
احتفالات مباريات كرة القدم تذكرني بطفولتي، عندنا ربحنا كأس أفريقيا، الفرحة كانت من القلب، نرتدي جميعاً اللون الأحمر لمن لم يمتلك قميص كرة للمنتخب، يلون الكثيرين وجوههم بأعلام مصر، نهتف للمنتخب، الحدث الوحيد القادر على تجميع الأهلاوي والزملكاوي على شعار واحد، رغم أني حتى الآن لا أفقه شيء في الكرة ولا عن اللعبة واللعيبه وقواعدها، فقط وحتى الآن أفرح عندما يأتي جول ولا أعرف اسم الهداف، كانت جدتي تعطينا خمسون جنيه عندما يفوز المنتخب في مباراة وكان ذلك مبلغ كبير حين ذاك.
توقفت عن متابعة الكرة وصرت أبغضها يوم وقعت “مجزرة ستاد بورسعيد” مساء يوم 1 فبراير 2012 عقب مباراة كرة قدم في الدوري المصري الممتاز جمعت بين فريقي الأهلي والمصري، تاريخ لا ينسى، حينها ارتبطت الكرة في عقلي بالدم والرصاص، كانت المباراة في بورسعيد قريبة من محافظتي دمياط وكنت أريد الحضور للتشجيع في الاستاد لكن أمي لم تسمح لي لكوني صغيرة على السفر بمفردي، وكنت غاضبة منها وأشعر أني كبيرة كفاية وأن المسافة كبيرة، حمدت الله بعد ذلك على عدم ذهابي ونجاتي من رؤية الجثث حولي أو أن أكون منهم، لم أسمع شيء عن المباريات ولم أهتم منذ ذلك.
حتى وقعت أحداث “ستاد الدفاع الجوي” في 8 فبراير 2015 قبل مباراة نادي الزمالك وإنبي بالدوري المصري، التي أسفرت عن مقتل 22 مشجعاً من جماهير الزمالك “وايت نايتس” إثر استخدام الشرطة قنابل الغاز لتفريق المشجعين داخل ممر ضيق.
شكلت تلك الحادثتان في عقلي حاجز بيني وبين الكرة أو أي حدث به تجمع كبير، حتى خروجي من مصر لم أذهب لأي حفلة أو تجمع ظناً أن الرصاص الذي نجيت منه في مجزرة ستاد بورسعيد سيلاحقني.
أصدقائي متعصبون للزمالك، لا يفوتهم مباراة، أحياناً كنت أجبر للجلوس معهم لمشاهدة مباراة بعد بروفة المسرح أو قبل، ولكن لا ارادياً كنت أعطي ظهري للشاشة خوفاً من رؤية دم المشجعين بعد فرحتهم الهستيرية، وأدعوا الله أن يمر الحدث مرور الكرام بلا رصاص ولا اعتقالات؛ على مدار سنوات نسيت السبب وظل العرض غصة في قلبي كل مباراة لم أتذكر لما حتى جاء كأس العالم الذي جذبني إليه صعود مصر.
في المنفى وأنا أحاول الانعزال وتجنب كل أخبار العالم الحزينة والسعيدة حرصاً على سلامتي النفسية، وجدت الأماكن مزينة بأعلام لدول مختلفة وشعارات كرة القدم، والكثير من المنشورات على وسائل التواصل الإجتماعي عن كأس العالم، تزامن ذلك مع عودة جموحي وخروجي من قوقعتي ومن المنزل وسهراتي، فوجودت الحدث في كل مكان، تابعت المباريات بلا شعور بالعار ولا خيانة لدم من قتلوا في الملعب، فعلى الأقل ستمر المباريات بلا دم في الملاعب حتى إن كانت وسط حرب باردة وحرب بعيدة عن الملاعب.
أفتقدت الأجواء المصرية، رغم محاولة صديقي أن يكون معي على الهاتف طوال الوقت وأتبادل الرسائل بالتعليقات على الأحداث مع أهلي وأصدقائي، إلا أن المباريات على مقهى شعبي وسط صراخ الجماهير والأحتفالات بالفوز وسب الحكام واللاعبين له لذة أخرى، لم أجدها هنا وربما لن أجدها في أي مكان في العالم إلا في مصر.
