حق ومعرفة (13).. نحن نستطيع ,, رأي محكمة العدل الدولية بشأن تغير المناخ.. المجتمع المدني يثبت أنه يستطيع صناعة الأثر

مصدر الصورة: موقع الأمم المتحدة – ICJ-CIJ/Frank van Beek
لم يعد تغيّر المناخ مجرد قضية بيئية بحتة تتعلق بالطقس أو التوازن البيئي، بل بات في جوهره قضية حقوق إنسان تمس الحق في الحياة والصحة والسكن والعدالة في شتى بقاع الأرض. وتؤكد المواثيق الدولية على أن حماية المناخ ليست ترفًا أو خيارًا سياسيًا، وإنما التزام قانوني وأخلاقي على عاتق الدول. كما يكفل الدستور المصري الحق في بيئة صحية وآمنة.
ومن هنا تأتي أهمية الرأي الاستشاري التاريخي الذي أصدرته محكمة العدل الدولية بشأن تغير المناخ، باعتباره خطوة فارقة تربط بين الالتزامات المناخية والحقوق الأساسية، وتفتح أمام المجتمع المدني – في مختلف دول العالم – أبوابا جديدة للنضال القانوني من أجل العدالة البيئية.
وكانت محكمة العدل الدولية قد أصدرت في 23 يوليو 2025 رأيا استشاريا حول التزامات الدول بشأن تغير المناخ. وقضت المحكمة في فتواها بأن الدول ملزمة بحماية البيئة من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، وبالعمل بالعناية الواجبة والتعاون للوفاء بهذا الالتزام. ويشمل ذلك الالتزام بموجب اتفاق باريس بحصر ارتفاع درجة الحرارة في حدود 1.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية.
وقضت المحكمة – التي تتخذ من مدينة لاهاي في هولندا مقرا لها – أيضا بأنه في حال انتهاك الدول لهذه الالتزامات، فإنها تتحمل مسؤولية قانونية، وقد يُطلَب منها التوقف عن السلوك غير المشروع، وتقديم ضمانات بعدم التكرار، ودفع تعويضات كاملة، حسب الظروف.
تحولٍ مفصلي
في مقال لها، رأت الناشطة الأردنية هلا صبحي، خبير سياسات المناخ، أن الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية يمثل تحولا مفصليا لمسار العدالة المناخية في وقت تتجه الأنظار نحو مؤتمر المناخ المرتقب في البرازيل (Cop30)، والذي سيعقد في نوفمبر 2025، وسيتحدد من خلاله الكثير من ملامح المرحلة المقبلة في الحوكمة المناخية الدولية. وأكدت أنه بالرغم من أن الرأي غير ملزم قانونيا، إلا أنه يحمل ثقلا سياسيا وأخلاقيا عميقا، ويمنح أدوات جديدة للمجتمع المدني والدول النامية في نضالها من أجل مناخ أكثر عدالة.
وقالت خبير سياسات المناخ إن جوهر الرأي أن الدول مُلزمة قانونًا بحماية النظام المناخي، سواء عبر خفض الانبعاثات أو منع الأذى الناتج عن أنشطة داخل حدودها، بما في ذلك منح التراخيص للوقود الأحفوري، أو دعم شركاته، أو حتى التقاعس عن التدخل حين تتسبب الشركات الخاصة بانبعاثات ملوثة. هذا التوسع في المسؤولية، من الفعل إلى الامتناع، ومن العام إلى الخاص، يقلب المعادلة القانونية التقليدية. وأوضحت أن المحكمة لم تكتفِ بإعادة تأكيد الالتزامات القائمة، بل فسّرتها ضمن مبادئ مثل الإنصاف بين الأجيال، والمسؤوليات المشتركة ولكن المتمايزة، وحق الإنسان في بيئة سليمة. وبالتالي، يصبح أي تقاعس عن حماية المناخ قابلاً للطعن القانوني.
وشددت صبحي على أن هذا الرأي يضع المجتمع الدولي أمام لحظة حقيقة: لم يعد بالإمكان التذرع بالغموض القانوني أو بالتفاوت في المسؤوليات لتبرير التقاعس. الفجوة بين من يسبب الأذى المناخي ومن يتحمل كلفته لم تعد مجرّد خلل أخلاقي، بل أصبحت موضع مساءلة قانونية محتملة. وهنا تتجلى أهمية ما قدمته محكمة العدل الدولية: تأطير الأضرار المناخية ضمن منطق العدالة لا العفو.
