اصدارات

حق ومعرفة (15).. حكايات من المهجر,, أشباح المنفى

بقلم نهي عبير

صوت العصافير والطيور يوقظني صباح كل يوم، افتح نصف عين لأرى الساعة فأجدها مبكراً فأحاول النوم ثانياً، لكن يأرقني ما شهدته منذ سنوات في بلدي من نواح عصافير طوافهم ملئ السماء بعد قطع شجرة كبيرة كانت مسكنهم ومأواهم ربما لعشرات الأجيال، بعدها شهدت قطع عشرات الأشجار مكتوفة الأيدي مكتومة الفم، فالجميع يشاهد في صمت، لم يتحرك أحد لهدم بيوت البشر فسيكون من الرياء التحرك لهدم بيت عصفور.

كنت اتسوق ففرحت فرحة الطفل عندما وجدت زيت زيتون، شعرت بالحنين لفلسطين كحنيني لوطني، وكأني عاصرتها حرة ولعبت في شوارعها مع اصدقائي الذين لم أراهم واقعاً حتى الآن، وجلست على شاطئ حيفا واغتسلت بمياهها؛ فأشتريت الزعتر مع الزيت لعلي أجد بهم عزاء من شعور الغربة الموحشة، ومذاقهم معاً يداوي الحنين لفلسطين البعيدة القريبة دائماً للقلب والروح، على أمل رؤيتها حرة ولو زيارة.

أبهجتني قهوتي، كان نصيبي من الغربة بلد ليس بها قهوة تركي ولا عربي، ولكن حين حصلت على قهوتي، واستنشقت رائحتها ابتهجت وكدت أبكي، أحافظ على طقوس صنعها وصبها، تذكرني كل مرة بأخر فنجان قهوة من يداه، ولو أنه كان على عجل لكن لن أنساه؛ لم تجيد ريما عمل القهوة وكنت أخبرها أنها أفضل قهوة تذوقتها فتبتسم ويبتسم الكون من حولها، الآن أصنع قهوتي وأرى بها وجهه ووجه ريما، ووجه كل من شربت معهم قهوة وضحكنا.

هذا الفتى الأسمر الطويل الذي أقتحم عزلتي وأخرجني منها عنوة، تتناقض مشاعري تجاهه، بين خوف من الفقد بالموت أو غربة آخرى، وبين ارتياحي لوجوده بجانبي، حاولت أبعاده في البداية فلن أتحمل فقد آخر، لكن استسلمت بعد تمسكه، لا نتشابه في اللغة ولا الأفكار، يقتحم مرسمي ويسألني عن كل من علقت وجوههم على حائطي، أجيبه بمنتحر أو معتقل، فيخرجني من تلك الحالة ويحاول أضحاكي، ويحملني ونخرج من الغرفة؛ يمارس الجنس كالثور ويضمني كالقط.

لا يتشابه مع من عرفتهم من قبل، كنت أختار بعناية من تتوافق أفكارنا قبل أجسادنا، أما هو فقد أختارني، وأحاول جاهدة أن ألملم شتات قلبي، لأعطيه ما يعطيني، لكن تظل روحي معلقة بمن فقدت، ولو بيدي لأخترت ترك الماضي وعيش الحاضر بلحظاته، لكن أشباحي ترافقني أينما حللت، لا تترك مشهد إلا وتحاصرني وتذكرني بمن أنا، ولما أنا هنا، وتعيد ما حدث علي، حتى الدواء لم يعد يوقفها أو يحصرها في الليل.

تتغير الغرف من حولي، بألوانها وأثاثها ومكانها، ولم تتغير جلستي على سريري صافنة في اللاشيء بالساعات والأيام التي تمر ببطء متشابهة، تدهورت صحتي النفسية حتى طلبت معالجتي احتجازي في مستشفى، استسلمت للقرار لكن عندما دخلت المستشفى كدت أفقد الوعي وأرتعش جسدي، فكرة الاحتجاز ذكرتني بالمعتقل رغم الفارق بينهم ورغم أن مرافقي الذي أثق به كثيراً أكد أنها أفضل مستشفى في البلد، إلا أن جسدي لم يتقبل فكرة احتجازي في غرفة، وخرجت مسرعة كالهاربة وانتابني ذعر وأنا أكرر رفضي بكلمات غير مفهومة.