أحاول الآن جاهدة الخروج من العزلة التي صنعتها لنفسي وأحكم المنفى غلقها علي، كنت أحب الحياة الليلية في مصر، على عكس بلد المنفى ففي مصر كل المحلات مفتوحة على مدار اليوم، كل شيء متاح في كل وقت وكل مكان، كان يتعجب أصدقائي من سكان القاهرة أن لدي في دمياط الجديدة أماكن للخروج لكنها كانت الجنة بالنسبة لي، غير مزدحمة لدي البحر والمقاهي والمطاعم، أما هنا فالجميع يغلق من المغرب ولا يتبقى غير أماكن قليلة للرقص والشرب، أظن أن أغلب السكان متفقين على الاستيقاظ باكراً والنوم مع الشمس.
ومع ندرة من يحبون السهر هنا ولا يلتزموا بالمواعيد الشبه رسمية للبلد وجدت هنا صديقتي المرحة، تشبهني حينما كان يملئني الشغف، أصرت في مرة أن أغني الكاريوكي على أغاني مصرية، وكدت أبكي حينما بدأت الموسيقى، لكن دموعي خانتني منذ زمن ولم تعد تذرف حتى في أشد الأوقات ألماً؛ تذكرت عندما كنت أغني في مادة الكورال والتدريب الصوتي في كليتي التي تركتها ورائي بعد سنوات جاهدت للوصول إليها، وتذكرت فرحتي عندما قبلت في أمتحان القدرات لكلية التربية الموسيقية، يصبرني الأمل في إكمال ما بدأت يوماً ما.
صديقتي أليزيك تحب داليدا حتى أنها زارت قبرها في فرنسا، وتحب أغنية آه ونص والرقص عليها، تشغل تلك الأغاني لي لمحاولة دمجي، رغم عدم إتقانها اللغة الإنجليزية وصعوبة التواصل بيننا وإجراء محادثة إلا أن ابتسامتها اللطيفة كافية لأشعر بمحبتها؛ يوم غنينا الكاريوكي إختارت أغنية لداليدا بالعربية والفرنسية معاً لنغنيها معاً
في الدنيا الكبيرة و بلادها الكتيرة لفيت لفيت لفيت
و لما نادانى حبى الأولانى سبت كله وجيت وجيت
و ف حضنه اترميت و غنيت
سالمة يا سلامة روحنا وجينا بالسلامة
صوت وحالة داليدا أقوى من يعبر عن حالي، الشعور بالغربة والوحدة، بفقدان ما تنتمي إليه، ما ترى أنه جزء منك لا يمكن انتزاعه ولا تستطيع إصلاحه، بألمي حين هجوم المصريين علي، ورأيهم بأن ليس لي حق تشجيع بلدي في المباريات لمجرد اختلاف ميولي الجنسية وتوجهي الفكري، لم يعطوني حق المناقشة ولا الدفاع ولا حتى الجدال، أنهالت اتهامات عنيفة تجردني من هويتي ومن انتمائي، جلسة هم فيها القاضي والجلاد.
وفي الأوقات العصيبة والفرح أفتقد دومة الصديق والرفيق الذي طالما شجعني لأكتب وأرسم وأتعلم، وطالما جرني خارج قوقعتي حتى رغم إرادتي لأعبر عن غضبي وحزني بالألوان أو الأحرف، أفتقد مشاركته ما أنجزه، وما أنوي القيام به، أفتقد آرائه وأخباره، حتى ذلك حرمت منه باعتقاله قبل أن تصل له لوحاتي التي رسمتها له.
لسه الحب صافى و لسه الجو دافى و لسه فيه قمر
و بعد المغارب نتلملم ف قارب و يطول السهر السهر
والسمر و الغنا كلنا
سالمة يا سلامة روحنا وجينا بالسلامة