خطوة فارقة

صورة مصممة بواسطة الذكاء الاصطناعي
وعن هذا، قال أحمد الصعيدي، المحامي البيئي ورئيس مجلس أمناء المؤسسة المصرية للحقوق البيئية، إن الرأي الاستشاري لمحكمة العدل بشأن تغير المناخ يمثل خطوة فارقة لأنه ربط التغير المناخي مباشرة بحقوق الإنسان وألزم الدول ليس فقط بخفض الانبعاثات والتكيف، بل بضمان عدالة الاستجابة، ومراعاة الفئات الهشة، وإشراك المجتمعات، وضمان الوصول إلى المعلومات والعدالة.
وأضاف رئيس مجلس أمناء المؤسسة المصرية للحقوق البيئية، أن هذا الرأي يُمكن الاستناد إليه في التقاضي البيئي والمناخي أمام المحاكم الوطنية، وكذلك المطالبة بتمويل ودعم تقني من الدول الملوِّثة تاريخيا استنادا لمبدأ المسؤولية المشتركة والمتباينة، واستخدام حق البيئة الصحية كأساس للطعن على السياسات الضارة، واللجوء لتقاضٍ مناخي عابر للحدود عند تضررنا من انبعاثات دول أخرى؛ وبذلك يتحول الرأي إلى مرجع قانوني وسياسي يعزز حماية الحقوق البيئية ودعم الموقف المصري والعربي دوليا.
واعتبر الصعيدي هذا الرأي بمثابة خارطة طريق إرشادية من أعلى هيئة قضائية دولية وروشتة قانونية تفرض على الدول ضرورة مراعاة مبادئ حقوق الإنسان والعدالة عند صياغة وتنفيذ القوانين والسياسات.
ثمرة مبادرات وضغوط المجتمع المدني
وأوضح الصعيدي أن هذا الرأي الاستشاري لم يأتِ من فراغ، بل كان ثمرة مبادرات وضغوط قادها المجتمع المدني والشباب في جزر المحيط الهادئ، وهو ما يبرهن على أن المجتمع المدني بات قادرا على إيصال قضاياه إلى أعلى المستويات القانونية والسياسية. كما أن مشاركته من خلال المذكرات والمرافعات أمام المحكمة الدولية، ثم قيادته لطلب أمام المحكمة الإفريقية لحقوق الإنسان، يثبت أن هذه المؤسسات لم تعد مجرد أطراف ثانوية، بل أصبحت فاعلا رئيسيا في صياغة الأجندة المناخية الدولية وتعزيز مسار العدالة البيئية.
ويرى الصعيدي أن الرأي الاستشاري لمحكمة العدل بشأن تغير المناخ يُعد مرجعا قانونيا مهما لمؤسسات المجتمع المدني البيئية والنشطاء البيئيين ونشطاء المناخ يدعم مشاركتهم ومساهمتهم فى صنع السياسات البيئية والمناخية، ولهذا يؤكد أن المؤسسات الحقوقية والبيئية في مصر والعالم العربي تستطيع البناء على هذا الرأي الاستشاري باعتباره مرجعا قانونيًا وأداة ضغط أخلاقية على الحكومات، لإلزامها بتحويل التعهدات المناخية إلى سياسات فعلية وتشريعات وطنية.
وتابع ورئيس مجلس أمناء المؤسسة المصرية للحقوق البيئية، بأنه يمكن لهذه المؤسسات أيضا أن تستند لهذا الرأي في حملاتها وحواراتها مع صانعي القرار لإبراز أن الالتزامات المناخية لم تعد مجرد خيارات سياسية، بل أصبحت التزامات قانونية دولية. كذلك يمنحهم الرأي فرصة لتبني استراتيجيات شبيهة بتجربة المجتمع المدني الإفريقي أمام محاكم إقليمية، ما يعزز حضور المجتمع المدني العربي كفاعل قادر على التأثير في صناعة القرار المناخي محليا وإقليميا.
وشدد الصعيدي على أن القول بأن المجتمع المدني لا يستطيع التأثير في قضية ضخمة مثل المناخ دحضه هذا الرأي الاستشاري التاريخي؛ فالمبادرة بدأت من شباب ومجتمع مدني في جزر المحيط الهادئ، ثم حظيت بدعم أممي، وانتهت إلى رأي قضائي ملزم أخلاقيا من أعلى محكمة دولية، مؤكدا ان هذا المسار يثبت أن المجتمع المدني ليس فقط قادرا على التأثير، بل أيضًا على إحداث نقلة نوعية تجعل قضاياه جزءًا من الإطار القانوني الدولي الذي يُلزم الحكومات.
هل يمكن الاستفادة من هذا الرأي في مصر؟
توقع الصعيدي في ختام تصريحاته أن يلعب القضاء الاداري والدستوري في مصر دورا محوريا في هذا الملف، عبر الاستناد إلى الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية باعتباره مرجعًا قانونيا دوليا يعزز حجج المجتمع المدني والمتقاضين أمام المحاكم الوطنية في قضايا البيئة والمناخ، ويسهم في تحويل الالتزامات الدولية إلى التزامات عملية داخلية.
في السياق العربي
تطرقت الناشطة الأردنية هلا صبحي، خبير سياسات المناخ، إلى السياق العربي، حيث قالت في مقالها إن هذا الرأي/ القرار يفتح نقاشًا جديدًا حول موقع الدول العربية في النظام المناخي العالمي؛ ففي غياب موقف عربي موحد أثناء المداولات، يمكن القول إن الفرصة لا تزال متاحة أمام هذه الدول لتعزيز حضورها في المفاوضات المقبلة، من خلال الانخراط النشط في نقاشات ما بعد الرأي، والبناء عليه كمرجعية تفاوضية في مؤتمر الأطراف المقبل Cop30.
وأكدت صبحي أن هناك حاجة لتطوير خطط وطنية تترجم هذا الرأي إلى التزامات قابلة للتطبيق، لا سيما في ما يخص حماية الفئات الضعيفة، وتقييم الأثر المناخي للمشاريع الاستثمارية، وتنظيم العلاقة مع شركات الطاقة.
وأضافت أنه – في الوقت ذاته – يبرز تحدٍّ مركزي يتمثل في ضعف التنسيق وتشتت المواقف بين الدول العربية، ما قد يؤدي إلى تفويت فرصة استثنائية تُتيحها المرجعية القانونية لرأي محكمة العدل الدولية. وتابعت بأن هذا الواقع يزداد تعقيدًا بفعل الهيمنة السياسية والاقتصادية الأمريكية المستمرة في المنطقة، التي من المرجح أن تؤثر على صياغة السياسات المناخية وتوازنات القوى الإقليمية، مما قد يقيد قدرة الدول العربية على التحرك بفعالية واستقلالية في المفاوضات الدولية.
لم يأتِ من فراغ
أخيرا، إن الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية لم يأتِ من فراغ، بل كان ثمرة لمبادرات وضغوط قادها المجتمع المدني والشباب في جزر المحيط الهادئ. ومع تحوّل هذا الرأي إلى مرجع قانوني دولي وأداة ضغط أخلاقية، باتت المؤسسات الحقوقية والبيئية في مصر والعالم العربي أمام فرصة تاريخية للبناء عليه، لإلزام الحكومات بتحويل التعهدات المناخية إلى سياسات فعلية وتشريعات وطنية. وما تحقق اليوم يثبت أن المجتمع المدني لم يعد طرفا ثانويا، بل فاعلا رئيسيا في صياغة الأجندة المناخية الدولية، وأن استراتيجيات التقاضي والدعوة التي قادها الشباب والمبادرات المحلية يمكن أن تتحول إلى مسار عالمي يفرض العدالة المناخية كجزء من الإطار القانوني الدولي الذي لا تستطيع الحكومات تجاهله.
| 1 | المجتمع المدني بات قادرا على إيصال قضاياه إلى أعلى المستويات القانونية والسياسية |
| 2 | المؤسسات الحقوقية والبيئية في مصر لم تعد مجرد رقيب أو ناقل للانتهاكات بل أصبحت طرفا فاعلا في التغيير |
| 3 | هذه الجهود تؤكد أن التراكم والعمل المنظم يمكن أن يُحدث أثرا حقيقيا رغم كل التحديات |