تردد كثيراً قبل أن أكتب عن مرافقي الدائم خوفاً من أن يخيب ظني وأندم على مدحه، الرجل الستيني الذي أنتشلني من ضياع الغربة، في وقت كنت لا أملك فيه إلا ريشة بلا ألوان، أخبرني أني كأبنته منذ لقائي الأول به، تسعة أشهر وأنا أرافقه في كل مكان من ندوات واجتماعات واحتفالات، يقدمني للجميع بالفنانة المصرية ويمدح عملي ولغتي الإنجليزية التي تعملتها في أشهر قليلة، يشجعني على النهوض كل يوم ويدمجني في مجتمعات ترحب بي، ولا أعلم أين كانت ستأخذني الحياة بدونه.

الإعصار الذي لا يهدأ، كما وصف نفسه، حاول أن يجعلني مثله لكنه يحارب اكتئاب وفقد وغربة وأشياح وحده، رغم محاولته الكثيرة لجعلي رياضية أهتم بالطعام الصحي واستيقظ وأنام مبكراً مثله إلا أنها فشلت، ولكنه لم يستسلم حتى الآن؛ وما رأيته في حياتي جعلني خائفة مرتعبة في البداية من طلب مقابل، لكن بعد تسعة أشهر استطعت أن اطمئن قلبي وأكتب عنه بامتنان راجية من الزمن ألا أتراجع عن ذلك في يوم.

شبح سارة حجازي الذي يطاردني كل ليلة ولا أستطيع التخلص منه ولا يستطيع التخلص مني، تارة انتصر وتارة ينتصر ويسخر مني، يأرقني ويؤنسني، ليلة يخبرني أني لست بفتاة ضعيفة ويجب أن أكمل قصتي حتى الشيخوخة بين أحفادي ولوحاتي وكتبي، يخبرني أن انهزامي يعني انهزام النساء الذي اخترن طريقهن، يرجوني أن أواجه الاكتئاب وأقاوم.

اخبره أني لست بطلة ولا أطمح للعب ذلك الدور، ولم أختر هذه الحياة ولم أرد إلا حياة عادية بين ألواني وأوراقي، يذكرني بما اقترفته يداي من رسومات وكتابات أدانتني ويعود ويسخر مني.

وروح ريما التي توقفت عن زيارتي رغم مناداتي ومناجاتي لها كل ليلة على أمل رؤيتها في المنام، ولومها على تركها لي بالأيام دون نفحة من طيفها الجليل، أجسدها في لوحاتي فتكون بطلتها الوحيدة دائماً وأبداً لتظل أمامي ويراها الجميع، وتتركني أتعلق بأمل أن تزورني ولو لحظات ولا تأتي.

أهان الفراق على قلبها؟

أويغفر لها كونها في عالم آخر؟

أكان الرسم موهبتي أم لعنتي؟

الجريمة التي لن تسقط بالتقادم، ولن أستطيع التوقف عن أرتكابها، ولن أتوقف، حتى لو أردت، لا يتوقف عقلي في الليل عن تخيل فكرة جديدة وطريقة تنفيذها وتشكيلها بالألوان، وتظل تطاردني في أحلامي وتتحرك الشخصيات في اللوحة مؤدية دورها، تستيقظ معي وتشاركني فطوري، تأتيني في لحظات نشوتي وتزاحمني في سريري، وتزاحم أشباحي في المساء حتى أنفذها فترتاح وتستقر في مثواها الأخير بالالوان على القماش.

ريشتي، تتجاهل مظاهر الجمال الطبيعي من خضرة وجبال وبحر فيروزي، ورمال كالذهب، تتجاهل حتى الفواكه الاستوائية بألوانها المبهجة، تحصر لوحاتي في تجسيد معاناة المعتقلين والمقهورين، ترسم عن فلسطين كأنها عاشت عقود في غزة، كلما حاولت الخروج من ذلك النمط برسم فتاة جميلة تلقي ريشتي بالدماء حولها، أهكذا أصبح حالي أبحث عن المعاناة في قلب الجمال.

وجدت من حولي يحدثوني عن افتتاح متحف ببلدي، مبهورين بآثارنا وتراثنا، لم ارى منه غير لصوص النظام السابق يتصدروا المشهد كسبة صريحة لكل من قاوم، ورسالة لكل من يفكر الفرعون سيظل للأبد.

هل أنا فقط من رأت ذلك والجميع يرى عظمة الحدث وانبهروا به؟

هل عجزت عيناي عن رؤية ما يراه الجميع؟

هل أبحث عن ما يؤرقني ويعطل صفوي؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى