوا ويصيبوا لا مجرد ضحايا فضلا عن اهتمامه الواضح بعملية التوثيق لتلك المرحلة، دون اللجوء إلى خطاب سياسي زاعق، وبشكل بدا أحيانا عفوي.

السياق السياسي 

جاءت أحداث رواية ياصاحبي السجن في ظل ظرف شديد الخصوصية على عدة مستويات إذ تعود إلى مرحلة شديدة الحساسية في تاريخ الأردن خلال تسعينيات القرن الماضي، أعقبت توقيع معاهدة وادي عربة عام 1994، حيث برز تيار يمثل في مجمله قطاع واسع من المجتمع، مناوئ لخيار التطبيع مع إسرائيل والذي ظل رافضًا لهذا المسار، وهو ما صاحبه تضييق متزايد على الحريات العامة والأصوات المعارضة.

ثم جاءت انتفاضة نيسان/ابريل عام 1996، أو ما عرف بانتفاضة الخبز، احتجاجًا على رفع أسعار الخبز في إطار سياسات الإصلاح الاقتصادي، في تشابه على مستوى ما بين ما جرى في التاريخ المصري أواخر السبعينات، ومعها تتحول العلاقة بين الدولة والمجتمع إلى التوتر الشديد والانفصال الذي استمر حتى اليوم.

وهو ما شكل الخلفية المباشرة لموجة الاعتقالات التي تنطلق منها أحداث الرواية، وعندها يستحضر الكاتب السجن باعتباره فضاءً التقت داخله أطياف مختلفة من المعتقلين السياسيين، من المتهمين في قضية “الأفغان الأردنيينوقضية ألغام عجلون وقضية “بيعة الإمام“، إلى أعضاء حزب التحرير ومعتقلي انتفاضة الخبز، ليصبح السجن صورة مكثفة للمشهد السياسي الأردني بكل تناقضاته، وليس مجرد مكان تدور فيه الأحداث.

وجميعها عوامل جعلت علاقة الرواية بالرقابة شديدة التوتر، حتى امتد الأمر إلى مصيرها هي نفسها؛ بعد أن منعت من التداول بقرار من دائرة المطبوعات والنشر الأردنية، قبل أن يرفع الحظر عنها لاحقًا، وهو ما أثار اهتمامًا واسعًا في الأوساط السياسية والثقافية، لتنفد طبعتها الأولى خلال شهرين في مشهد غير مألوف، وهو ما جعل نص الرواية أكثر صدقا وعمليا كشاهد على القمع والاستبداد حتى في طور خروجه إلى النور كنص.

الهروب إلى المعرفة

عمل الكاتب على التعامل مع زمن السجن مدرسة في الحياة يمكنه خلالها تعلم ما لا يمكن تعلمه في أي مكان آخر، ومع ذلك شغفه بالمعرفة لم يعفه من آفة الزمن التي تجتاح نفسية أي سجين فتقلقها حيث الزمن بعكس المكان وبعكس خارجه الأرخص والأكثر فراغا، ايقاع بطيء، في ظروف نكدة حيث العيش على المفروشات المتهالكة، والغطاء الواحد، صيفا وشتاءا، فمحاولة السيطرة على الجسد تبدأ من تلك الظروف.

للمفارقة فإن الكلمة “التهمة” التي يرجع سبب إلقاء القبض عليه إليها هي نفسها نتاج العقاب، فهي النص الذي يحكي عن عقاب النص، وهنا يظهر التوثيق كقيمة يحرص عليها السجين – الأديب مهما كانت شاعريته، فتسجيل الموقف والتدقيق في الحدث سمة مشتركة بين أدباء السجون، على اختلاف أزمانهم ومواقعهم.

تمعن الرواية في التوثيق المجتمعي حيث القيمة الأرشيفية للرواية أنها تجمع في مكان واحد طيفاً كاملاً من شخصيات أردنية حقيقية بارزة سياسياً ودينياً مثل “ليث شبيلات” و”أبي محمد المقدسي” و”عطا أبو الرشتة” إلى جانب مدانين بجرائم نفس ومخدرات وغيره استعرض الكاتب أسباب عقابهم بدورهم، ليصبح السجن دولة مصغرة بكل مساوئها.

في الهم عرب.. الماضي الحاضر

رغم أن العتوم يروي حكاية سجنه خلال فترة التسعينات إلا أن ذلك لم يجعل من الأمر ذكرى فقد عاد المؤلف إلى الدائرة نفسها مرتين بعد نشر روايته، في عام 2016 أوقف العتوم تنفيذاً لطلب قضائي من مدعي عام عمان لتنفيذ حكم بغرامة خمسة آلاف دينار في قضية مطبوعات ونشر، بينما أعلنت صفحته أن السبب روايته “حديث الجنود” والتي تدور عن أحداث جامعة اليرموك 1986.

ثم مؤخرا وفي 9 يناير 2026 اعتقل العتوم وهو عائد بسيارته من عمان إلى إربد، دون مذكرة توقيف ودون إبداء أسباب، وذلك بعد أيام قليلة من الإفراج عن ابنه الطالب الجامعي، قبل أن يفرج عنه في اليوم التالي على خلفية قضية تتعلق بقضية رأي أيضا كما المرتين الماضيين وكحال أغلب أصحاب الرأي في كثير من الدول العربية، وبهذا لم تعد الرواية وثيقة تاريخية بل ظلت نصا حاضرا في أذهان الكثير من الشعوب العربية.

وكأغلب الدول العربية ايضا تبدلت أدوات مثل الاعتقال بالأمر المباشر أو أمن الدولة إلى قوانين تدعى “الجرائم الالكترونية”، وفي الأردن بشكل خاص دخل القانون حيز النفاذ في 12 سبتمبر 2023، والذي وصفته منظمات حقوقية محلية ودولية بأنه أداة لخنق المعارضة، وبأنه خلق مناخاً من الرقابة الذاتية والخوف أغلق أحد السبل القليلة المتبقية للأردنيين لنقد السياسات والسلطات العامة. 

أيمن العتوم بصحبة مجموعة من مؤلفاته – المصدر: أرشيف إعلامي

الكلمة بوصفها تهمة

لم يساق العتوم إلى الزنزانة عقب فعل ارتكبه، بل عقب أمسية شعرية ألقى فيها قصيدة عنوانها “يوميات مواطن”، تحدث فيها عن الجوع والفقر والتهميش، فاعتبرتها السلطات سبا وتشهيرا بها، ثم مضت شهور وهو لا يعرف تهمته، وهو ما يقابله في الواقع المصري الحبس الاحتياطي حيث كل التهم سواء ومحفوظة مقدما، والعقوبة قبل الإدانة، حيث إن التهمة هي فعل إبداء الرأي.

ولهذا ظل النص دليلا قائما بذاته بعد نحو ثلاثة عقود على وقائعه، تتغير السجون وتتبدل القوانين وتستحدث أسماء جديدة للمحاكم والتهم، وتبقى العلاقة بين السلطة والكلمة على حالها في بلادنا العربية، ليظل كل صاحب رأي منطوق أو مكتوب مشتبه به إلى أن يثبت العكس.

أما أيمن العتوم فهو شاعر وروائي أردني، ولد في بلدة سوف بمحافظة جرش شمال الأردن في 2 مارس 1972، وأتم تعليمه الثانوي في إمارة عجمان بدولة الإمارات العربية المتحدة. درس الهندسة المدنية وتخرج فيها عام 1997، ثم اتجه إلى دراسة اللغة العربية، فحصل على درجة البكالوريوس من جامعة اليرموك عام 1999، قبل أن ينال درجتي الماجستير والدكتوراه في النحو واللغة من الجامعة الأردنية عامي 2004 و2007.

كما شكلت تجربة اعتقاله عامي 1996 و1997، الأساس لأشهر أعماله الروائية. أصدر العتوم عددا من الروايات التي تدور في معظمها حول السجن والسلطة والحرية، من أبرزها “يا صاحبي السجن”، و”يسمعون حسيسها”، و”نفر من الجن”، إلى جانب دواوين شعرية، منها “خذني إلى المسجد الأقصى”، و”قلبي عليك حبيبتي”، و”الزنابق”.

أما ديوانه “نبوءات الجائعين”، فقد كتب قصائده داخل الزنزانة رغم منعه من الكتابة، إذ هربها مع والده خلال إحدى الزيارات، قبل أن تصدر لاحقا في ديوان حمل عنوان “نبوءات الجائعين”، ليصبح شاهدا أدبيا آخر على تجربة السجن التي تركت أثرها الواضح في مجمل مشروعه الإبداعي.

بطاقة الكتاب

العنوان: يا صاحبي السجن
المؤلف: أيمن العتوم — شاعر وروائي أردني
التصنيف: أدب السجون / سيرة ذاتية روائية
الناشر: المؤسسة العربية للدراسات والنشر — بيروت
سنة الصدور: 2012
عدد الصفحات: 344 صفحة من القطع المتوسط

1 من الماضي نبدأ حيث فوجئ أيمن العتوم بإلقاء القبض عليه في أعقاب حضور ندوة شعرية في منتصف التسعينات، وهو ما يبدو أنه انطبع داخله حيث جاءت لغة الرواية بلغة شعرية تصل إلى الأعماق تظهر حتى من عنوان الرواية المستقى من القرآن الكريم وسورة “يوسف” والتي يروي من خلالها الكاتب رحلته مع أصدقاء السجن المتمايزين عنه، والمتباينين في السياق، والخلفية.
2 جاءت انتفاضة نيسان عام 1996، أو ما عرف بانتفاضة الخبز، احتجاجًا على رفع أسعار الخبز في إطار سياسات الإصلاح الاقتصادي، في تشابه على مستوى ما بين ماجرى في التاريخ المصري أواخر السبعينات، ومعها تتحول العلاقة بين الدولة والمجتمع إلى التوتر الشديد والانفصال الذي استمر حتى اليوم
3 وتمعن الرواية في التوثيق المجتمعي حيث القيمة الأرشيفية للرواية أنها تجمع في مكان واحد طيفاً كاملاً من شخصيات أردنية حقيقية بارزة سياسياً ودينياً مثل ليث شبيلات وأبي محمد المقدسي وعطا أبو الرشتة إلى جانب مدانين بجرائم نفس ومخدرات وغيره استعرض الكاتب أسباب عقابهم بدورهم، ليصبح السجن دولة مصغرة بكل مساوئها.
4 لم يساق العتوم إلى الزنزانة عقب فعل ارتكبه، بل عقب أمسية شعرية ألقى فيها قصيدة عنوانها “يوميات مواطن”، تحدث فيها عن الجوع والفقر والتهميش، فاعتبرتها السلطات سبا وتشهيرا بها، ثم مضت شهور وهو لا يعرف تهمته، وهو ما يقابله في الواقع المصري الحبس الاحتياطي حيث كل التهم سواء ومحفوظة مقدما، والعقوبة قبل الإدانة، حيث إن التهمة هي فعل إبداء الرأي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى